أردوغان يفتح المعارك ويبحث عمّن ينهيها
عدلي صادق

بعد إنجازه الأخير الذي أسكت فيه نيران رجب طيب أردوغان في شمال سوريا مع الاحتفاظ بحقه في ممارسة الردع وترضية السلطان، بالمشاركة في دوريات مع قواته في منطقة محددة لحفظ ماء وجهه مؤقتاً؛ كان فلاديمير بوتين في الوقت نفسه يسحب من جيب منافسه التركي، ما لديه من الملف الفلسطيني ويفتح أبواب موسكو لحماس، لكي يرتّب الأوراق ما استطاع، ولو بصيغة التهدئة توطئة لوضع أفق جديد أمام أصحاب الخطاب الفلسطيني ذي الوعود القصوى.

الدوريات الروسية – التركية المشتركة، بدتْ من الجانب الروسي مثلما يتبدّى في حالات استطاعة الزوج جلب الزوجة إلى بيت الطاعة، واضطرارها إلى التسليم بالامتثال وتفهّم حاجاته الراهنة، ومن أهمها استعادة ترتيبات “خفض التصعيد” في مكان التعايش. وفي اللغة الاستراتيجية، كان بوتين حريصاً على أن تخرج قمته مع أردوغان في موسكو في الخامس من الشهر الجاري، باتفاق مقتضب من ثلاث نقاط، ليس من بينها عودة القوات السورية إلى خطوط اتفاق سوتشي لخفض التصعيد، وهي المطالبة التي كانت حتى دقائق قبل اللقاء، مطلوبة من أردوغان تحت طائلة التهديد بشن هجوم عسكري في ريف إدلب حتى نهاية شهر فبراير!

في لغة السياسة، كان هدف أردوغان الاستمرار في الضغوط بشتى الأساليب، لكي يفتح طريقاً لصيغة مؤتمر جنيف وهي الحد الأدنى من طموحاته التي بدأت بالعمل على إسقاط النظام السوري، وتقلّصت إلى مشروع تسوية تُبقي على الأسد لكنها تفرض تغييرات جوهرية إصلاحية في بنية النظام.

في موسكو أدرك أردوغان أنه أمام خيارين: إما أن يغامر بعد أن اعترف بمقتل عدد من جنوده لم يخسره الجيش التركي منذ 30 سنة، وهذا خيار شائك لا يستطيع تمريره في تركيا نفسها، أو أن يسلّم بالأمر الواقع ويتفهم حاجة موسكو إلى أن تظل خطوط مرابطة القوات السورية كما هي يوم اللقاء، لأن خطوط سوتشي ستحمل تهديداً لقاعدة حميميم وستجعل من الصعوبة أيضا، بناء قاعدة روسية جديدة في ريف حماة.

استجمع بوتين في اللقاء رباطة جأشه، كمن استوعب دفقة الهجوم التركي وتفهم أسبابها التكتيكية بالنسبة إلى أردوغان، الذي لم يجد بديلاً لــ”واجب” الرد على مقتل 59 عسكرياً تركياً. لذا ظل على قناعته، بضرورة مواصلة الحوار مع أردوغان. وفي لقائهما الأخير ظهر بوضوح أن الطرفين، لم يكونا بصدد معالجة مجمل النقاط العالقة. كان المهم بالنسبة إليهما نزع فتيل الانفجار في إدلب وتحاشي الصدام المباشر والحرب. فجاء الاتفاق بمثابة توافق على العودة إلى خفض التصعيد دون تلبية الشرط التركي لوقف القتال وإعادة القوات السورية إلى خطوط سوتشي. فخفض التصعيد هذه المرة، يكون وفق الخطوط الجديدة، ما يرجّح احتمالات العودة إلى جولات جديدة، مع عدم استبعاد أن يكون خرق الاتفاق الجديد من جانب القوات السورية بدعم من روسيا.

وكان للجانب الروسي ما أراد، أو ما لا يمانع فيه، وهو فتح الطريق السريع بين حلب واللاذقية باعتبار أنه حيوي ومن شأنه تعزيز وضع النظام السوري والتواصل بين مدينتين مهمّتين للاقتصاد السوري. أما الاتفاق على مسألة واحدة وهي تأمين الطريق “إم – 4” فقد جاء ليضع الجانب التركي أمام الاختبار الصعب في الموضوع الأساس، وهو قدرته على تحييد جميع الفصائل المسلحة في إدلب بجمع تدرجات تطرفها. فإن لم يستطع أردوغان، الذي له دالة على بعضها، منع تهديد أمن المرور على هذه الطريق، فسيصبح أمام انفجار جديد. أما في حال عدم تمكنه من إخماد نيران الفصائل الخارجة عن طوعه، فسيكون الانفجار بين الجيش التركي وفصائل في إدلب، وسيجد أردوغان نفسه مضطرا إلى التودّد للروس مرة أخرى على مضض معلوم. والروس، من جانبهم، ستكون لهم مصلحة في المشاركة معه، لإبعاد خطر المسلحين عن قاعدة حميميم في محافظة اللاذقية!

واضح من كل هذه السياقات المعقدة أن أردوغان قد وضع نفسه في مأزق لن يخرج منه ظافراً من الغنيمة بمجرّد الإياب ولا حتى ناجياً. وباتت مصالح تركيا في سوريا في مهب الريح. كان يطمح إلى تسوية يتاحُ في ثناياها إبطال مفعول الاتفاقات االتي أبرمتها الحكومة السورية في ظروف عسيرة، كان فيها 75 في المئة من أراضي البلاد خارجاً عن سيطرتها، وهذا الإلغاء له أسانيده في القانون الدولي. لكن الروس حاضرون للحيلولة دون إبطال أيّ اتفاق، بل إنهم تعمدوا من خلال صيغة المصالحات التي أنجزوها، في المناطق الخاضعة صورياً للحكومة السورية الآن؛ تأمين مصالحهم لدى قطاع عريض من السوريين، حتى في حال أن يكون مقتضى التسوية النهائية تغييب الأسد وإخراج الإيرانيين. فقد لوحظ أن الروس، تعمدوا إبعاد أيّ وجود سوري أو إيراني.

في محادثات بوتين مع الأتراك اقتصرت صيغة اتفاق النقاط الثلاث، على اللغات الروسية والتركية والإنجليزية مع التأكيد على أن الصيغ الثلاث ملزمة. وحرص بوتين وأردوغان، على تجنب الإشارة للنازحين السوريين من إدلب إلى داخل الحدود التركية، ما يؤشر إلى تعمد بوتين الضغط من خلال أردوغان على القارة الأوروبية، وهذا عنصر من عناصر استخدام أردوغان ضد أوروبا، وضد حلف الأطلسي من داخله. وذريعة بوتين وأردوغان في تجاهل مسألة النازحين، أن “القمة” كانت مخصصة لمنع مواجهة محتملة بين القوات الروسية والقوات التركية.

لعب الروس الدور بمهارة، وذهبوا إلى مقاربة محدودة، تعطي تركيا دوراً داخل أهدافهم هم، مع طمأنة الأتراك بأن أنقرة ستظل لاعباً مهماً في إدلب، وليس في كل سوريا، وهذه الأعطية أيضاً، ستكون مشروطة بأن تلبّي أنقرة مطالب موسكو في حال احتياجها.

فماذا، بعدئذٍ، يظل هناك ما يفاخر به أردوغان، في خطابه الجامح، الذي يفتح المعارك، ثم يفتش عمّن يساعده على إنهائها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى