أردوغان ينتهج أسلوب العصابات في نقل السلاح إلى ليبيا

نشرت هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية “بي بي سي” تحقيقا استقصائيا يكشف كيفية تلاعب تركيا لتأمين إيصال الأسلحة إلى حكومة الوفاق الليبية والميليشيات التي تقاتل معها في العاصمة طرابلس، في أكبر انتهاك للقرارات الدولية وتقويض صارخ لاتفاق مؤتمر برلين الذي تعهدت خلاله الدول بالحرص على تطبيق حظر السلاح في البلد الذي أجج فيه التدخل العسكري التركي الصراع أكثر.

وقال التحقيق المصور الذي نشر الخميس تحت عنوان “سفن الأشباح التركية” أن السفينة التركية “بانا” التي عادت من ميناء بيروت في 21 من يناير إلى تركيا، غادرت ميناء مرسين التركي يوم 24 يناير فجرا، وحسب البحارة الذين كانوا على متنها فإن وجهتها المعلنة كانت ميناء قابس جنوب تونس.

لكن جهاز الإرسال الخاص بالسفينة يوم 27 يناير وفيما كانت متجهة نحو الساحل الليبي، أغلق واختفت.

وحسب الصور التي التقطت بالأقمار الصناعية في البحر الأبيض المتوسط، فقد ظهرت السفينة التركية وهي تتوسط

فرقاطتين عسكريتين من طراز “جي” التي تستخدمها حصريا البحرية التركية.

وأظهر فيديو نشره مقاتلون في الميليشيات الليبية لاحقا على مواقع التواصل محتويات السفينة التي كانت محملة بعربات قتالية مصفحة وأسلحة ودبابات.

يذكر أن حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” المبحرة في المتوسط كانت قد أكدت فعلا أواخر يناير رصدها لفرقاطة تركية تتولى حراسة سفينة نقلت آليات مدرعة ورست في ميناء طرابلس، حيث تم تفريغ حمولتها.

وقال تقرير “بي بي سي” أنه بعد ثلاثة أيام من وصولها طرابلس غادرت “بانا” نحو ميناء جنوة الإيطالي وقد أبلغ أحد أفراد طاقمها السلطات هناك بأن السفينة استخدمت لنقل أسلحة.

والتقطت السلطات الإيطالية صورا على متن السفينة وأبلغ خمسة بحارة الشرطة أنهم ذهبوا إلى مرسين لتحميل أسلحة على متنها، وقال أحدهم إنه سمع عربات وعربات مجنزرة تنقل إلى متن السفينة.

المدعي العالم الإيطالي حقق مع قبطان سفينة رست في جنوة بعد نقلها أسلحة تركية إلى ليبيا
المدعي العالم الإيطالي حقق مع قبطان سفينة رست في جنوة بعد نقلها أسلحة تركية إلى ليبيا

وأبلغ بحار آخر السلطات الإيطالية بأن “الأسلحة كانت تضم دبابات وسيارات جيب ومدافع مضادة للدبابات ومتفجرات”، مضيفا أن “عشرة جنود أتراك كانوا يحرسونها”.

وقال البحار الأول إن “بانا” رست في طرابلس “عند الغروب وأبلغ الطاقم بالنوم في حجراتهم وأن تفريغ حمولة السفينة تحت جنح الليل”، كما أخبر الشرطة أن “طاقم السفينة أعطى توجيهات بالكذب عن هدف مرورها بليبيا، فقد أبلغهم قادتهم بالادعاء بأنها توقفت بسبب عطب فني إذا ما سألوا عن سبب توقفهم في طرابلس”.

وتحقيق “بي بي سي” ليس إلا تأكيد جديد وبالأدلة لما سبق وأن حذر منه الجيش الوطني الليبي الذي يقود عملية عسكرية منذ أبريل الماضي لاستعادة العاصمة الليبية من الميليشيات والإرهابيين.

وتحدث الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر مرارا خلال الأشهر الأخيرة عن مصادرة أسلحة تركية محذرا من سطوة الميليشيات والإرهابيين، لكن حكومة السراج استنجدت في بأردوغان الذي تدخل عسكريا وبشكل رسمي في ليبيا في يناير الماضي لحماية نفوذها ونفوذ الإسلاميين في العاصمة وبدأ بإرسال مئات المرتزقة من الفصائل السورية عبر رحلات من مطارات تركيا نحو طرابلس.

وتأتي رحلة سفينة “بانا” التركية المحملة بالأسلحة إلى ليبيا بعد خمسة أيام فقط من مشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مؤتمر برلين الذي تعهدت الدول المجتمعة خلاله بضرورة احترام حظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا الذي ينص عليه قرار مجلس الأمن 1970 الصادر عام 2011.

أنقرة
تركيا وفرت حماية عسكرية لسفينة الشحن المحملة بالأسلحة في مياه المتوسط حتى وصلت ليبيا

وتعهدت أبرز الدول المعنيّة بالنزاع الليبي خلال المؤتمر الذي عقد في يناير الماضي تحت إشراف أممي في العاصمة الألمانية، باحترام حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا وبعدم التدخّل في شؤونها الداخلية، سعيًا منها إلى إعادة السلم إلى هذا البلد الذي تمزّقه الحرب وفرضت فيه الميليشيات الإرهاب بقوة السلاح.

كما التزمت الدول المشاركة في مؤتمر برلين ومن بينها تركيا، الداعمة لحكومة الوفاق والتي يسيطر عليها الإسلاميون، بعدم التدخل في الشؤون الليبية أو تمويل “القدرات العسكرية أو تجنيد مرتزقة” لصالح مختلف الأطراف.

لكن بعد المؤتمر عاد أردوغان إلى بلاده ليجهز ترسانة الأسلحة التركية وإرسالها إلى حكومة الوفاق في طرابلس ضاربا الالتزامات الدولية عرض الحائط في تحد صارخ للمواثيق والقرارات الأممية، مستخدما في ذلك أيضا قضية اللاجئين لابتزاز بلدان الاتحاد الأوروبي.

وسبق وأن انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدم التزام أردوغان بتعهده، مطالبا أنقرة بالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريّين موالين لها وجنود أتراك إلى طرابلس دعمًا لحكومة الوفاق.

وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية، شوهدت العديد من سفن الشحن التركية ترسو في ميناء طرابلس وطائرات مدنية وأخرى مخصصة للشحن الجوي تهبط في مطار معيتيقة ومصراتة اللذان تسيطر عليهما حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، لتزويد الميليشيات بالأسلحة المتقدمة والمركبات المدرعة والطائرات المسيرة والمستشارين الأتراك والمقاتلين السوريين.

واستحضر تحقيق “بي بي سي” تسليح تركيا لحكومة الوفاق على مر السنوات الماضية في الخفاء٬ حيث ذكر بأن الرئيس التركي أرسل في مايو الماضي نحو 50 عربة قتال عبر سفينة شحن رست في ميناء طرابلس.

وأضاف أن تلك الشحنة التركية من الأسلحة ضمت ناقلات جند مدرعة من نوع “كيربي 2” وهي من صنع شركة “بي ام سي” التركية اشترتها حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وقال التحقيق أن الأسلحة التركية المرسلة لحكومة الوفاق ظهرت عبر فيديوهات تداولها أفراد الميليشيات للتباهي بها على موقع فيسبوك وهي نفس الأسلحة التي كانت عل متن السفينة التركية التي أكدت صور الأقمار الصناعية وصولها إلى ميناء طرابلس في 18 مايو/أيار 2019.

وتظهر أشرطة الفيديو التي تم تداولها على فيسبوك أن تلك الأسلحة التركية وصلت إلى أيدي مقاتلي ميليشيا “لواء الصمود” التي يتزعمها صلاح بادي أحد أمراء الحرب في ليبيا وذراع الإسلاميين في طرابلس.

وفرضت الأمم المتحدة على بادي عقوبات لتقويضه جهود التوصل إلى حل سياسي في ليبيا ولدوره في مصرع 115 شخصا معظمهم من المدنيين لقوا حتفهم خلال القتال في طرابلس سنة 2018.

وجمع بادي المدرج على لائحة الإرهاب التي أعلنها برلمان شرق ليبيا، شتات الميليشيات والجماعات الإرهابية لصد عملية الجيش الوطني الليبي لاستعادة طرابلس منذ العام الماضي، وظهر في مقطع فيديو وهو في طريقه إلى العاصمة طرابلس قادماً من مصراتة على رأس إحدى الكتائب المسلحة مطالبا بطرد البعثة الأممية التي وصفها “بالبعثة المشؤومة”.

وبادي هو أيضا أحد مؤسسي ميليشيات “فجر ليبيا” التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، التي أحرقت مطار طرابلس الدولي عام 2014، وتسبّبت في توقفه عن العمل، وقد شارك في أغلب الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس في السنوات الأخيرة.

از
وقال تقرير “بي بي سي” إنه في الوقت الذي تنشر فيه تلك الميليشيات صور المقاتلات التركية على مواقع التواصل الاجتماعي وتتبجح بها كانت شحنة جديدة من الأسلحة التركية في الطريق.

وفي 18 فبراير الماضي، أعلن الجيش الوطني الليبي أنه استهدف سفينة شحن تركية كانت تحمل أسلحة في ميناء العاصمة الليبية التي تسيطر عليه ميليشيات حكومة السراج.

وأظهر مقطع فيديو تم تداوله بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي دخانا كثيفا يتصاعد من السفينة التي انتهكت الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على إرسال الأسلحة إلى ليبيا.

ولم تظهر الأسلحة التي تحدث عنها الجيش الليبي آنذاك، لكن تقرير “بي بي سي” قال إن فريق “أفريكا آي” التابع له عثر على سفينة الشحن التركية “آنا” على سواحل مدينة مصراتة، حيث سارعت إلى مغادرة ميناء طرابلس الذي رست فيه قبل ساعات من القصف، وذلك استباقا لوصول وسائل الإعلام العالمية إلى الميناء.

ومثل “بانا” جاءت “آنا” من ميناء مرسين التركي وتوقف جهاز إرسالها عن العمل أيضا قبيل توجهها إلى ليبيا وأفرغت حمولتها التي جلبتها من تركيا في مصراتة ثم غادرت.

وفعلا أكدت السلطات الإطالية يوم 20 فبراير الماضي اعتقالها قبطان سفينة شحن رست في مدينة جنوة الساحلية لاشتباه في تهريبها أسلحة تركية إلى ليبيا.

وأعلن المدعي العام الإيطالي أن قبطان السفينة التي كانت ترفع العلم اللبناني يخضع للتحقيق لقيامه بتسليم صواريخ ودبابات ومعدات عسكرية إلى ليبيا في انتهاك للحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة، مضيفاً أن القبطان يُشتبه في قيامه بالاتجار مع مسؤولين عسكريين أتراك لم يتم تحديد هويتهم بعد.

ووصف التقرير البريطاني ما قامت به تركيا أنه “أكبر انتهاك صارخ لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة حتى اليوم”، مشيرا إلى أن التدخل الخارجي في ليبيا من قبل المحور التركي القطري “يؤجج حربا جلبت البؤس للشعب الليبي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى