أمريكا والفلسطينيون.. الكتابة على الحائط
إميل أمين

أحد الأمثلة الأمريكية الشهيرة الذي يطلق حين تكون الرؤى واضحة والمواقف جلية بالنسبة لقضية ما هو القول إن: “الكتابة على الحائط”، أي أن كل شئ متاح للمعرفة من غير إلتواء وبدون سرية، وعليه لا يبقى ما يمكن مداراته أو مواراته.

المثل المتقدم تذكره العالم برمته والشعب الأمريكي على نحو خاص نهار الثلاثاء الماضي، وذلك غداة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ما أطلق عليه “صفقة القرن”، أو خطة السلام الأمريكية الشاملة للفلسطينيين والإسرائيليين.

لم تكن مواقف ترامب صادمة بالمرة، فقد قامت التسريبات من قبل بما يكفي لنشرجوهر الخطة التي تفرغ مشروع الدولة الفلسطينية من معناه ومبناه، عبر تقطيع أوصال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتقديم خريطة هيولية لا تنطلي على  أحد لشبه كانتونات وليس دولة، وبالطبع قطع الطريق على  حق العودة التاريخي للمهجرين قسرا، فيما الطامة الكبرى  تتمثل في رفض أمريكي واضح وصريح لإقامة عاصمة في القدس الشرقية، ومن ثم التلاعب على المفردات بالقول: “عاصمة شرق القدس”.. أي في الأحياء القريبة خارج أسوار أورشليم كما يرى التيار اليهودي المتشدد.

يعن لنا أن نتساءل: هل الرهان على الدور الأمريكي رهان موثوق لحل الأزمة التي طالت قولا وفعلا ؟

الحقيقة أن التاريخ القريب يحوي مشهدين يؤكدان ما أشرنا إليه أكثر من مرة، وهو أن طرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات، لا من الآخرين.

نجح السلام بين المصريين والإسرائيليين حين جاءت المبادرة من قِبلهما هما ومن داخل حواضنهما الفكرية، وقد جرت كافة الترتيبات بين القاهرة وتل أبيب في رومانيا والمغرب، وبعيدًا عن أعين الأمريكيين، ولم يظهر هؤلاء إلا في نهاية المشهد.

تكرر المشهد ثانية مع أوسلو، حيث نصحت الإستخبارات الفرنسية القيادة الفلسطينية بالتعاطي المباشر مع الإسرائيليين  بعيدًا عن عيون وأذهان العم سام، ذاك الذي فوجئ بالأمر في نهاية المطاف وكانت صدمة له، غير أن ذلك لم يكن يهم الطرفان، بعد أن أدركا صفقة مكنت من عودة أبو عمار وصحبه ووضع أرجلهم على الأرض الفلسطينينة بعد طول شتات.

يكاد القارئ لهذه السطور يتساءل: “هل المقصود هنا الابتعاد بالكلية عن الولايات المتحدة وفي هذه المرحلة الدقيقة والمضطربة في الشرق الأوسط، مع الأخذ في عين الاعتبار التغيرات الجيوبوليتيكية التي تحدث على الصعيد العالمي؟

الجواب لا يوفر الحديث عن أبعاد الدور الأمريكي في الفترة الأخيرة، والذي لم يكن بالمرة دافعا أو محفزا لسلام قائم على أسس من العدالة وإحقاق الحقوق، فقد بدأ ترامب فترته الرئاسية بمواقف بدا منها أنه يدور في فلك اليهود اليمينيين المتشددين في الداخل الأمريكي، والإسرائيلي من جهة، والسعي من جهة ثانية  لخدمة أجندة التيار المسيحي الإنجيلي المؤمن بالنبوءات التوراتية، أو بمعنى أدق الذي يلوي عنق النصوص الدينية ليجيرها لصالح إستمرار واستقرار فكرة الدولة الدينية اليهودية، وليست الدولة الإسرائيلية الديمقراطية التي يمكن أن تعيش مع دولة فلسطينية مستقلة جارة لها.

أحد أهم المراقبين لمشهد الثلاثاء الماضي، والذي أطلق حكمه على كل من نتايناهو وترامب، كان الصحافي أمريكي الجنسية يهودي الديانة “توماس فريدمان”، والذي كتب عموده اليومي في صحيفة النيويورك تايمز ذائعة الصيت متسائلا: “هل ترامب هو أحمق نتانياهو”؟، بمعنى: هل ما قدمه ترامب هو خدمة لصالح نتانياهو، وليس لصالح فكرة السلام عينها؟

فريدمان تابع بلغة ثقيلة على النفس حين قال: “هل هذه الخطة  تتعلق بدولتين لشعبين أم أنها تتعلق بتضليل واحد لقائدين قذرين؟

باختصار غير مخل ما شهدناه في واشنطن الأسبوع الماضي لم يكن سوى مؤتمر انتخابي لرجلين يعيشان أزمات طاحنة داخلية:

رئيس أمريكي تخدمه الظروف السياسية فلو كان مجلس الشيوخ مسيطرا عليه من الحزب الديمقراطي، لتوارى بعيدا عن الأنظار عزلا.
ومن ناحية أخرى رئيس وزراء إسرائيلي متهم بالاحتيال والرشوة وانتهاك الثقة، ويبذل أقصى جهده لتشتيت التركيز الداخلي في إسرائيل على قضايا أخرى.
في هذا السياق يمكن القطع بأن واشنطن لن تكون مفتاح الحل، ووساطتها المطلقة لن تجدي طالما هناك رئيس منساق بهذا الشكل في مساقات اللاعدالة.

على أنه من جانب آخر: هل يعني الاختلاف مع موقف الرئيس الأمريكي التفكير في إستبعاد الدور الأمريكي مرة وإلى الأبد؟

ربما يصبح نوعا من عدم الواقعية لو قلنا بحتمية إقصاء الولايات المتحدة الأمريكية دفعة واحدة من الطريق، فهي تمثل بالنسبة لإسرائيل الحبل السري الذي لا يمكن أن ينقطع عند لحظة بعينها، غير أنه قد يكون الطرح الإيجابي هو توسيع دائرة الوساطة، وبحيث لا تكون الأوراق كلها في يد ساكن البيت الأبيض.

يمكن للفلسطينيين الذهاب إلى مجلس الأمن، حتى في ظل التهديد الأمريكي التقليدي باستخدام الفيتو ضد أي مشروع قرار يدين إسرائيل، ذلك أنه ساعتها لا يهم سوى إعلان الحقوق على الملأ، وشتان الفارق بين سلام قائم على الشرعية الدولية،  وإحتلال قائم على القوة العسكرية ومخالفة كافة القوانين والقرارات الأممية.

مثير جدًا شأن ترامب ونتانياهو، ونظرهما القصير لواقع  التطورات الدولية، وفي المقدمة منها الصيحة الضارة والخبيثة للقوميات والشوفينيات، وفي طياتهما النزعات العنصرية الدينية والمذهبية، وبصراحة مطلقة ها نحن نرى عودة متنامية  لظاهرة العداء للسامية في أمريكا وأوروبا على حد سواء، ما دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأن يوجه دعوة ليهود العالم لترك كل بقاع وأصقاع الأرض والتوجه إلى روسيا  والاحتماء من خلفها.

الذين تابعوا حديث الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد انتهاء مؤتمر ترامب – نتانياهو مباشرة استمعوا الى أفكار قد تبدو غريبة، كالقول بأن هناك يهودًا أمريكيين يقفون ضد توجهات ترامب، ومن هؤلاء جماعة “جي ستريت”، التي إنشقت عن الأيباك، والتي ترى أن مستقبل إسرائيل في خطر طالما عادت مرة أخرى للغيتو والتقوقع داخل حدود بعينها والإصرار على العداء للفلسطينيين.

مؤخرا باتت إسرائيل تحلم بعلاقات طبيعية مع جل العالم العربي، لكن السؤال: كيف للعرب أن يقبلوا بمثل هذا الطموح في ظل رغبة نتانياهو ضم المزيد من أراضي الضفة الغربية،  وغور الأردن، وتأكيد السيادة المطلقة على قلب المقدسات الدينية المتمثلة في القدس الشريف؟

الخلاصة: هذا وقت التنادي للقاء أممي واسع يمكن أن تعد له جامعة الدول العربية لدعوة الأعضاء الخمس دائمي العضوية في الأمم المتحدة، ومصر والأردن، والسعودية والإمارات كما  ذهب إلى ذلك الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى منذ أيام بهدف فتح مسار تفاوضي أممي وليس أمريكيا فقط، مع التذكير بمبادرة السلام العربية التي طرحتها المملكة العربية السعودية في العام 2002 خلال القمة العربية التي عقدت وقتها في بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق