أذربيجان وإيران .. جيران لا صديقان
باسل الحاج جاسم

ليس من المبالغة القول إن إيران قبل أرمينيا خاسرة من الاتفاق الذي رعته روسيا بين باكو ويريفان، بتنسيق مع تركيا. وعلى الرغم من الترحيب الرسمي به، واعتباره ذا أهمية لإحلال السلام في جنوب القوقاز، فإن تصريحات وتحليلات جهات مقرّبة من صناع القرار في طهران تشير إلى أن الترحيب الحكومي تشوبه، في الوقت نفسه، مخاوف وقلق مما يمكن أن تصل إليه ترتيبات الأوضاع في مراحل مقبلة.

ولم تكد تمضي أيام على إعلان اتفاق كاراباخ، حتى أصدر النائب الإيراني، أحمد بيغيش، بياناً صارماً طالب فيه بعدم الاعتراف بالممر بين ناخشيفان وأذربيجان. ودعا حكومة بلاده إلى اتخاذ إجراءاتٍ ضد تقوية تركيا في أذربيجان. وقال، وفقاً لما تناقلته وسائل إعلام أذربيجانية، “نحن لا نعترف بممر يخدم تركيا”. كما دعا بيغيش برلمان بلاده إلى الإعلان رسمياً أن إيران لا تعترف بالتغيير الجغرافي للحدود في المنطقة والممر المقابل.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

ولم تخف الأوساط الإيرانية المنتقدة اتفاق إنهاء الحرب قلقها وتحذيرها من أن من شأن الاتفاق أن يُحدث تغييراتٍ خطيرة في فضاء إيران الحدودي، واحتمال قضائه على حدودها مع أرمينيا، بسبب الممر الذي ينص الاتفاق على إنشائه لربط ناخشيفان بأذربيجان، والذي يمر على امتداد حدود إيران في المنطقة. ولذلك هناك مخاوف جادّة من أن يكون الممر ملاصقاً للحدود الإيرانية، ما يعني قطع التواصل الجغرافي بين أرمينيا وإيران.

وحرصت طهران، في المرحلة الأخيرة خلال حرب كاراباخ الثانية، على الظهور في المشهد وسيطا مُحايدا بين أذربيجان وأرمينيا، فقد جدّد وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، عرض بلاده الوساطة في أكثر من مناسبة، بالإضافة إلى نفيها عبور أسلحة إلى أرمينيا عبر أراضيها، في محاولة للتخلص من الاتهامات التي لازمتها خلال سنوات طويلة من النزاع أنها داعمة ليريفان، فبعد عام 1993، على الرغم من استمرار النزاع الأذربيجاني الأرميني، لم يظهر لطهران عموماً أي تضامن خاص مع باكو، وكانت تميل، بشكل أو بآخر، نحو أرمينيا.

وهناك عوامل عديدة تؤثر في علاقات طهران – باكو، منها تل أبيب وواشنطن، وكذلك الجالية الأرمينية داخل إيران نفسها، مع وجود عوامل متبادلة، بينها قلق إيراني من النزعات الانفصالية للمناطق الأذرية، كما تخشى أذربيجان من التأثير الديني الإيراني في مجتمعها العلماني.

وقد لا يبدو أن باستطاعة إيران وأرمينيا أن تكونا شريكتين. ومع ذلك، يشير الواقع إلى أن علاقات طهران بيريفان تعد أقوى من التي تربطها بدول إسلامية كثيرة مجاورة. والواضح أن الضرورة تسير بالبلدين في اتجاه بعضهما بعضاً، فإيران في حاجة إلى أرمينيا لتوفير معبر بديل للنقل إلى روسيا وأوروبا، وأرمينيا بدورها تواجه انسداداً متواصلاً في طرق التجارة من جانب أذربيجان وتركيا، وهي معنيةٌ بتأمين ممر آمن وموثوق للتجارة.

وتدعم إيران أرمينيا لأسباب اقتصادية، أبرزها حاجة يريفان للطاقة، كما أن أرمينيا تزوّد إيران بالكهرباء، في المقابل، عمق الاقتصاد الفجوة بين باكو وطهران، فمصالح الأولى تتماشى مع أنقرة والغرب، لأن تركيا تعتبر معبراً للغاز والنفط الأذربيجاني الذي ينافس مصادر الطاقة الإيرانية. وتشعر كل من تركيا وأذربيجان بالقلق من الشراكة الأرمينية – الإيرانية، فمصالح تركيا وأذربيجان في مجال الطاقة تضع كلا منهما على النقيض مع إيران. وفي السياق ذاته، من شأن العلاقات الأرمينية – الإيرانية التأثير في المصالح الاقتصادية لروسيا.

وفي جزء من توجه طهران نحو يريفان، هناك هدف منع واشنطن وتل أبيب من تطويقها بشبكة قوية من العلاقات مع دول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وفي مقدمها أذربيجان، حيث تحتل باكو أولويةً في أذهان صناع القرار في واشنطن الذين تشغلهم كيفية التعامل مع إيران.

وصحيحٌ أن إيران تمتعت بعلاقات قوية مع أرمينيا، لكنها، في المقابل، لم تتمكّن من جعل أذربيجان ضمن حلقة نفوذها الإقليمي، على الرغم من خلفيتها الدينية المشتركة معها، كما تربطهما علاقات تاريخية وثقافية عميقة، فالقومية الأذرية في إيران تعد القومية الثانية في التركيبة الاجتماعية بعد القومية الفارسية.

وحافظت أذربيجان على علاقات ودّية مع طهران، لأنها اعتمدت على مجالها الجوي وأراضيها لتزويد منطقة الحكم الذاتي في إقليم ناخشيفان التي تقع بين إيران وأرمينيا وتركيا بالبضائع والغاز، لكن إعلان تركيا عن خط أنابيب غاز جديد لتزويد ناخشيفان بالطاقة، يعني خسارة إيران أهميتها الجيوسياسية لأذربيجان، ومتوقع أيضاً أن تتغير ديناميكيات العلاقات الثنائية لصالح باكو، بعد عودة جزء من حدود إيران مع أذربيجان لسيطرة باكو، ما يسهل التواصل بين أذربيجان والأذر الإيرانيين بعد انقطاع عقودا، بعد أن ظل تحت سيطرة أرمينيا حليفة طهران منذ 1994.

اختلف الوضع اليوم، ومن غير الواضح بعد، كيف سيؤثر انتصار أذربيجان في حرب كاراباخ الثانية على علاقتها مع إيران، بعد أن منح الاتفاق الموقع أخيرا، برعاية روسية وتنسيق تركي، أذربيجان حق العبور عبر أراضي أرمينيا مباشرة إلى الجزء الآخر من أراضيها في إقليم ناخشيفان.

يبقى القول إن اتفاق كاراباخ سيفرض على إيران جهوداً مضاعفة، ومزيداً من الموارد للتأقلم مع الواقع الجيوسياسي الجديد على طول حدودها الشمالية. وهذا يعني اهتماماً أقل بدول أخرى، تسعى طهران إلى تعزيز نفوذها فيها، كما أن تغير الوضع المريح الذي تمتعت به إيران في جنوب القوقاز على مدى العقود الثلاثة الماضية لم يأت في أفضل أوضاع طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى