فوائد التعاون التركي الروسي تفوق الخلافات

قالت دراسة روسية إن عودة روسيا الثابتة إلى الشرق الأوسط لا تشكل تهديدا استراتيجيا لمصالح تركيا سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي؛ لأن الشراكة البراغماتية بين الدولتين تتميز بعدم الإيديولوجيا والاستقلالية عن الظرف العالمي، وأن التعاون والمنافع المتبادلة بينهما يمكن أن تقدم بديلا حقيقيا للنظام العالمي الذي كان موجودًا في السابق في الشرق الأوسط.

وأضافت الدراسة التي أصدرها مركز الأبحاث الاستراتيجية “سام” التابع لوزارة الخارجية التركية، أنه على الرغم من الخلافات المتبقية في نهج روسيا وتركيا تجاه السياسة الإقليمية والعالمية، فلا توجد عقبات لا يمكن التغلب عليها للتعاون في تلك القضايا، حيث تفوق المنافع المتبادلة والمصالح المشتركة الحقيقية والمحتملة أي اختلافات.

الدراسة التي أعدها كل من جورجي لوكيانوف، نائب رئيس قسم تاريخ روسيا في المدرسة العليا للاقتصاد، وروسلان ماميدوف الباحث في المركز الروسي للشؤون الدولية، رأت أن البلدين يملكان  إمكانيات كبيرة للقيام بأعمال مشتركة تسهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة والمشاركة في نظام أمن إقليمي جديد، وهي:

الإرهاب كتهديد للأمن القومي والعالمي

وتذكر الدراسة أن الإرهاب المحلي والدولي يعد أحد أهم القضايا الأمنية المشتركة بين روسيا وتركيا. وتضيف أن أجهزة الأمن الروسية تحتاج إلى التعاون مع نظيرتها التركية لمواجهة الإرهاب في بعض المناطق داخل روسيا مثل شبه جزيرة القرم، بسبب الروابط الثقافية والدينية الوثيقة تاريخياً بين السكان الأتراك والشعوب التي تعيش في جنوب روسيا.

وفي المقابل ترفض روسيا الاعتراف بشرعية بعض المنظمات الكردية مثل حزب العمال الكردستاني كما أنها لم تدعم أهدافه طالما ظل الإرهاب هو الأداة الرئيسية لتحقيقها.

وتوضح الدراسة أن سبب عدم اعتراف روسيا رسمياً بحزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية على الرغم من طلبات تركيا، هو أن “روسيا لا تصنف أي منظمة بأنها إرهابية إلاعندما تتسبب في تهديد لروسيا وتعمل على أراضي الاتحاد الروسي.”

ومن ناحية أخرى، يظل احترام وحدة أراضي تركيا وسيادتها يشكلان مبدأ دائمًا بالنسبة لروسيا. وعلى النقيض من الاتحاد السوفييتي الذي كانت الإيديولوجية الشيوعية حجر الزاوية في سياسته الخارجية، تقترب روسيا المعاصرة من تركيا والشرق الأوسط ككل من وجهة نظر البراغماتية والاستجابات المناسبة للتحديات والتهديدات الفعلية للأمن، سواء التقليدية أو غير التقليدية.

وتلفت الدراسة إلى أن الشراكة بين روسيا وتركيا في مواجهة التهديدات الإرهابية ما زالت تفتقر إلى أساس مؤسسي متطور، يقوم في نطاقه على أساس الثقة الاستراتيجية. وعلى الرغم من اختلاف أساليب التعامل مع الأزمات السياسية في البلدين، فإنهما تميلان إلى النظر إلى المشاكل الداخلية لبعضهما البعض باعتبارها شؤونهما الداخلية، رافضتين الاستفادة منها لتحقيق مكاسب سياسية.

الأسلحة النووية والطاقة النووية السلمية في الشرق الأوسط

وتذكر الدراسة أن روسيا لا تكف عن توجيه النقد لتركيا بسبب وجود الأسلحة النووية الأمريكية على أراضيها والتي تقدر بنحو 200 قنبلة B61 نووية حرارية، وتحث الخارجية الروسية الولايات المتحدة على إعادة أسلحتها النووية إلى وطنها الأم، مشددة على أن موسكو قد فعلت ذلك، وتتوقع الآن أن يحذو الأمريكيون حذوها.

ومع ذلك، تنظر روسيا حاليا إلى تركيا كشريك وليس تهديدًا. وقد أحرز البلدان تقدما كبيرا في التعاون الاقتصادي خلال العقدين الماضيين بما في ذلك تطويرالطاقة النووية السلمية، ووقعتا عقدا لبناء محطة أك كويو النووية في مرسين، كما تعتزم شركة روس آتوم بناء أربع وحدات طاقة نووية.

وعلى الرغم من المشاكل القائمة، فإن روسيا وتركيا ملتزمتان رسمياً بعدم الانتشار النووي وتدعمان إنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط.

الأزمة السورية

ووفقا للدراسة قررت تركيا وروسيا التعاون في القضية السورية منذ عام 2016، على الرغم من وجهات نظرهما المتناقضة كليًا تجاهها. وبدأ رئيسا الدولتين ومجموعات العمل عقد كثير من الاجتماعات، مما أدى إلى قدر معين من التفاهم المتبادل، بما في ذلك تطوير آليات محددة للتعاون في سوريا.

وتشير الدراسة إلى أن البلدين يملكان على المدى المتوسط ​​الفرصة لمواصلة تطوير التعاون في سوريا في ثلاثة مجالات رئيسية: المساعدة في التغلب على الأزمة الإنسانية واستعادة البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية في سوريا، وتعزيز التسوية السياسية، وأخيرا التعاون في مكافحة الإرهاب.

النظام والأمن الإقليميان

وتذكر الدراسة أن تركيا وروسيا تتعاونان في إطار عدد من المنظمات الأمنية الدولية، بما في ذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، ومنظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، التي تعد روسيا عضوا فيها، وتركيا شريك حوار.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، وحسب الدراسة، أصبحت الحاجة إلى نظام أمن إقليمي في الشرق الأوسط بمشاركة روسيا وتركيا أكثر أهمية اليوم، حيث تضطلع البلدان بدور مهم في المنطقة ولهما مصالح تسعيان إلى حمايتها، لا سيما بعد أن أثبتت المنظمات المتعددة الأطراف النشطة في المنطقة أنها غير فعالة ومن بينها جامعة الدول العربية.

ورأت أن ما يسمى حلف الناتو العربي الذي اقترحه الرئيس الأمريكي ترامب لا يملك فرصة للنجاح في المنطقة في القرن الحادي والعشرين لأنه يفتقر إلى حوار مفتوح شامل بين جميع الدول دون استثناء، كما أن هذا النهج يتجاهل تماما أن التحديات الاستراتيجية طويلة الأجل للتنمية والأمن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست سياسية بقدر ما هي اقتصادية وإنسانية.

ووأردفت أن حل النزاعات الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك المواجهات طويلة الأمد في ليبيا واليمن، لا يمكن أن يكون إلا من خلال جيران البلدان المتضررة التي تأثرت بالفعل بشكل مباشر وشديد. وسيكون من الخطأ القول إن تركيا لا يمكنها الاضطلاع بدور إيجابي في المشكلة اليمنية أو الليبية.

مقالات ذات صلة