أفغانستان .. هزيمة لأميركا غير معلنة
علي أنوزلا

مرّ الاتفاق الذي تم توقيعه في الدوحة يوم 29 فبراير/ شباط الماضي بين واشنطن وحركة طالبان مرور الكرام. وعلى الرغم من الأهمية التي يكتسيها هذا الاتفاق الذي وصف بالتاريخي، لأنه يسعى إلى إحلال السلام في بلادٍ مزّقتها الحروب عدة عقود، ويضع حداً للوجود الأميركي فيها الذي استمر 19 سنة، إلا أن وصفه بأنه “اتفاق سلام” بعيد عن الحقيقة، لأن السلام في هذا البلد الذي مزّقته الحروب ما زال بعيد المنال.
الأمر في الحقيقة يتعلّق باتفاق استسلام وقعته أكبر قوة عسكرية في العالم مع حركةٍ كانت تصنفها واشنطن، حتى وقت قريب، على لائحة التنظيمات الإرهابية، وما زالت تضع بعض قادتها على لوائحها السوداء. إنه إعلان غير رسمي لأكبر هزيمة تَلحق بالقوة العسكرية الأميركية منذ هزيمتها التاريخية في فيتنام عام 1975. فأن تَجلُب حركة متمرّدة أكبر قوة عسكرية في العالم إلى طاولة التفاوض الذي دام أكثر من عام، وتُجبرها على التوقيع على “اتفاق سلام” معها على أرضٍ محايدة، هي الدوحة، هو أقرب إلى الاستسلام منه إلى السلام. أما قادة “طالبان” فلم يخفوا فرحتهم بانتصارهم على القوة المحتلة التي أجبروها على الانسحاب، من دون أن تحقق أهدافها التي جاءت من أجل تحقيقها قبل زهاء عقدين. وهو ما دفع وزير خارجية أميركا، مايك بومبيو، في أثناء حفل توقيع الاتفاق، إلى تحذير “طالبان” من المبالغة في الاحتفاء بالنصر، عندما قال إن انتصار الأفغان الحقيقي هو عندما ينجحون في العيش بسلام وفي رخاء.
الهدف من وراء هذا الاتفاق، كما توضح ذلك بنوده، هو الانسحاب التدريجي للجنود الأميركيين  من أفغانستان التي تحولت إلى مستنقع كبير، عجر رؤساء أميركيون عديدون عن إخراج قواتهم منه، على الرغم من وعودهم الانتخابية بذلك. وفي المقابل، تتعهد “طالبان” بمنع أن تتحول أرض بلادها إلى قاعدة تستخدمها تنظيمات إرهابية لتنفيذ هجمات ضد أميركا، وفي الأثناء، تسحب واشنطن أسماء قادة “طالبان” من لوائح الإرهاب التي تضعها. أما مسألة الديمقراطية التي باسمها شن الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، حملته ضد أفغانستان قبل عقدين، فلا أثر لها في الاتفاق، والدليل أن الحكومة الأفغانية الرسمية التي تعترف بها واشنطن وتدعمها تَمّ تغييبها عن المحادثات، ولم تُستدع حتى ضيف شرف لحضور مراسيم التوقيع على الاتفاق.
توقيع “اتفاق سلام” مع تنظيمٍ ما زال يحمل السلاح في وجه القوات الأميركية يُذكّر بالهروب الأميركي من سايغون، وبالتجربة الأميركية في فيتنام. ففي التجربتين، الفيتنامية والأفغانية، السيناريو نفسه، عندما راهنت أميركا على قوتها العسكرية الكبيرة في حسم الحرب، وانتهت بالهروب من سايغون، وبالتخلي عن حلفائها في كابول، والتوقيع على السلام مع أعدائها في الدوحة.
حرب أفغانستان، وبعدها حرب العراق، كلاهما كانا قرارين كارثيين، تتحمل مسؤوليتهما إدارة جورج بوش، ذهب ضحيتهما ملايين الضحايا، بينهم آلاف الجنود الأميركيين، وتم تدمير بلدين كاملين، تركا للحروب الأهلية تنهشهما، وللفساد ينخرهما من الداخل، من دون الحديث عن تريليونات الدولارات التي كلفتها هاتان الحربان وتداعياتهما التي ما زالت تتفاعل وتؤثر سلباً على منطقةٍ بكاملها وعلى شعوبها، بل وعلى العالم الذي لا يزال يدفع ثمن القرارين المتهورين.
لقد استسلم الأميركيون، بعد عقدين من الفوضى زرعوها في المنطقة، ومن الحروب المنهكة، للأمر الواقع، وقرروا المغادرة والقبول على مضض لتوقيع “اتفاق سلام” هش على شكل هزيمة غير معلنة، وقبلوا شروط “طالبان” التي رفضت الإشارة، في نص الاتفاق، إلى كلمة “إرهاب” لوصف تنظيم القاعدة. وقبل ذلك رفضت إشراك الحكومة الأفغانية في مسار المحادثات، أو في حضور “حفل” التوقيع، وهو ما يجعل من الاتفاق، أو “الصفقة”، حسب قاموس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هزيمة مبطنة لغطرسة وغرور أكبر قوة عسكرية في العالم. كان الأمر مزعجاً بالنسبة للأميركيين وحلفائهم من أربعين دولة الذين غابوا عن “حفل” التوقيع الذي تم في فندق شيراتون في الدوحة، لأن الكل كان يعي أن الأمر يتعلق بتوقيعٍ على استسلام أميركا وحلفائها الذين ورّطتهم معها في حرب مكلفة وغير ضرورية، انتهت بالتوقيع على هزيمتهم المذلّة أمام التنظيم المتمرّد.
ما بين التصريح الشهير للرئيس الأميركي بوش “من ليس معنا فهو ضدنا”، الذي قسم العالم إلى  فسطاطين، إلى توقيع “اتفاق سلام” مع الحركة التي قادت ضدها الولايات المتحدة أكبر وأطول حرب في تاريخها، يجب أن توفر هذه اللحظة التي لم يخرج الناس في شوارع واشنطن ونيويورك للاحتفال بها، مناسبة للتفكير الرصين في تقييد قادتهم في شن الحروب التي تكلف البشرية خسائر كثيرة في الأرواح البريئة، فهذه “الصفقة” هي بمثابة اعتراف رسمي بفشل كل السياسات الأميركية في المنطقة التي سنت على الأقل منذ عقدين.
مرة أخرى، يضطر الأميركيون إلى حزم حقائبهم، والعودة إلى بيوتهم من الأبواب الخلفية، من دون أن ينجزوا المهمة، تاركين وراءهم الخراب والدمار، ومتأكّدين من أنه لا وجود لأية قوة يمكن أن تحاسبهم على ما ارتكبت أفعالهم من جرائم في حق شعوبٍ وبلدانٍ تبعد آلاف الأميال عن بلدهم. وإذا كان من شيء إيجابي في “اتفاق السلام” الذي وقعه الأميركيون هو الدرس الذي يجب أن يتعلموه من مغامراتهم الخارجية العقيمة التي غالبا ما تنتهي بالفشل. ولكن بعد أن تكلف الكثير للشعب الأميركي ولشعوب العالم. إن ما سيعطى لاتفاق الدوحة معناه ليس هو “السلام الغامض” الذي لا أحد يمكن أن يتنبأ بموعد حلوله في أفغانستان، وإنما هو مدى قدرة الأميركيين وساستهم على استيعاب الدرس من عدم تكرار حروبٍ طويلةٍ ومكلفةٍ وعقيمة، تخلف آثاراً وخيمة عليهم، وعلى العالم كله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى