أحلاف أميركا الهشة في الشرق الأوسط
هشام ملحم

منذ خروج مصر من فلك الاتحاد السوفياتي بعد حربها مع إسرائيل في أكتوبر 1973، ومنذ تقويض التحالف الأميركي ـ الإيراني عقب إطاحة الثورة الإسلامية بالنظام الملكي في إيران في 1979، عدّلت الولايات المتحدة من استراتيجيتها في المنطقة بعد هذه التغييرات الكبيرة التي شهدها عقد السبعينيات بما في ذلك الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، والهجوم الدموي الذي شنّه مسلحون متطرفون احتلوا الحرم المكي لأسبوعين، لتتموضع على أربعة أعمدة: اثنان منها عربيان مصر والسعودية، واثنان غير عربيين، تركيا وإسرائيل.

وعلى مدى أربعين عاما كانت إنجازات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها نتيجة لتعاون واشنطن مع واحدة أو أكثر من هذه الدول وأبرزها: معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية؛ احتواء الثورة الإيرانية، بما في ذلك دعم الولايات المتحدة والسعودية للعراق في حربه مع إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي؛ هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان نتيجة تنسيق الجهود الأميركية ـ السعودية ـ المصرية (مع باكستان) لدعم تنظيمات المجاهدين الأفغان؛ والحرب ضد تنظيم “القاعدة” والتنظيمات المتفرعة عنه، وأخيرا هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” كقوة قتالية منظمة في العراق وسوريا.

مشهد جديد
ولكن المشهد الإقليمي اليوم يختلف كثيرا عما كان عليه قبل أربعة عقود. صحيح أن النظام الإسلامي في إيران عزز من نفوذه بشكل كبير في العراق وسوريا ولبنان واليمن، على حساب واشنطن وحلفائها في المنطقة، إلا أن إيران محاصرة أميركيا، ونفوذها في العراق يواجه تحديات جدية. والأهم من ذلك يواجه النظام الإسلامي نقمة شعبية إيرانية وصلت في نهاية السنة الماضية إلى مستويات غير معهودة من التشكيك بشرعيته.

الاتحاد السوفياتي، الذي انهار في تسعينيات القرن الماضي، أعطى الحياة لروسيا القومية التي يحكمها الأوتوقراطي الشوفيني فلاديمير بوتين مع عصابة من الأوليغارشية الذين يسعون إلى استعادة النفوذ السوفياتي القديم في أوروبا والشرق الأوسط، والذي ترجمه بوتين بإجراءات عدوانية وتوسعية مثل ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014 والتدخل العسكري في سوريا في 2015، والتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016، وفي الانتخابات الأوروبية لصالح القوى القومية والشوفينية في أوروبا الغربية المعادية للمهاجرين واللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبينما كانت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) قبل 40 سنة تتحكم إلى حد كبير بأسواق وأسعار النفط، فقدت هذه المنظمة الكثير من نفوذها اليوم، حيث أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للطاقة في العالم. هذا الواقع الجديد في مجال الطاقة ساهم، إضافة إلى إرهاق المجتمع الأميركي من أطول حربين في تاريخ البلاد: أفغانستان والعراق، بدفع الرئيس السابق باراك أوباما لبدء الانسحاب التدريجي، العسكري والسياسي من منطقة لم تعد واشنطن تعتمد كثيرا على نفطها، وتراها بازدياد عصية على النفوذ الأميركي والإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان، كما تبين من إخفاق معظم الانتفاضات الشعبية التي عصفت بعدد من الدول العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

تزامن ذلك مع بروز الصين في العقود الماضية كثاني أكبر اقتصاد في العالم، وكقوة مصممة على بسط نفوذها العسكري والسياسي في آسيا وما وراء آسيا، وهو تحد لا تستطيع واشنطن تجاهله وتحول في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق أوباما إلى ما يشبه الهاجس.

ترامب والحروب التي لا نهاية لها
خلال حملته الانتخابية، كرر المرشح دونالد ترامب دعوته لإنهاء حروب أميركا “التي لا نهاية لها” في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، مؤكدا رغبته بسحب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق.

وبقي ترامب على موقفه بعد وصوله إلى البيت الأبيض، وسعى أكثر من مرة لسحب القوات الأميركية من سوريا، إلى أن نجح قبل أشهر بسحب معظمها، ولا تزال إدارته تحاول التوصل إلى تفاهم مع القوى المختلفة في أفغانستان، بمن فيها حركة “طالبان” يسمح له بسحب حوالي نصف عديد القوات الأميركية من أفغانستان.

صحيح أن ترامب أمر بإرسال قوات جديدة بحرية وجوية إلى منطقة الخليج لردع إيران في اعقاب هجماتها العسكرية ضد منشآت النفط السعودية وفي أعقاب تفجير ناقلات نفط يملكها حلفاء واشنطن في الخليج وأوروبا، إلا أن هذه الإمدادات لا تغير من حقيقة أن الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج لن يبقى على هذه المستويات لوقت طويل، كما أن الاهتمام السياسي بالشرق الأوسط ونزاعاته، ينحسر وسوف يستمر بالانحسار، كما نرى من تسليم واشنطن بأن موسكو هي الطرف الدولي الأكثر تأثيرا في النزاع في سوريا وإلى حد أقل في ليبيا.

الإعلان الأخير عن ما سمي بخطة أميركية لتحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل لا يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة في عهد ترامب قد تخلت كليا عن دورها كوسيط شبه نزيه بين العرب وإسرائيل.

إسرائيل في الذاكرة الجماعية الأميركية
خلال الأربعين سنة الماضية تغيرت علاقات الولايات المتحدة بهذه الدول الأربعة، كما تغيرت مكانة هذه الدول لدى الشعب الأميركي وممثليه في الكونغرس. ولعل المفارقة الصارخة في هذا السياق هي أنه في الوقت الذي طوّر فيه الرئيس ترامب علاقات شخصية وودية مع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي طيب رجب إردوغان ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو ـ وجميعهم متهمون إما بالفساد أو بالتسلط وإساءة استخدام صلاحياتهم أو ترهيب واغتيال خصومهم ـ نجد أن مكانة هذه الدول الأربعة لدى الأميركيين قد انحسرت وتراجعت، ولم تعد هذه الدول تحظى بثقة وتأييد العديد من المشرعين الأميركيين أو المؤثرين على الرأي العام.

وحتى إسرائيل التي لا تزال تتمتع بتأييد ملحوظ في الكونغرس، فقدت مكانتها السابقة في الذاكرة الجماعية للأميركيين كدولة ديمقراطية تستحق الدعم الأميركي، بسبب انتهاكاتها السافرة لحقوق الفلسطينيين، وجنوحها اليميني الشوفيني المتمثل بالتحالف الحاكم والذي يضم شخصيات سياسية معروفة بعنصريتها ضد الفلسطينيين وتعصبها الديني.

وتتعرض إسرائيل وسياساتها في الأراضي المحتلة إلى انتقادات متزايدة من سياسيي الحزب الديمقراطي وقادته في الكونغرس، كما تتعرض حكومة نتانياهو إلى انتقادات ملحوظة في أوساط اليهود الأميركيين. المرشح الديمقراطي السناتور بيرني ساندرز وصف نتانياهو في أكثر من مناسبة “بالعنصري”. المرشحة الديمقراطية السناتور اليزابيث وارن، دعت إلى ربط المساعدات الأميركية لإسرائيل باستمرار التزام الحكومة الإسرائيلية حل الدولتين، وأنه إذا استمر الاستيطان الإسرائيلي وتهديد هذا الحل فإن المساعدات الأميركية سوف تكون “على الطاولة” في حال انتخابها، أي أنها ستكون مستعدة لتعليق هذه المساعدات.

مصر والدور الإقليمي المفقود
في السابق كان للدول الثلاثة الأخرى (مصر، السعودية وتركيا) أصدقاء في الكونغرس وفي أوساط الإعلام الأميركي، ولكن الأمر تغير الآن. خلال جلسات الاستماع في الكونغرس أو خطب المشرعين، لم نعد نسمع مشرعين يتحدثون بإيجابية عن مصر، بل نسمع انتقادات متزايدة لسجل الرئيس عبد الفتاح السيسي الرديء في مجال احترام حقوق الإنسان وميله المتزايد لترهيب من يتجرأ على انتقاده. كما لم نعد نسمع من المحللين عن أهمية مصر وفائدتها للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.

في السابق كان لمصر دور في عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو في التنسيق مع واشنطن لمكافحة الإرهاب أو التعاون لمنع نزاعات المنطقة من التأزم أكثر. انكماش دور مصر الإقليمي ـ وهو قرار مصري يعود لحقبة حسني مبارك، ولكنه ازداد خلال حكم السيسي ـ يبرر تجاهل واشنطن لأهمية مصر الإقليمية.

في واشنطن كما في عواصم المنطقة كثيرون يتساءلون: ما هو دور القاهرة في المنطقة؟ دورها في شرق المتوسط شبه معدوم، دورها في الخليج ثانوي للغاية وهو تحت المظلة السعودية. حتى دورها في ليبيا محدود للغاية، وهي بالكاد قادرة على التعامل مع إثيوبيا لإقناعها بعدم تخفيض حجم حصة مصر من مياه النيل خلال تعبئة إثيوبيا للبحيرة الكبيرة التي ستخلقها وراء سد النهضة الضخم. مصر لا تزال عاجزة حتى الآن عن بسط سيطرتها العسكرية الكاملة على شبه جزيرة سيناء حيث كانت تطلب بين وقت وآخر من إسرائيل أن تقصف مواقع المتطرفين الإسلاميين في سيناء.

تركيا، من حليف إلى خصم؟
كانت العلاقات الأميركية ـ التركية جيدة خلال حقبة الحرب الباردة، حين كانت تركيا من أبرز أعمدة حلف الناتو بصفتها الدولة الوحيدة التي كان لها حدود مشتركة مع الاتحاد السوفياتي، وإن عكرتها لفترة وجيزة العقوبات الأميركية العسكرية التي فرضها الكونغرس ضد تركيا في أعقاب غزوها لشمال قبرص في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

ولكن العلاقات بدأت تتأزم منذ الغزو الأميركي للعراق، حين رفضت تركيا السماح للجيش الأميركي باجتياح شمال العراق من الأراضي التركية، وازدادت تأزما مع تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وأكراد العراق.

ومع ميل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في السنوات الماضية لاعتماد مواقف “إسلامية” ملحوظة داخل تركيا وفي المنطقة مثل الدخول في تحالفات مع “الإخوان المسلمين” في مصر والتعاون مع قطر لدعم الإسلاميين في المنطقة، ومع قمعه لوسائل الإعلام والحريات المدنية، ازدادت الانتقادات الأميركية لتركيا من الكونغرس والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان.

انهارت مكانة السعودية، وسمعة ولي عهدها إلى مستويات متدنية وغير معهودة في الولايات المتحدة
وازدادت العلاقات تأزما عندما رفضت واشنطن طلبات إردوغان استرداد الداعية الإسلامي فتح الله غولن، حليفه القديم الذي تحول إلى خصم كبير من منفاه الطوعي بولاية بنسلفانيا، ووصلت إلى مستويات عالية من التشنج في أعقاب اتهام إردوغان لشخصيات أميركية بالتورط في محاولة الانقلاب العسكري ضده في صيف 2016.

هذه التطورات مهدت لبروز مشاعر عدائية لأميركا في أوساط الرأي العام التركي المؤيد لإردوغان، وساهمت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها إردوغان وحزبه في تأجيجها. ومرة أخرى لجأت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عسكرية ضد تركيا، التي انتهكت سياسة حلف الناتو عندما قررت شراء منظومة صواريخ مضادة للطائرات روسية الصنع. هذا التطور وما صاحبه من انتقادات قوية لتركيا في الكونغرس الأميركي أوصل العلاقات إلى أدنى مستوياتها، كما رأى العديد من المحللين.

ولكن مكانة تركيا في أميركا تعرضت إلى نكسة كبيرة حين قررت اجتياح شمال سوريا وضرب القوات الكردية السورية وحلفائها السوريين العرب الذين حاربوا مع القوات الأميركية ضد قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” وتكبدوا الكثير من الخسائر. “مباركة” الرئيس ترامب الانتهازية للاجتياح التركي لشمال سوريا لم تغير أو تقلص من حدة الانتقادات لتركيا في الكونغرس أو في الإعلام.

وفي هذا السياق برزت تساؤلات عديدة في أوساط الإعلام ومراكز الأبحاث حول جدوى بقاء تركيا في حلف الناتو. ومن غير المستبعد أن تنتقل تركيا في المستقبل المنظور ـ إذا بقي إردوغان في السلطة ـ من دولة حليفة تقليديا لأميركا إلى خصم جديد لها في المنطقة.

السعودية وزعزعة استقرار المنطقة
خلال ولايته الثانية، حض الرئيس باراك أوباما دول الخليج العربية وخاصة السعودية على ضرورة لعب دور أكبر في حماية نفسها وحل مشاكل المنطقة بما في ذلك “مشاركة” الخليج مع إيران. وليس سرا أن علاقات أوباما مع قادة السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة كانت فاترة وغير ودية.

رأى أوباما أن الاتفاق النووي مع إيران ـ الذي جاء بعد مفاوضات سرية بين أميركا وإيران في عمان، أثارت سخط السعودية ودولة الإمارات ـ كان من أبرز إنجازاته في المنطقة. ولكن أوباما عندما كان في البيت الأبيض لم يدرك أنه ارتكب خطأ كارثيا عندما شجع السعودية على تحمل أعباء الاستقرار في المنطقة، عندما شنت السعودية وحلفاءها حربا جوية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ساهمت واشنطن بدعمها لوجستيا.

هذه الحرب التي بدأها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، سرعان ما تحولت إلى حرب كارثية وإحدى أكبر المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. وسقط في القصف العشوائي السعودي آلاف المدنيين والأطفال اليمنيين، ما أدى إلى بروز انتقادات قاسية للغاية ضد السعودية وقرارات من الأكثرية في الكونغرس بوقف الإمدادات العسكرية الأميركية للسعودية، كانت لتنجح لو لم يستخدم الرئيس ترامب حق النقض الفيتو ضدها.

وإذا لم تكن كارثة حرب اليمن التي ارتكبها أمير شاب ومتهور ويفتقر إلى الخبرة والحكمة كافية، قام ولي العهد مع خلفائه في الخليج ومصر بفرض حصار سياسي واقتصادي ضد قطر الدولة العضو في مجلس التعاون الخليجي، الذي أصبح عمليا مجلسا للتناحر الخليجي.

مكانة تركيا في أميركا تعرضت إلى نكسة كبيرة حين قررت اجتياح شمال سوريا
صحيح أن سياسات قطر “الإسلامية” وتعاونها مع تركيا والإخوان المسلمين، (بما في ذلك دعمها السابق لـ”حزب الله” في لبنان) وتدخلها في الشؤون الداخلية لجيرانها واستخدام وسائل الإعلام التابعة لها في هذا التدخل، كلها مواقف تستحق الاستنكار والشجب، إلا أن فرض الحصار عليها، غير مبرر سياسيا أو قانونيا.

لم ينجح الحصار في إرغام قطر على تعديل سياساتها، لا بل يمكن القول إنه دفعها أكثر إلى احضان إيران، وشجعها أكثر على الطلب من تركيا أن تزيد من عديد قواتها المرابطة في قطر. وهكذا ساهمت قطر في إعادة القوات التركية إلى مياه الخليج للمرة الأولى منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية قبل قرن.

وانهارت مكانة السعودية، وسمعة ولي عهدها إلى مستويات متدنية وغير معهودة في الولايات المتحدة بعد الكشف عن تورط الأمير محمد بن سلمان وكبار مساعديه في جريمة اغتيال الصحفي والمعلق جمال خاشقجي الذي كان ينشر مقالات دورية في صحيفة “واشنطن بوست” وتقطيع جثته في القنصلية السعودية في اسطنبول في أكتوبر 2018. ولا تزال أصداء هذه الجريمة تتردد في الولايات المتحدة، على الرغم من محاولات الرئيس ترامب مساعدة صديقه الأمير السعودي على التهرب من تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية لهذه الجريمة.

مع هكذا حلفاء في الشرق الأوسط، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أعداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى