بيت عور وبيت عور: الشامي ورشيدة طليب
احمد جميل عزام

إذا قُيّض لك الحصول على تصريح يسمح بالذهاب للأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1948، فإنّ إحدى الطرق الممكنة تمر بقرية بيت عور التحتا، غرب رام الله. مرتفعة قليلا عن الشارع، ولكن هذا لا يعيق الوصول إليها، بل الأسلاك الشائكة الاحتلالية.

أحد أبناء هذه القرية، فاروق الشامي، تلقى تعليمه في مدارس الفرندز في رام الله، بموجب منحة أعطته إياها، وتخرج منها العام 1961. ووالده مهاجر عائد، لفلسطين، من الولايات المتحدة.

وهو ذهب للولايات المتحدة في منحة ليكون مدرسا، ولكن “التجميل” كان ما أسر اهتمامه، ولم يكمل في طريق مهنة التعليم. لكن والده غضب لأنه لا يريده حلاقا، وطلب منه العودة. وعاد ليفتح صالون شعر، في رام الله، ومع عشقه لمواد التجميل صار يدرس كيمياء مواد التجميل والشامبو، بمعدل ساعة كل يوم (واظب على ذلك ثلاثين عاما).

واشتعلت حرب 1967، وكان له نشاط سياسي وطني، ما اضطره للهرب من الملاحقة بالعودة للولايات المتحدة، وهناك بداية لم يعمل في التجميل، ولكن الصدفة أعادته، فقد بدأ بتسريح شعر طالبات جامعة، ثم عاد ففتح صالونا للشعر. ولكي يرضي أباه الغاضب من المهنة، وعده أن يصبح صاحب أفضل صالون في الولايات المتحدة، وفعلا دخل مسابقات جعلته كذلك، العام 1983.

وجد نفسه يعاني من أنّ الأمونيا في صبغات التجميل تؤذيه صحيا لدرجة طلب الأطباء منه الابتعاد عنها، وبالتالي عن المهنة. فاخترع صبغة بدون أمونيا، وأنكر منافسوه إمكانية حصول ذلك فتحداهم لدرجة أنّه شرب الشامبو الخاص به، في برنامج تلفزيوني. ثم وهو يأكل في إيطاليا، خطر له أنّ السيراميك المستخدم في فرن البيتزا هناك، ويبقي العجين رطبا، قد يحل مشكلة مجففات الشعر، فتعاون مع مهندسين في وكالة ناسا للفضاء، الذين يستخدمون المادة، وطوّر مجفف شعر باع بمليارات الدولارات. هو صاحب ماركتي  Chi و  BioSilk العالميتين.

وعاد الشامي لقريته، وبلده، فلسطين، وتبرع بمليوني دولار لمدرسته “الفرندز”، وأنشأ كُليّات في الجامعات الفلسطينية  في فلسطين، تعنى جزئيا بالفنون وصناعة التجميل، وأسهم ببناء مستشفيات. وقد استمتعت لهذه المعلومات في محاضرة ألقاها في بيرزيت، شدّت مئات الطلبة.

فازت رشيدة طليب (42 عاما)، من بيت عور الفوقا، الملاصقة لبيت عور التحتا، يوم 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، في ولاية ميتشيغان عن الحزب الديمقراطي، في مجلس النواب، لتكون أول عربية تفوز بمقعد في مجلس النوّاب الأميركي. وعرّفت نفسها أثناء حملتها الانتخابية عبر سلسلة انجازات بتوفير الضرائب ومساعدة أهالي الولاية، أثناء عملها في المجلس التشريعي للولاية، وهي المحامية؛ بأنها أم لولدين وأنها من أبوين مهاجرين فلسطينيين.

في مقابلة مع عبدالحميد صيام، في “القدس العربي”، يتحدث الشامي، عن فلسطين وعن سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد وعلاقة الفلسطينيين بهم، ويتحدث عن الرّسالة التي يريد تقديمها للأميركيين في الولايات المتحدة، التي يحبها ويقدر ما أعطته إياه، ويوضح أنّه لو قيض له النجاح في الانتخابات التي حاول خوضها ولم يوفق، لأوصل رسالة عن “الحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان”، التي تعني إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال. وقد أصبح وهو صاحب الشركات التي عمل فيها نحو 10 آلاف شخص ممن يتحرك له، مرشحو الرئاسة والكونغرس في الولايات المتحدة لطلب الدعم المالي والسياسي، فيرد ما هو موقفكم بالنسبة لفلسطين؟

في بيت عور الفوقا، في ورشته يتحدث أحد أقارب رشيدة، للتلفزيون، بأنّه لا يجب تحميلها (وتحميل الموضوع) أكبر مما يحتمل، بتوقع أنها وإلهان عمر، الفائزة الصومالية أيضا في الكونغرس، سيحدثان فرقا سريعا، ثم يتحدث بمحبة أنّه سعيد لمعرفته أنّ رشيدة سترتدي الثوب الكنعاني المطرز أثناء تنصيبها في المجلس.

بعيدا عن أنها إنجازات فردية من ابن وابنة لقريتين فلسطينيتين، متجاورتين، تعانيان الاحتلال، والقتل الفعلي، فإن هؤلاء لديهم جذور  واضحة، ووعي معلن بوجود مخزون تاريخي ثقافي إنساني هائل قد يحولوه لرصيد يصرفونه في حياتهم الشخصية، بدءا من الكنعانيين وحضارتهم، إلى الأديان السماوية، إلى الهوية الفلسطينية الحديثة.

هذا المخزون يمكن أن يكون جزءا من إعادة تشكيل شخصية عربية وفلسطينية ذات “قوة ناعمة صلبة للغاية”.

عن صحيفة الغد الأردنية

مقالات ذات صلة