آليات التحكم في مسارات التغيير بالجزائر.. تشويها وتشويشا
بشير عمري

صرفا للنظر عما يرومه البعض ممن يعودون بالذاكرة إلى أيام الحرب الأهلية ومن تسبب فيها، عبر فيديوهات لأحداث وخطابات تتناول الآداء السياسي لاحزاب وشخصيات بحسب ظروف ومستويات الوعي والممارسة السياسيتين وقتذاك – بصرف النظر عن ذلك – تسلتزم الظاهرة الوقوف على محتواها كونها تعطي في الأول والآخر نظرة موضوعية عن مسار تطور السياسة على مستويات وصعد عدة، وتجلي من خلال ذلك حقيقة الوضع المسدود بسبب الخيال المحدود الذي تقف عنده الارادة الادارة السياسية للبلاد من قبل سلطة متمنعة بل ودائمة في التمنع عن التغيير وسياسيين منهم الشارد ومن المضطهد  وكثيرهم فاسد.

وحزمة التساؤلات الكبرى هنا التي تنبني عليها الملاحظة الشاملة لظاهرة العودة إلى الخلف للتذكير ببذور الفتنة بوصفها جمر الأزمة السياسية الدائمة الذي لا تكاد حممه تنطفئ حتى تشتعل مجددا بأخف ريح أزمة تهب على حفرتها، هي أولا كيف أصبح هذا الماضي القريب سببا أزليا لفشل مرحلة الانفتاح؟ وقبلها، من هم أداة الافشال لمشروع الانفتاح؟ وما محلهم اليوم في موجة الجيل الثاني من النضال من أجل التغيير السياسي الحقيقي والجذري في البلاد من الاعراب؟

أشرنا في غير ما مناسبة أن ما يميز السياسة في الجزائر عن غيرها في المنطقة بل ولربما في العالم، هو كونها سريعة التورط مع التاريخ، بسبب الطبيعة التي تدار بها حيث يختفي الفاعل الرسمي في الفعل واللغة وبالتالي تصبح عملية ضبط الوقائع مهمة صعبة وتكاد تكون مستحيلة، فمثلما عجز العقل الوطني معرفيا وسياسيا على فصل التاريخ وقائعا وتأويلا من السياسة وإرادة التوجيه بخصوص حرب التحرير الوطنية، وما أعقبها من حرب على السلطة بعيد الاستقلال، فقد عجز هذا العقل أيضا عن التحرر من هيمنة إرادة التوجيه الخفية لادارك ما الذي حدث حتى فشلت التجربة النموذجية في الانفتاح السياسي الذي تلا أحداث أكتوبر.

والحاصل أن هذا التوجيه يجد له مبرره وسبل تحقيقه لغاياته من جهات ووسائل عدة، كسيطرة السلطة على الحقيقة ومصادرها إعلاميا بإبقاء القبضة على مصير كل الوسائل بدء من الترخيص القانوني ووصولا إلى نزعه مرورا بمنح الاشهار أو منعه من خلال الاحتكار للمادة الاشهارية وجعل توزيعها في يد الوكالة الوطنية للاشهار.

التحكم الكلي في دور ومؤسسات المعرفة بيداغوجيا، تنظيميا وماديا وفرض التصور الرسمي للتاريخ والسياسة وإدانة كل من خرج عن الخط في دفاتر وعقول الناشئة، وبتلبس المعرفة يصبح هنا بطش السلطة مقدسا وردة فعل من عارضها مدنسا وتتجسد في وعي الطلبة والتلاميذ في الدولة والوطن ويتجسد المعارض المناقض لها في الشيطان المريد المتمرد، ولعل الجميع يذكر الجدل الذي أحدثته رسالة الترخج الجامعية في العلوم السياسية لأبنة الحقوقي والمعارض الكبير الدكتور صلاح الدين سيدهم قبل ثلاث سنوات حين تناولت فترة حكم بوتفليقة بالتمحيص والنقد الاكاديمي ما جعل مسئولي الجامعة يعترضون عليه في موقف يكشف بجلاء هزيمة المعرفة أمام السياسة بالجزائر.

التدخل الصارخ للسلطة في تشكيل المجتمع السياسي وعدم تركه ينمو تلقائيا وفق طبيعة المراحل، بغية انضابه من البدء من كل عناصر الاعتراض الجادة التي بوسعها العمل فيما بعد على احقاق التغيير المنشود وبسطه على أرض الواقع، ومن مظاهر التدخل تلك، خلق أحزاب تحمل خطاب السلطة، تفجير أحزاب أخرى تملك قيادة شخصية كاريزماتية تمنعها من الترويض، خلق نخبة من “المتكلمة” السياسية بزعم كونها مستقلة فكريا وحزبيا تحضر بقوة في البلاتوهات والندوات غاية مهمتها إدانة المعارضة الجادة وقرع صدى الخطيئة السياسية لمن أفشل مشروع الانفتاح في أسماع المستمعة والمشاهدين  !

وهكذا كلما انتكست السلطة الرافضة للتغيير في مرحلة من مراحل صراعها مع الشعب، أوعزت لتلك الآليات بالتحركة والعودة إلى الخلف لنقل صور الانتكاسة وخطابات الصدام و ومشاهد الدم، لجعل الواعي بالتغيير يشك في نفسه وفي قدرة الفاعل الحراكي على الانتقال بالبلد من حالة الجمود المتأزم إلى حالة الحركة والاقلاع باتجاه المستقبل بالسلمية المطلوبة.

وهنا يتم التركيز أساسا على تيار المغالبة الاسلاموي الذي تزعم المد الشعبي الكبير للتغيير بعد أكتوبر 1988 ولكنه أخفق بسبب قلة الخبرة السياسية في موجهة منظومة تملك رصيدا مهولا من التجربة التي تجمع الأمني بالسياسي بالتاريخي، مدعومة بآليات وأدوات ومؤسسات ساحقة ماحقة، فمالت الكفة إلى السلطة باعمال كل تلك الوسائل والاليات، ولم تكتفي بذلك بل فككت منظومة الخطاب الأول التي فيها  يكمن مشروع فشل التيار الصدامي الاسلاموي واحتفظت بها كثابت موضوعي في خطابها التحذيري من جملة عناصر الخطر التي تتهدد الدولة الوطنية.

ولعل أبرز ما تحتفظ به من تلك العناصر خطابات الشيخ علي بنحاج يوم كان مراهقا في عمر السياسة، يخبط فيها بشكل عشوائي ويخلط بين الفقه والفكر والتاريخ والسياسة، وبين الواقع والتصور، وهو ما حوله فيما بعد إلى خصم لنفسه قبل أن يكون خصما لكل الأطراف.

لكن اليوم علي بن حاج يقدم أداء سياسيا، بشهادة خصومه بالأمس، أرقى في الموقف والخطاب من الكثير من الحداثيين والديمقراطيين غير الممارسيين للديمقراطية، ما يعني أن الرجل تطور بحكم الأحداث وأيقن أن الفكر والواقع شيئان بقدر ما يتصلان ينفصلان أيضا في عالم السياسة، التي لا يقين فيها إلا ما وقع في التجربة وليس ما يقع في الخيال سواء امتد دبرا في الماضي أو قبلا في المستقبل، وأن السياسة فن الواقع والوقع وحده، كما وأدرك أن الانسان في السياسة هو أولى من الانتماء العقدي أو الايديولوجي وهي كلها عناصر المواطنة التي لا تزال تتلبس في الفهم والممارسة على الاسلاميين .

معنى ذلك أن علي بن حاج قد تطور سياسيا وفكريا وسبق في ذلك كل أولئك المتحركين في المشهد السياسي المصطنع الذي أستُحدث من أجل تجسيد فكر السلطة العملي القائم على ثنائية الظاهر الشكلي والباطن الحقيقي أي ديمقراطيبة الواجهة، فعلي بن حاج بسبب كونه من مدرسة التعددية الأولى ممن تعلموا من أخطائهم في خضمها الصاخب والمضطرب، يظهر أكثر حنكة وجدية وبالتالي ندية للسلطة وهو ما يفسر رغبتها الدائمة في إدانة الجيل الأول لمرحلة الانفتاح بعد أكتوبر 1988 واعتباره من أجهض التغيير والانتقال الديبمقراطي كما لو أن الدوائر والاجنحة داخل السلطة كانت حقا وفعلا متفقة ومتبنية لمشروع التغيير !

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى