“أردوغان”… الشخصية المرفوضة في ليبيا
تورغوت اوغلو

محلل سياسي تركي

عندما أكتب أمثال هذا المقال، أحاول أن أنتقي كلماتي بحذر وعناية. عندما قلت الشخصية المرفوضة “أردوغان”، وضعت نصب عيني هذه الحساسية لأتحاشى من القول إن “تركيا” هي المرفوضة.

كان من الطبيعي جدا أن تكون تركيا هي أيضا على مائدة تجمع الأطراف الدولية المعنية بالشأن الليبي، إلى جانب السعودية ومصر والإمارات وغيرها. وهذا من شأنه أن يسهم في تطوير حلول عملية للأزمة القائمة والمنذرة بمزيد من التأزم والفوضى.

ولكن المشكلة هي أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدلا من الإسهام في إيجاد حل للأزمة، يتحرك وكأنه يبذل قصارى جهده في تعقيد الوضع الراهن، مما يجعله غير مرغوب به لدى كثير من دول المنطقة.

ومما زاد الطين بلة تلك الخطوة الأخيرة التي قام بها، عندما وقّع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة السراج التي تتخذ من طرابلس مقراً لها.

وأودّ أن أُرجئ الحديث عن هذا الجانب إلى آخر المقال، لأركز الآن على النقطة الأكثر حساسية، والتي أثارت حفيظة كثير من الأطراف الدولية لتأخذ موقفا مناهضا لتركيا بسبب تلك الخطوة الخطيرة، وأعني بذلك اتخاذ أردوغان القرار بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا.

ونلاحظ أن هذا القرار زاد من حدة التوتر في ليبيا وأدى إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة على نطاق أوسع.

وقد كان أردوغان يرسل في الماضي طائرات من دون طيار وعربات مصفحة وأسلحة مختلفة إلى ليبيا، مما كان يثير ردات فعل عنيفة ضده لدى المجتمع الدولي الذي كان يَعتبر مثل هذه التحركات تدخلا في الشأن الداخلي.

كما أن هذه الانتهازية التي تَستغِل الانقسام السياسي الداخلي وسيطرة مختلف الجماعات الإرهابية على شتى مناطق البلاد، أصبحت تقابَل بالرفض والاستنكار. وبذلك أصبح أردوغان الشخصية المرفوضة في ليبيا.

وكان لهذه الخطوة غير المحسوبة أثر سلبي كبير على ما كان يحمله الشعب الليبي من التعاطف تجاه الشعب التركي.

والأسوأ من ذلك محاولة أردوغان تصدير نظامه من خلال الجماعات الإخوانية الإسلاموية، على غرار ما تفعله إيران في دول المنطقة.

ولربما يكون هناك تفسير منطقي لإرسال القوات المسلحة التركية إلى ليبيا بأسباب مقبولة نوعا ما، ولكن كيف نفسر قيامه بنقل القتلة “الدواعش” الذين سبق أن حاربوا في سوريا إلى الأراضي الليبية. فلن تخدم هذه الخطوة الحمقاء إلا تأجيج الفتنة بين مكونات المجتمع الليبي، وإثارة غضب الشعب تجاه الشعب التركي.

وتفيد المعلومات التي حصلنا عليها أن عدد أفراد عصابات هؤلاء الدواعش تجاوزت إلى الآن ألفا وخمسمئة شخص.

ومما يزيدني خجلا، باسم بلدي، أن أصرّح لقرائي بأن تركيا ستمنحهم الجنسية التركية، بالإضافة إلى راتب شهري يقدر بنحو ألفيّ دولار. ومما يحزّ في النفس أننا لا نأمن على هؤلاء القطيع من القتلة أن يقوموا بالنهب والاغتصاب وقطع رؤوس الأبرياء مثل ما فعلوا في سوريا. والأدهى والأمرُّ أن يفعلوا ذلك تحت غطاء الإسلام.

ولا أرغب في الخوض في نظريات المؤامرة، ولكن كان من أهون الشرين أن تقوم بهذه المهمة – إن كان لا بد من ذلك- القوات المسلحة التركية التي لا أتوقع منها انتهاكات من هذا القبيل، ولا تتعمد الاغتصاب وقتل الأبرياء.

أما بالنسبة إلى قضية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة السراج فإنها قوبلت بعدم الارتياح على الصعيد الدولي، لطموح أنقرة في إقامة “منطقة اقتصادية خاصة” في البحر المتوسط بهدف السيطرة على منابع الغاز الطبيعي هناك.

ولا ننكر أن من حق تركيا أن تحافظ على مصالحها التجارية، وتوقِّعَ اتفاقيات تَضْمَن لها حقوقها، ولو بطرائق قابلة للنقاش. ولكن الأمر الذي يثير شكوكنا هو أن تقوم تركيا بمثل هذه الخطوات الجريئة من دون أن تأخذ حساسيات دول المنطقة في الحسبان، فإن ذلك من شأنه أن يدفع بتلك الدول إلى تحالفات لا قِبل لتركيا بمواجهتها اقتصاديا ولا عسكريا، مما يجعلنا ننظر إلى هذه المبادرات على أنها أشبه بمغامرة، إثمها أكبر من نفعها، ولم تَسبقها دراسة متأنية مبنية على أسس عقلانية وواقعية.

صحيح أن هذه الخطوة ستجعل من الصعب إيصال الغاز الطبيعي والنفط الذي سيتم استخراجه من تلك المنطقة إلى الأسواق الغربية. وهذه حجة مقبولة إلى حد ما، ولكن مهما كان الأمر فينبغي تحاشي التصرف بطريقة استفزازية لا مبالية تجاه الأطراف الأخرى.

وقد كانت الطريقة المُثلَى لتركيا أن تبحث عن الوسائل الدبلوماسية للجلوس مع قبرص واليونان ومصر ولبنان وسوريا وإسرائيل على طاولة المفاوضات.

فإذا أُطيحت حكومة فايز السراج أو توصَّل الأطراف في ليبيا إلى توافق داخلي، فستظل هذه الاتفاقية في مهب الريح وستَفقد مشروعيتها على المستوى الدولي. فالتغاضي عن كل الأطراف الدولية من أجل التوافق مع حكومة هشة يجعلنا نتشكك في إمكانية تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع.

وإذا كان أردوغان قام بهذه الخطوة وحده، فإن ذلك سيؤدي إلى تحفظ الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والجامعة العربية.

وبالفعل صرحت الخارجية الأميركية بأن هذه الاتفاقية فاقدة الجدوى واستفزازية. وتأتي روسيا على رأس قائمة الدول التي ينبغي لأردوغان أن يحسب لها حسابا في هذا الباب.

وقد حذرت موسكو هي أيضا حكومتَي أنقرة وليبيا من اتخاذ مزيد من الخطوات، وذكرت أن الاتفاقية ستجعل الوضع في ليبيا أكثر صعوبة وتعقيدا.

ولن يشفع لأردوغان ما نراه في الآونة الأخيرة من التطور اللافت في العلاقات التركية- الروسية في المجال التجاري والعسكري. فلا نأمن من بوتين أن يستخدم مرة أخرى تلك الملفات القذرة ويضعها أمام أردوغان ليجبره على الانصياع، مثل ما فعل بعد إسقاط الطائرة الروسية.

ومن جانب آخر، فإنه إذا لم يتخلَ أردوغان عن هذه القرارات التي اتخذها بخصوص ليبيا، فإنه سيسهم في بثّ العداوة والشحناء بين الأشقاء، ويتسبب في تصعيد التوتر بينهم.

وكما أن تركيا تعرضت لخسارة فادحة عندما تدخلت في سوريا، فستخسر مرة أخرى بخوضها في الحرب الأهلية في ليبيا، إذا انحازت لطرف على حساب طرف آخر. وسيزيد هذا نفورا من الإسلاميين السياسيين على مستوى العالم.

وكنا نتمنى على حزب “العدالة والتنمية” أن يعود إلى صوابه، ولكن يبدو أنهم لم يسأموا من تكرار أخطائهم التي ظلوا يرتكبونها في الشرق الأوسط منذ عام 2011.

بل زادوا من عدوانيتهم، مما يجعلنا نتساءل: هل الهواجس التي تنتاب أردوغان بشأن تدني شعبيته في الداخل واحتمال خسارتِه لمنصبه تدفعه إلى مثل هذه العدوانية الجنونية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق