فلسفة أمريكا في معاقبة الأشخاص وليس الدول
عبد الستار قاسم

تحدثت واشنطن عن آخر تقليعة فلسفية بشأن فرض عقوبات وذلك في نهج معالجتها أو تعاملها مع قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي. تقول الفلسفة إن أمريكا لا تعاقب الدول، وإنما الأشخاص المسؤولين عن الانحرافات وانتهاك حقوق الإنسان.

وقالت إنها تتابع تطور قضية الصحفي عن كثب، وإنها ستتخذ إجراءات ضد كل من يثبت تورطه في القضية دون المساس بالعلاقة الاستراتيجية للولايات المتحدة مع السعودية. وحسب قولها، هي اتخذت لغاية الآن بعض الإجراءات ضد بعض الأشخاص على رأسها إلغاء تأشيرات دخولهم الولايات المتحدة.

محاولة للتعمية

هذه فلسفة هزيلة لا معنى لها ولا قيمة، وهي محاولة للتعمية على ما يبغيه النظام الأمريكي وهو كيفية الخروج من مأزق خاشقجي بأقل الخسائر الممكنة للمالية الأمريكية. لقد تورطت أمريكا بقضية خاشقجي على المستوى العالمي وهي التي تدعي دائما رفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان.

في هذا المأزق، التضارب بين حقوق الإنسان والمصالح المادية الأمريكية واضح كوضوح الشمس، ولا مفر من إلحاق ضرر بمصالح أمريكا في السعودية إذا كان لواشنطن أن تتخذ موقفا مبدئيا من قضية خاشقجي يتناسب مع القوانين الدولية والأعراف الديبلوماسية. حاول الرئيس الأمريكي في البداية التملص من حقيقة ما جرى في القنصلية السعودية في تركيا، لكن الحقائق حاصرته وأجبرته على التماشي مع ما ينتظره العالم من واشنطن بمن فيهم أعضاء في حزبه الجمهوري.

فلسفة مستحدثة

ولكي يقتنع الناس بفلسفة واشنطن المستحدثة، مطلوب من أمريكا أن تفسر للجميع كيف أن عقوباتها التي فرضتها على العراق وليبيا وسوريا وإيران وكوريا الشمالية والسودان وتركيا وروسيا أثرت على الأشخاص ولم تؤثر على الدول علما أن الدول لا يمكن أن تتكون بدون شعوب، والشعب هو الرقم الأهم في تعريف الدولة.

ليت أمريكا تشرح لنا كيف تضرر رئيس كوريا الشمالية من العقوبات ونجا منها الشعب الكوري الشمالي. علما أن كوريا طورت قنابلها النووية وهي تحت العقوبات الأمريكية وغير الأمريكية، وأن كل العقوبات لم توقف الرئيس الكوري من الاستمرار في سياساته التسليحية. وليتهم يفسرون لنا أيضا كيف طورت الرئاسة الإيرانية كل هذه الأسلحة الدقيقة وهي تحت العقوبات.

الشعوب هي المتضرر

لقد بقي الأشخاص الذين طالتهم العقوبات ينعمون بحياة اعتيادية ويأكلون اللحم والشحم، ومحاطون بالحشم والخدم، والشعوب هي التي عانت ودفعت الثمن. الشعب الكوري هو الذي عانى ضنك العيش وسوء الأحوال، وكذلك الشعب العراقي والإيراني، الخ. فإذا كانت الشعوب هي التي تدفع الثمن، فكيف لا يتم المساس بالمبادئ والقيم الأخلاقية الفاضلة والقوانين الدولية؟ مطلوب من أمريكا أن تشرح لنا كيف حافظت على مصالحها الاستراتيجية في العراق وسوريا دون معاقبة الدولة. لقد دمرت أمريكا دولا عربية بسبب سياساتها المتعلقة بالعقوبات، وحاولت تدمير كوريا وإيران لكنها فشلت حتى الآن.

لنقترب من الشواطئ الأمريكية ونسأل حول كوبا التي حاولت أمريكا هدم نظامها السياسي من خلال الحصار والعقوبات. لقد دفع الشعب الكوبي الكثير من الآلام والأحزان بسبب هذه الإجراءات الأمريكية، وبقي صامدا لغاية الآن. فكيف تجنبت أمريكا معاقبة الدولة؟ وذات المنطق ينطبق على فنزويلا الآن، وعلى كل دول أمريكا اللاتينية التي لا تتماشى مع السياسات الاستعمارية الأمريكية.

وماذا عن غزة التي تقع تحت حصار مشدد من قبل العرب والصهاينة وبدعم أمريكي أوروبي؟ كيف يؤثر هذا الحصار على اسماعيل هنية ومحمود الزهار وخليل الحية؟ هو أكيد يؤثر بعض الشيء وإن كانوا يعانون فلا يعانون أكثر مما يعاني أهالي غزة. غزة ليست دولة، لكنها شعب يعاني من الإجراءات الوحشية التي علمتها أمريكا للعالم.

مصالحهم مع الطغاة

والأهم هو أن الدولة العربية القائمة حاليا هي الحاكم العربي المستبد الأرعن الذي لا يعرف للعدالة واحترام الإنسان طريقا. الحاكم العربي طاغية فاسد ومفسد، وهو يسوق الناس بعصى المخابرات وأجهزة الأمن ويرغمهم دائما على لعق حذائه واللجوء إلى السكينة والقبول بالذل والمهانة والهتاف باسمه وتمجيد أعماله الفظيعة الشنيعة ورفع صوره القبيحة.

الحاكم العربي هو الذي يتحكم بمفاصل الدولة ويتخذ كل القرارات المهمة بمعزل عن الآخرين، وهو الذي يفتح أبواب السجون لكل المعارضين، ويأمر بممارسة كل الأعمال القمعية الهمجية ضد الكتاب والمثقفين والمفكرين. الحاكم العربي منحط ومن أسافل الناس، ويتقن البلطجة ويمعن في الاعتداء على الناس وحقوقهم ومصالحهم. هو الدولة. ولولا دعم الولايات المتحدة لهؤلاء الطغاة البغاة لما استمروا في الحكم، ولما تجرأوا على النيل من المواطنين. أمريكا توفر لهم الغطاء السياسي والمالي، وتشجعهم على النيل من شعوبهم والاستمرار في استبداهم. أي أن أمريكا هي المجرم الحقيقي الذي يدعي معاقبة الأشخاص دون الدول.

معاقبة الحاكم العربي الأرعن هي معاقبة الشعب ككل، وإذا كانت أمريكا جادة في الحفاظ على المصالح الذاتية ومصالح الآخرين عليها أن تساعد الشعوب في التخلص من الحكام العرب. لكن أمريكا تعي تماما أن مصالحها مرتبطة بالحكام الفاسدين الطغاة وليس مع الشعوب.

مقالات ذات صلة