عن مستقبل بن سلمان بعد قمة العشرين
أمجد أحمد جبريل

بعد مرور قرابة شهرين على جريمة اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول، يزدحم المشهد بمتغيرات كثيرة مؤثّرة على مستقبل هذه القضية وتفاعلاتها المعقّدة، والتي باتت مرتبطة بمصير ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، ومستقبله السياسي. وعلى الرغم من محاولات الرياض لإعادة تلميعه/ تأهيله، وسعيها إلى الإفلات من تداعيات سياساته “الطائشة” (حرب اليمن، حصار قطر، اعتقال رئيس وزراء لبنان سعد الحريري، اغتيال خاشقجي.. إلخ)، فإن قدرة السعودية على وقف تدويل/ أقلمة هذه القضايا تبدو محدودة، ناهيك عن انتزاع “زمام المبادرة الدبلوماسية”، والتخفيف من الضغوط الخارجية عليها، حتى بعد جولة بن سلمان على الإمارات والبحرين ومصر وتونس، ثم مشاركته في قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين، ثم زيارته موريتانيا والجزائر.
لقد تراجع نفوذ السعودية في الخليج والعالم العربي، وهما أقرب دوائر حركة سياستها الخارجية، وضاق هامش مناوراتها على الصعيدين، الإقليمي والدولي. كما تزايد خصوم بن سلمان ومنتقدو سياساته داخلياً وخارجياً، بدليل مظاهرات الاحتجاج ضد زيارته تونس، مهد الثورات العربية المغدورة، فضلاً عن تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدة مناطق في اليمن ضد سياسات التحالف السعودي الإماراتي، ما يؤكّد وجود بقية من روح الثورات ومقاومة فئات من الشعوب العربية لسياسات التجويع والتجهيل والهيمنة والقهر. وشيئاً فشيئاً، يصبح مصير محمد بن سلمان ومستقبل قضية خاشقجي رهناً بالتفاعلات الدولية والإقليمية، بما في ذلك المستوى الحقوقي/ الجنائي الدولي، في ظل شكوك متزايدة بشأن قدرة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الاستمرار بالدفاع عن ولي العهد السعودي، في مواجهة الضغوط الداخلية المتزايدة من الكونغرس والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام والرأي العام الأميركي، فضلاً عن ضغوط بعض الحلفاء الغربيين على ترامب. وفي هذا السياق، ثمة ثلاثة عوامل متداخلة تتحكم في مستقبل بن سلمان وسياساته الخارجية.
أولها العامل الأميركي؛ إذ يتطلع سيد البيت الأبيض إلى استمرار علاقته مع الرياض، ربما لمآرب شخصية، أكثر منها حمايةً للمصالح الأميركية، كما تبيّن بعد تقليله من تقييم وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) بأن بن سلمان هو من أمر بقتل خاشقجي، ومنع إدارة ترامب مديرة الوكالة جينا هاسبل من تقديم إفادة أمام الكونغرس، على غرار وزيري الدفاع والخارجية، قبل أن تقدم إحاطتها تاليا. وفي هذا الإطار، هناك دلالتان لبيان ترامب في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي؛ إحداهما دخول قضية خاشقجي مرحلة أخرى، سيكون الداخل الأميركي أحد مسارحها الأساسية. والأخرى أنه يكشف أن ترامب لم يؤيد منذ البداية “معاقبة” ولي العهد السعودي، بعد الاستثمار الأميركي/ الإسرائيلي/ الإماراتي في الأمير الشاب، وهو الأقدر على عمل تغييرات سريعة في مواقف الرياض، خصوصاً في مجالي التقارب مع إسرائيل وتسليم مفاتيح ثروة بلاده، كاملة، إلى واشنطن، طمعاً في دعمها، لكي يصل إلى عرش المملكة. (وهذا يشبه مقاربة الرئيس المصري أنور السادات في السبعينيات، أن الطريق إلى واشنطن يبدأ من تل أبيب).
يتعلق العامل الثاني بمواقف أنقرة وعواصم أوروبية ودولية من قضية خاشقجي؛ إذ نجحت تركيا نسبياً في إدارة تفاعلاتها إعلامياً، وجعلتها عبر تسريباتها المتدرجة بـ”القطّارة”، “قضية رأي عام دولي”، إلى حد كبير.
بيد أن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي (6/11/2018)، والتي أبقت سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ، ثم بيان ترامب، ودفاع رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، عن بن سلمان، ولقاء رئيس وزراء الهند وسياسيين أوروبيين مع الأخير، على هامش قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين، ربما تؤدي إلى تضييق مساحة المناورة أمام أنقرة نسبياً. لكن تركيا قد تستفيد من مواقف أغلب دول الاتحاد الأوروبي، ومن الدعم المعنوي الذي وفّرته، ولا تزال، مواقف المنظمات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان، سيما مع الزخم الكبير الذي أحدثته صحيفة واشنطن بوست وصحف أخرى، في الدفع أكثر نحو فتح تحقيق دولي في قضية خاشقجي. وربما يتقدم هذا المسار الحقوقي/ الإنساني في القضية، في الأسابيع والشهور المقبلة، لكي يناطح المسار السياسي الذي قاده ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون بغرض تبرئة بن سلمان.

وبغض النظر عن اتجاه تطور العلاقات الأميركية السعودية بعد أزمة خاشقجي، فإنها فتحت باباً واسعاً أمام أنقرة للضغط على الرياض، وكذلك لتحسين العلاقات بين واشنطن وأنقرة بعد الإفراج عن القس أندرو برونسون، وتأكيد محورية الدور التركي في حل مشكلات المنطقة، وهو ما استوجب ثناءً علنياً من ترامب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
يتعلق العامل الثالث في مستقبل بن سلمان بالسلوك السعودي بعدها، وكيفية استجابة الملك سلمان بن عبد العزيز لهذه الأزمة، ومدى استعداده لإنقاذ سمعة النظام الخارجية، وتقليل خسائره المتوقعة. ويمكن إجمال هذا السلوك في الآتي: إنكار ارتكاب الجريمة أول الأمر عبر تصريحات محمد بن سلمان لوكالة بلومبيرغ وتصريحات القنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي لوكالة رويترز، المماطلة في التعاون مع تركيا في التحقيقات قبل إرسال النائب العام السعودي، سعود المعجب، إلى إسطنبول بغرض تركيب/ تأليف رواية تتناسب مع حجم الأدلة الجنائية التي جمعها الأتراك.
مهم أيضاً رصدُ قرار الملك دفع العلاوة السنوية لموظفي الدولة، وجولاته الداخلية في البلاد مصطحباً ولي عهده، وإصرار السعودية على عقد مؤتمر دافوس الصحراء في الرياض، ثم منتدى “مسك العالمي”، وأخيراً تصريحات رئيس الاستخبارات السابق، تركي الفيصل، ولقاءاته في الولايات المتحدة، بهدف تلميع صورة بن سلمان. والمؤكد بخصوص السلوك السعودي أنه كان بطيئاً ومراوغاً، ينطلق من فرضية أن قضية خاشقجي في سبيلها إلى النسيان، وأن موقف ترامب وحده سيكون كافياً لطيها تماماً.
وإجمالاً لكل ما تقدم، يمكن القول إن قضية جمال خاشقجي لن تموت، لكنها تمر بمرحلة جديدة، وربما تشهد جهوداً مكثّفة لطمسها من القوى الدولية والعربية، المعادية للثورات العربية وحقوق الشعوب وكرامة الإنسان وحريته. وعلى الرغم من صواب المنطق القائل إن الموجة الثانية من الثورات المضادة في العالم العربي، والتي بدأت مباشرةً بعد زيارة الرئيس ترامب الرياض وتل أبيب أواخر مايو/ أيار 2017، تشهد بدايات تراجع، فمن الصحيح أيضاً أن انحسارها الفعلي لن يبدأ إقليمياً على الأرجح، بل ربما يبدأ من إضعاف وضع ترامب داخل بلاده، واستنزاف صورته عبر تحقيقات روبرت مولر، وكشف حقيقة علاقاته الشخصية والمالية، هو وصهره جاريد كوشنير، مع ولي العهد السعودي.
باختصار، يجب الانتظار قليلاً، قبل تقديم جردة الرابحين والخاسرين من قضية خاشقجي، بيد أن الأرجح أن المحور الأميركي/ الإسرائيلي/ السعودي لن يخرج منها رابحاً على المدى البعيد، وأن بن سلمان لن يعمر طويلاً في قيادة العربية السعودية، حتى لو وصل إلى منصب الملك.

مقالات ذات صلة