أغنية على ضفاف النهر.. الى فتح في عيد ميلادها 55
مهند طلال الاخرس

مهند طلال الاخرس

من منّا لم يرتبط نهجاً وعقيدةً بكلمات وحروف مغناة العاشقين الرائعة “الليلة يا دلعونا راجع ظريف الطول”، تلك الكلمات التي حاكّ كلماتها الشاعر والفدائي ابو الصادق الحسيني، من منّا لم يغادره اليأس ما ان يصدح محمد الهباش بهذه التراتيل وكأنها مارشات عسكرية تهز مضاجع المحتل وتستنهض ضمير من كانوا في الغياب تائهين، من منّا لم يردد هذا البيان مع نفسه ولنفسه ولكل الحالمين، من منّا عند سماعه هدير هذه الكلمات وزخات رصاصها لم تفرّ من عينيه الدمعات قهراً مجندلاً وفرحاً مسربلاً بدون اذن وبلا “إحم ولا تستور” ، من منّا لم يمشي مع حروف هذا الكلمات حرفا حرفا ببزته العسكرية وجعب الفدائيين السائرين الى وطنهم في عملية كان دويها سيهز اركان الجيوش والعروش، من منّا لم يُحدث نفسه نفسه بأمنيته الاثيرة لو كان أحد ابطال هذه العملية….

من منّا لم يقرأ البيان الاول لقوات العاصفة عندما فاته شرف ان يكون احد افراد هذه الدورية، من منّا في اضعف الايمان لم يغبط الفنان الراحل فتحي ضيح الذي مارس ما فاته من شرف ببقاء صوته خالدا في اذهاننا ونحّنّ الى سماعه في كل ذكرى لانطلاقة الثورة وهو يتلوا بيان الانطلاقة، من منّا لم لم يبتلع ريقه ويغمض عينيه ويرى النصر عندما يتلوا فتحي صبح في مطلع الاغنية البيان الاول الذي وزعه الشهيد القائد ياسر عرفات بوصفه المسؤول الاعلامي للحركة معلنا: اتكالا منا على الله، وإيمانا منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب، وإيمانا منا بواجب الجهاد المقدس، وإيمانا منا بالموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج وإيمانا منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم ..لذلك فقد تحركت أجنحة من القوات الضاربة في ليلة الجمعة 31/12/1964 م وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة .. وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة …

من منّا عندما وصل فتحي صبح لتلاوته في نهاية البيان الى مقطع “وعادت جميعها الى معسكراتها سالمة” لم يدمع ولم يجأش وكأن الامر امام ناظريه للتو، من منّا لم يحبس الانفاس انتظاراً لعودة الرفاق، من منّا لم ينتظر هذا الخبر كإنتظار الام لمولودها البكر، من منّا وهو في لحظة الانتظار لم يأخذ بالحمد والدعاء لأجل سلامة الرفاق .

ولأن الثورة هي فعل جماعي ووعي جمعي كذلك كلماتها والحانها، فلا يستقيم الحال دون لحن خالد يخلد هذه الكلمات وهذا الاداء، وهذا أحسنه وابدعه حسين نازك الذي طرز ما حاكه ابو الصادق من كلمات على صدر الوجع الفلسطيني، تماما كما طرزت أمهاتنا الكنعانيات منذ البدء والنشوء للكون والانسان معا، فكانت هذه الكلمات وهذا اللحن ذا فعل كفعل الرصاص خاض معركة الوجود مع البقاء، فانتصر.

أما أنا؛ فلم ولن أمل يوماً عن تغذية الامل بالامل، وعن دفع الاوجاع بالابداع، وعن ايماني المطلق بأن الكلمة بندقية تغطي عرينا وليلنا الدامي.

تعود بي الذاكرة الى ايام خلت واتذكر كيف ان الفنان والملحن والشاعر المصري محمد عبد الوهاب أصبح يحمل رتبة لواء بقرار من انور السادات، حينما حوّل الخوذات الفولاذية للجيش المصري الى طبول، وبنادقهم الى ابواق، وقاد تلك الاوركسترا الملعونة، التي عزفت النشيد الوطني الاسرائيلي في عاصمة العروبة القاهرة، الهاربة لتوها من عصر القاهر الى عصر المقهور.

في ذلك الوقت كان الشيخ امام يغني في الزنزانة بعد ان يكتب احمد فؤاد نجم الاشعار على مسامعه وعلى ما تبقى من ضمير.

كيف يمكن للشاعر ان يكون محايداً حينما يستباح الوطن؟ هذا ما تذكرته حينها، وكان هذا ما قاله فريدريكو غارسيا لوركا عندما سار الى الموت ومسدس الجنرال فرانكو برأسه وأيقنت حينها كيف عاش لوركا ومات فرانكو.

حينها فقط ادركت معنى ان الثورة لمن صدق وليس لمن سبق، حينها ادركت فعلا ان الامور بخواتيمها وانه من الطبيعي ان تبدأ مناضلا؛ لكن الاهم ان تنتهي كذلك. حينها وحينها فقط ادركت معنى ان يحمل ابو الصادق وسام الثورة من ياسر عرفات.

هذه الكلمات لو لم يكتب غيرها ابو الصدق لكانت كفيلة ان تبقيه حياً بيننا لسنوات وسنوات؛ لكنها الثورة التي منحته هذه الكلمات، هي نفسها من أعطته سرّ غيرها من الكلمات، لتجسد ذاتها في كلماته، وتبقى كلماته معلقة على جدار الحرية الذي تعلوا انقاضه شارة النصر، ولن تبوح الثورة بآخر كلماتها إلا بعد ان تجد من يكتب نشيدها الاخير ولن يكون الا نشيد النصر لفلسطين.

في هذه الكلمات اثبت ابو الصادق بأن فتح فكرة والفكرة لا تموت، في هذه الكلمات اثبت ابو الصادق ان من يكتب للثورة قصيدة او اغنية او لحنا او مقالا او نصا ادبيا، فيجب عليه ان يكتب بالدم ليبقى ولتحيا فلسطين. والبقاء هنا فعل ايجابي معناه الديمومة، والديمومة هنا للثورة، فإن بقيت بقينا، وان غابت؛ زارنا الموت بالقوافل، لذا كان لزاما علينا ان نزوره بالقنابل. ومن هنا جسد الاثنان(الكلمة والبندقية) شعار فتح الخالد “فتح ديمومة الثورة والعاصفة شعلة الكفاح المسلح”.

في هذه الكلمات لا يمكن لك وأنت ترتلها الى ان تسير مع ذاتك الى خلودها، والسير مع الذات هنا يحتم عليك تفحّص الاحرف والخطوات، خطوات من جعلوا من ليلة رأس السنة عيداً لنا، خطوات احمد موسى كيف سبق وكيف اعطى الاشارة للرفق، عندما عجزت كل الدول العربية عن التصدي للمشروع الصهيوني، وتجسد هذا الفشل بقيام الاحتلال بسرقة المياه العربية الى النقب المحتل عبر نفق تحويلي شرعت بإقامته عند بلدة عيلبون، حينها قررت حركة فتح ان تنطلق بعملية عسكرية كبيره تعلن بعدها انطلاقتها المسلحة وكان لها ما ارادت وكانت العاصفة، فأضاف لفلسطين تاريخ ميلاد.

إذ دمروا النفق واعلنوا الانطلاقة وفجروا العجز العربي وقامت الثورة، ذلك العجز الذي اجتمع اربعة عشرة رئيس عربي في الاسكندرية لاظهاره علانية؛ لكن ما عجزوا عنه نجحت به فتح بخمسة فدائيين فقط: الشهيد أحمد موسى الدلكي ومحمد عبد الله إبراهيم الدلكي (أبو يحيى) وحسن حميدي حسين السهو والشهيد حسين نمور ووحش إبراهيم الحمد.

وتعود المجموعة الى قواعدها التي انطلقت منها في الاردن سالمة، لكن كعادة الفرح لدى الشعب الفلسطيني لا يأتيه إلا مخضبا بالدم، وكأنه لا يستقيم مقام النصر لدينا إلا إذا انطبق علينا وصف ابو تمام: “فتًى ماتَ بين الضربِ والطعنِ ميتة ً تقومُ مقامَ النصرِ إذْ فاتهَ النصرُ”، إذ قُدر ان يصاب احمد موسى الدلكي عند عبوره النهر “بنيران اخطأت بوصلتها” وظل يعاني منها -هو ونحن- حتى انتقل الى جوار ربه في يوم 7/1/1965 ، ومن يومها اطلق يوم الشهيد على هذا اليوم كونه الشهيد الأول للثورة الفلسطينية المعاصرة .

وردًا على العملية قالت رئيسة الوزراء الإسرائيلية في حينه “غولدا مائير”: بعد العملية هبت علينا عاصفة من الشمال، فيما رد عليها “ياسر عرفات” هاذه رياح العاصفة الفتحاوية ستحرق الأخضر و اليابس فالثورة الفلسطينية انطلقت لتبقى وأكمل حينها الزعيم الخالد “جمال عبد الناصر” المقولة : (فتح) خلقت لتنتصر ووصف الثورة الفلسطينية بأنها أطهر وانبل ظاهرة عرفها التاريخ.

من وحي تلك الليلة، ومن هدير خطواتها التي صنعت المجد، كُتب الكثير من الكلمات، وحيك الكثير من القصص، ونسجت الحكايات التي خلدت تلك اللحظة الفارقة بتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وحدها اغنية “الليلة عيد راس السنة” امتهنت إنزال دموعي بحرفية في كل عام بالتزامن مع عيد راس السنة.

هي كلمات ليست كسائر الكلمات، هي كلمات تأخذ معنى الحكاية، وأي حكاية، حكاية عملية عيلبون الفدائية بكل تفاصيلها وتلاوينها، ومن هنا كانت الثورة الفعل المؤسس للكلمة، وهكذا كان دائما يختار نسر الشعب دنياه؛ “فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا”.

وهذا عهد الفدائيين دائما مع فلسطين؛ بان تبقى مابقي التين والزيتون والحرف والكلمة والصوت والصدى والماء والندى.

لن تموت الكلمات في افواهنا، ولن تموت خطوات من ساروا في زقاقها، ولن يقفل باب مدينتنا ولن يخمد السيف في غمده، وسيرفع شبل من اشبالنا او زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق مآذن القدس وكنائس القدس واسوار القدس وسنبقى على الدوام نغني….

الليلة عيد راس السنة
الليلة مروا من هنا
وصلوا النفق
احمد سبق
أحمد زحف تحت الجسر
أعطى الإشارة للرفق
خمس دقائق باقية على ساعة الصفر
خمس دقايق باقية ويطوف بالنهر
يغسل جراح أيوب
ويا دروبنا يا دروب
باقي ع خمس قلوب
قتلت صبر أيوب

**

لا تبكي قومي زغردي
قومي البسي ثوب الفرح
دلعونا قومي زغردي
قومي البسي ثوب الفرح
قومي اسمعي آخر خبر
الليلة مع وجه الفجر
طاف بالنهر
طاف بالنهر

**

الليلة يا دلعونا راجع ظريف الطول
ينزف رصاص ودم
ينزف بارود وعرق
الليلة من جرحه انطلق اول طَلَق
الليلة يا دلعونا راجع ظريف الطول

**

في جعبته أنغام
غنوها في فيتنام
وصورة لجيفارا الثائر الإنسان
الليلة يا دلعونا راجع ظريف الطول

**

في جعبته أسرار
في جعبته أخبار
وكتاب عن الثورة وعن الثوار
الليلة يا دلعونا راجع ظريف الطول

**

في جعبته أسرار
كلمة حروفها نار:
اتحدوا يا ثوار اتحدوا!
اتحدوا يا ثوّار!

*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق