لهذا لا تذموا إيران وتتملقوا للسعودية

نشرت صحيفة “التايمز” مقالا للصحافي إدوارد لوكاس، يقول فيه إنه من الصعب تخيل أن إيران كانت يوما حليفا، في الوقت الذي كان ينظر فيه للسعودية باشمئزاز وتشكك.

ويقول الكاتب: “في 2001 أنهيت فترة عملت فيها مراسلا حربيا في أفغانستان، وخرجت على متن طائرة شحن مهلهلة من فيض أباد، عاصمة شريحة صغيرة من الأرض، تسيطر عليها الحكومة المعترف بها التي يؤيدها الغرب وإيران”.

ويضيف لوكاس في مقاله قائلا: “كان هناك وجود أمريكي صامت في فيض أباد، لكن المسافرين المرافقين لي كانوا من الحرس الرئاسي في طريقهم للتدريب في إيران، تحدثت معهم ومع مرافقيهم الإيرانيين، وقلت إنني أعجبت بالوقفة التضامنية بالشموع التي أقامها الإيرانيون في طهران بعد الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن قبل أسابيع، واتفقنا على أن حركة طالبان حركة همجية، وكذلك السعوديون؛ بسبب سياساتهم الطائفية المحلية، ولدعمهم الأشخاص الذين اختطفوا الطائرات وصدموا مركز التجارة العالمي، وكان من مصلحة إيران أن تخلص أفغانستان من هؤلاء المتطرفين، وقد نستطيع التعاون في أمور أخرى”.

ويعلق الكاتب قائلا إن “ذلك لم يحدث، فالسعودية، التي من المفترض أنها حليفنا الذي ليس له بديل، وبالرغم من عيوبها كلها، فهي تبيعنا النفط وتشتري منا الأسلحة، وتساعدنا في الحرب على الإرهاب، وبالمقارنة فإيران عدوتنا دون جدال: دولة دينية بلطجية لها طموحات مهددة”.

ويقول لوكاس: “يجب أن يثير مقتل جمال خاشقجي، والكذب غير المعقول الذي تستمر السلطات السعودية في ممارسته، لدينا التساؤل إن كنا محقين في تفضيل نظام بغيض على آخر، ففي كثير من القضايا تبدو إيران أفضل، وفي المعايير البائسة لتلك المنطقة فإن نظامها نموذج مثالي للتعددية، ومن بين الدول المسلمة، هناك فقط تونس وتركيا ولبنان تقدم المستوى ذاته من المشاركة والتنافس”.

ويشير الصحافي إلى أن “السعودية بدأت فقط الآن بالسماح للمرأة بقيادة السيارات، وفي إيران يمكن للمرأة أن تشغل مناصب عالية، ويمكنها الحصول على تعليم من الدرجة الأولى، والعيش باستقلالية، وفيما يتعلق بحقوق الأقليات، فإن لدى إيران إخفاقات، لكن الأمين العام لمجلس الأمن القومي العميد البحري علي شمخاني، عربي، وآية الله خامنئي، الزعيم الروحي، من أصول أذربيجانية، أما سجل السعودية فهو القمع بلا رحمة”.

ويبين الكاتب أن “القصة ذاتها تنطبق في قضية الدين، ففي إيران مئات الكنائس، وأكبر أقلية يهودية في أي بلد مسلم عدا تركيا، ويمكن الذهاب لمعبد يهودي في طهران، أما في السعودية فأنه تمنع ممارسة أي ديانة غير الإسلام، ولا يمكن شراء إنجيل ناهيك عن الذهاب لكنيسة”.

ويجد لوكاس أن “سياسة إيران الخارجية هي المشكلة الحقيقية، فمع أن الحماس الثوري انحسر منذ أيام آية الله خميني، إلا أنها تتدخل في العراق وسوريا ولبنان، وتدعم الثوار في اليمن، والتنظيمات السرية الشيعية في دول الخليج، وتتوعد إسرائيل بالدمار، وبعض ذلك هو رد فعل عنيد يعود لأخطاء ماضية، مثل دعم الغرب لصدام حسين في الفترة ما بين 1980- 1988، ولا تريد إيران للمتطرفين السنة أن ينتصروا في العراق أو في أي مكان آخر، وبالذات ليس السعودية، ووجود مليشيا وكيلة متمثلة في حزب الله على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، والآن الحدود السورية الإسرائيلية، يعده الإيرانيون أفضل ردع ضد أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي مستقبلي”.

ويرى الكاتب أنه “مع ذلك، فإن تجربة السنوات الأخيرة أثبتت أن إيران مستعدة للتفاوض، والتزمت بالاتفاقية النووية، بالرغم من انسحاب إدارة ترامب منها، وكان يمكن لذلك أن يكون هو أساس الحوار حول قضايا أخرى أيضا”.

ويشير لوكاس إلى أن “السياسة الخارجية السعودية فيها إشكاليات، فأساءت إدارة حرب اليمن، ومع أن لدى النظام علاقات سرية جيدة مع إسرائيل، إلا أن الأموال السعودية الخاصة والعامة هي التي تدعم النموذج الوهابي من الإسلام في بلدان آخرى، وتمول المدارس الإسلامية التي تعلم مواد تدعو للعنف تجاه الأديان والثقافات الأخرى، بما في ذلك النماذج الأخرى غير الرئيسية من الإسلام”.

ويقول الكاتب: “لا أقول إن علينا أن نغير تحالفاتنا، فالسعودية مع كذبها وعجزها كله تبقى حليفا مفيدا، وتتصرف إيران بشكل سيئ في قضايا كثيرة، ليس أقلها اضطهاد من تعتقد أنهم على علاقة بالغرب، مثل المعاملة البشعة مع المرأة البريطانية الإيرانية نازانين زغاري- راتكليف، التي تم احتجازها في نيسان/ أبريل 2016، بتهم زائفة، والتحرش الانتقامي بعائلات الصحافيين الذين يعملون مع وسائل الإعلام الأجنبية، لكن ليس من الواضح بالنسبة لي كيف يمكن لإبقاء إيران مجمدة، في الوقت الذي نتملق فيه للسعوديين بغض النظر عن تصرفاتهم، أن يجعل أيا من ذلك أفضل”.

ويعتقد لوكاس أنه “بدلا من ذلك، فإنه يجب علينا أن نجعل من الواضح للحكام في الرياض بأن لدينا خيارات أخرى، وللقيادة الإيرانية بأن الاتفاق ممكن ومرحب به، فالدول الأوروبية تستعد لتجنب العقوبات الأمريكية المجددة باستخدام وسيلة خاصة، مثل بنك، يسمح للشركات الأوروبية بأن تتعامل تجاريا مع إيران دون استخدام الدولار أو النظام المالي الأمريكي، مثل هذه الجهود تستحق دعمنا أيضا”.

ويقول الكاتب: “تصرفاتنا تشجع السعوديين على معاملتنا بازدراء، كما أثبتت الحادثة التي حصلت مع المعارض السعودي غانم الدوسري، الذي هاجمه أشخاص في وسط لندن في 31 آب/ أغسطس، حيث يظهر تسجيل للحادثة الاعتداء بالضرب على الدوسري، وعندما يتدخل صديقه الإنجليزي، يقول المهاجمون (**** لندن، الملكة عبدة عندنا)، ثم يقومون بعد ذلك بمحاولة رشوة صديقه لئلا يشهد معه، حيث قال أحدهم: (أنا أتحدث باسم سموه الملكي، لن يحضر الشرطة، نستطيع أن نرتب كل شيء، نحن نملك لندن)”.

ويختم لوكاس مقاله بالقول: “احترام النفس، واحترام مصالحنا، يشيران إلى أنه ينبغي علينا أن نوضح لهم أنهم لا يملكون لندن”.

مقالات ذات صلة