أسباب فشل استراتيجية ترامب الخارجية

السياسي – نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للكاتب جاكسون ديهل، يتحدث فيه عن استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخارجية.

ويبدأ ديهل مقالهبا لقول إنه “عندما تتم كتابة تقرير سبب وفاة سياسة ترامب الخارجية -الذي نأمل أن يكون عاجلا وليس آجلا- ستبرز عبارة ستكون هي العلامة المميزة لفشل ترامب: (الضغط الأقصى)”.

ويشير الكاتب إلى أن “كثيرا من تعاملات هذا الرئيس الدولية كانت عبارة عن خليط من الأفعال المتهورة والمتناقضة، لكن إلى الحد الذي يجعل هناك عقيدة ترامبية، وهي عبارة عن: استخدم التعرفة، والعقوبات وغيرها من الضغوطات الاقتصادية لإجبار أعداء أمريكا، وبالمقدار ذاته حلفاؤها، على الخضوع لمطالب البيت الأبيض”.

ويلفت ديهل إلى أن “مقدار هذا الضغط تنوع من الصين إلى كوريا الجنوبية ومن أوكرانيا إلى المكسيك، وتنوعت كذلك النتائج. لكن في ثلاث حالات، وهي كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا، فإن سياسة ترامب الصريحة كانت هي (الضغط الأقصى)، وفي تلك الحالات فإن السجل إلى الآن واضح: فشل أقصى”.

ويقول الكاتب: “كان من المفترض أن يؤدي الضغط الأقصى على نظام كيم جونغ أون إلى جعله يتنازل عن ترسانته النووية والكيماوية والبيولوجية كلها، وبعد ثلاث سنوات فإن النظام لا يزال يصنع تلك الأسلحة، وأعلن على الملأ أنه لن يتفاوض مع إدارة ترامب، وليس من المؤكد إن كان كيم سيأمر بالعودة إلى اختبار الصواريخ بعيدة المدى والرؤوس النووية في الأشهر القليلة القادمة، فيتسبب بأزمة لترامب في سنة الانتخابات، لكن ما هو أكيد هو أن كوريا الشمالية ستنهي الدورة الأولى لترامب وقد حصلت على حوالي 12 قنبلة نووية جديدة لم تكن لديها عندما بدأ ترامب رئاسته”.

وينوه ديهل إلى أنه “كان من المفترض أن (استراتيجية) الضغط الأقصى ستجبر إيران على العودة للتفاوض حول القيود على برنامجها النووي، وربما تتسبب بانهيار النظام، لكن بدلا من ذلك ومع نهاية العام، يتوقع أن يكون نظام آية الله علي خامنئي قد خصب ما يكفي من اليورانيوم لصناعة قنبلة نووية، بحسب آخر تقدير للمخابرات الإسرائيلية، وكانت الاتفاقية السابقة التي قام ترامب بتمزيقها تضمن أن تبقى طهران بعيدة عن ذلك لمدة عام على الأقل”.

ويفيد الكاتب بأن “الاقتصاد الإيراني تراجع بنسبة 10%، وكثير من المواطنين متمردون، واللواء قاسم سليماني، مهندس المغامرات الخارجية، مات، لكن هذا النظام، مثل نظام كيم، استبعد إجراء أي مفاوضات مع ترامب، وإلى الآن فإن استعداد النظام لفتح النار على المحتجين أبقى المعارضة الداخلية صامتة، وهذا النظام أيضا يمكن أن يتسبب لترامب بالمشكلات بين الآن وشهر تشرين الثاني/ نوفمبر، وفي هذه الحالة من خلال هجمات عبر الشرق الأوسط أو على الإنترنت، لكن الذي لن يحصل هو اتفاقية نووية جديدة”.

ويرى ديهل أن “أكبر فشل والأقل ملاحظة كان هو ذلك الذي وقع في فنزويلا، وهي بلد لا تبعد سوى ثلاث ساعات بالطائرة من ميامي، وكانت تعتمد لعقود طويلة على الولايات المتحدة للحصول على عائدات النفط، وقام ترامب بقطع ذلك الدخل متأكدا من أن ذلك سيقوض أركان الديكتاتورية الشيوعية التي تمر في حالة انهيار اقتصادي وسياسي”.

ويستدرك الكاتب بأنه “بعد عام يبدو أن نظام نيكولاس مادورو وصل إلى حالة استقرار، وعادت الأنوار إلى كاراكاس، والمتاجر التي فرغت من البضائع سابقا هي ممتلئة اليوم، وتم إخراج المعارضة السياسية التي تدعمها أمريكا من المجلس الوطني، ومطلب ترامب -بأن يتنحى مادورو ويفسح المجال لانتخابات جديدة- لن يتحقق في أي وقت قريب”.

ويتساءل ديهل قائلا: “لماذا لم تعمل (استراتيجية) الضغط الأقصى؟ ليس صعبا أن نتعرف إلى الأسباب، فأولا، وضع ترامب أهدافا غير معقولة، فكما أشار العديد من خبراء كوريا الشمالية قبل ثلاثة أعوام، فإن كيم لن يسلم ترسانته كلها بجرة قلم؛ وعلى أفضل تقدير، كان يمكن إقناعه بعملية تدريجية، وبالنسبة لإيران، فإن وزير الخارجية، مايك بومبيو طالب بعدد كبير من التنازلات لا يمكن تحقيقها دون تغيير في النظام، أما هدف سياسته في فنزويلا فيفترض أن تجعل زمرة مادورو المجرمة، التي ليس لها مكان تلجأ إليه، تسلم الحكومة باختيارها، أو أن يطيح بها جنرالات بالمستوى ذاته من الفساد”.

ويجد الكاتب أن “خطأ ترامب التالي كان هو افتراض أن الفعل الأمريكي أحادي الجانب كان يكفي للنجاح، وأنه لم يكن بحاجة للحصول على التعاون الدولي الذي كان يحصل عليه الرؤساء السابقون، وكان مخطئا، فالصين، التي فقد ترامب دعمها عندما شن عليها حربا اقتصادية، قامت بصمت بدعم كوريا الشمالية لتمكنها من تجاوز العقوبات، وفعلت روسيا الشيء ذاته مع فنزويلا، التي ساعدتها في بيع 70 % من نفطها، فيما رفض حلفاء أمريكا الأوروبيون الانضمام إلى ترامب في إلغاء الاتفاقية النووية مع إيران وإعادة فرض العقوبات، وحتى بلدان الشرق الأوسط، مثل السعودية، قامت بصمت بالسعي لتحقيق تسوية للخلافات مع طهران”.

ويبين ديهل أن “أكبر خطأ في حسابات ترامب هو الاعتقاد أن السلاح الاقتصادي سيكون كافيا للتعامل مع أمثال كيم وخامنئي ومادورو، فهو افترض بأن تحقيق الازدهار كان أكبر أولوية لهم، لكن الأمر لم يكن كذلك، وتحدث بحماسة عن مشاريع البناء على شواطئ كوريا الشمالية، لكن هؤلاء الديكتاتوريين لا تهمهم المنتجعات الجذابة، فاهتمامهم الوحيد يتمثل في بقائهم وبقاء أيديولوجياتهم المتطرفة”.

ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد أن “الضغط الاقتصادي ينجح أحيانا، فقد قدمت المكسيك تنازلات لترامب لتجنب العقوبات، كما فعلت الصين، لكن للحالات الصعبة فإنه بديل سيئ عن السياسة الخارجية متعددة الأوجه، وهذا هو السبب الذي يجعل من (الضغط الأقصى) شعار رئاسة ترامب: استراتيجية فجة ونصف مطبوخة مصيرها الفشل”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى