أموال الخليج حلال للعراق حرام على لبنان

السياسي – في الوقت الذي تمكَّن فيه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي من الحصول على تمويل بقيمة 6 مليارات دولار من السعودية والإمارات نتيجة زياراته المثمرة لهذين البلدين المهمّين في آذار/مارس ونيسان/إبريل 2021، لم يحصل لبنان، الذي يعاني من أزمات على كافة المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، والسياسية، على دولار واحد من المساعدات المالية الخليجية المُعوَّل عليها لإنقاذ اقتصاد البلاد المنهار.

صحيحٌ أنّ المليارات السعودية والإماراتية التي حصل عليها العراق غير كافية لتخفيف عجز الميزانية العامة الذي من المُتوقَّع أن يصل إلى 19.79 مليار دولار هذا العام، ولا حتى لتجنيب عملته الوطنية، الدينار، تخفيضاً آخر يمكن أن يؤجِّج التضخّم، ولكنّها تضع لبنان أمام حقيقة أنّ “الكحل أحسن من العمى”.

فقد أضحت رغبة الثنائي السعودي-الإماراتي بتوجيه مساعداته المالية إلى العراق ومنعها عن لبنان واقعاً حقيقياً يعكس من جهة الاهتمام الخليجي بتحفيز تنمية الاقتصاد العراقي ودعم حكومته، ويُؤكِّد من جهة أخرى النفور الخليجي من إنعاش اقتصاد بلد يتحكَّم “حزب الله” في دواليبه ومجرياته.

لا يمكن إنكار حقيقة أنّ مبلغ الـ6 مليارات دولار هو عبارة عن استثمار سعودي وإماراتي في العراق يندرج تحت إطار رؤية مستقبلية ثاقبة تستهدف حصول شركتي “أرامكو” السعودية وبترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” على مساحة أعمال تجارية مهمة في قطاع الطاقة العراقي لاسيَّما في الصناعات الهيدروكربونية ومجالات توليد الكهرباء ومصادر الطاقة المتجدِّدة، أكثر من كونه مجرَّد مساعدات مالية أحادية المنافع لصالح الطرف العراقي فحسب.

كما يمكن النظر إلى الاهتمام السعودي بمدّ يد العون لقطاع الطاقة العراقي من منظور استراتيجي آخر يتمثل في قطع شرايين الطاقة الإيرانية، حيث تقوم المملكة بتصدير الكهرباء إلى العراق بهدف تقليل وارداته من الغاز الإيراني المُولِّد للطاقة الكهربائية، لأنّها تعي تماماً وجود تصدُّع كبير في جدار الثقة ما بين الراديكاليين الإيرانيين والكاظمي.

أمّا بالنسبة للبنان، فالأمر مختلف وأكثر تعقيداً خاصّة عندما ترتبط معطيات تشكيل حكومة جديدة بسياسة المماطلة التي ينتهجها “حزب الله” بتوصيات من إيران، لذلك ليس من مصلحة الثنائي السعودي-الإماراتي توجيه تمويل أو استثمار لنظام يتشارك الحكم مع العدوّ.

البلدان، العراق ولبنان، يتشاركان تقريباً نفس خصائص الانهيار الاقتصادي، لكن أحدهما يحصل على الدعم المالي الخليجي بينما يُحرم الآخر منه.

يرزح العراق تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على جميع مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية جرَّاء تراجع عائدات النفط. من بين ملامح الأزمة انخفاض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار، المخاطر السياسية والأمنية التي تجرّ المناخ الاستثماري والتصنيف الائتماني نحو القاع، العبء الثقيل للدين الخارجي الذي من المُتوقَّع أن يصل متوسطه إلى 5.8 مليارات دولار سنوياً خلال العامين المقبلين وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، الضغط الرهيب لفاتورة رواتب القطاع العام التي تُمثِّل 50 بالمائة من الإنفاق الحكومي.

هذا عدا أزمة الطاقة الكهربائية والخدمات العمومية المتردِّية وهشاشة البنية التحتية والفساد المتفشّي في جميع أجهزة الدولة.

والأمر سيان بالنسبة للاقتصاد اللبناني الذي صُعِق يوم 16 آذار/مارس 2021 بواقعة انهيار سعر صرف الليرة الذي لامس عتبة 15 ألف ليرة للدولار مقابل سعر الصرف الرسمي البالغ 1507.5 ليرات للدولار، وبالتالي انخفاض الحدّ الأدنى للأجور إلى 50 دولاراً عوضاً عن 448 دولاراً بسعر الصرف الرسمي.

إضافة إلى تدنّي القدرة الشرائية للمواطنين، ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 144 بالمائة وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، جنون التضخّم الذي بلغ 85 بالمائة العام الماضي، التهاب فاتورة أجور العاملين والمتقاعدين المُقدَّرة بتريليون ليرة شهرياً أي ما يعادل 90 بالمائة من العائدات الحكومية، شحّ السيولة، وصول احتياطي النقد الأجنبي إلى مستوى أحمر يُقدَّر بـ 16 مليار دولار، حيث تتحمَّل الأطراف المسؤولة عن غياب حكومة جديرة بالثقة وجاهزة للحوار، كـ”حزب الله” والرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وزر هذه الفوضى الاقتصادية.

على عكس العناد السياسي المستمرّ في لبنان والذي يحرمه من كل أشكال المساعدات الأجنبية، تمكَّن العراق من الحصول على مساعدات خليجية بقيمة 6 مليارات دولار بفضل الحنكة السياسية للكاظمي الذي أجاد اللعب على الحبلين الخليجي والأميركي.

فقد صرَّح مراراً وتكراراً بعدم السماح بالتدخُّل الأجنبي في شؤون بلاده قاصداً بذلك إيران، واتَّخذ سياسات تتماشى مع أهداف الولايات المتحدة كتوقيف عناصر من “حزب الله العراقي” وإنجاح الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن التي انطلقت يوم 7 نيسان/إبريل 2021، وهذا علاوة على الأصابع الإيرانية التي تعتبره بيدقاً أميركياً بالعراق وتتَّهمه بالمشاركة في الهجوم الإرهابي على قاسم سليماني من خلال تعاون القوات الخاصة العراقية مع الولايات المتحدة.

يتَّبع الكاظمي نهجاً مغايراً لسابقيه من خلال إعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي المبني على المصالح السياسية والعسكرية، فاتحاً بذلك الأبواب الاستثمارية السعودية والإماراتية على الاقتصاد العراقي، ومُمرِّراً رسالة قوية لإيران مفادها أنّ الشراكات الاقتصادية أولى من الانصياعات لإرادتها وطموحاتها.

لكن من ناحية أخرى، ينبغي على الكاظمي توخّي الحذر والاستفادة من تجارب الدول التي حصلت سابقاً على مساعدات مالية خليجية كإثيوبيا على سبيل المثال التي تعهَّدت الإمارات في سنة 2018 بمنحها مساعدات مالية بقيمة 3 مليارات دولار، منها مليار دولار كوديعة للبنك المركزي الإثيوبي.

لكن في الواقع حصلت إثيوبيا فقط على 28.7 مليون دولار على شكل مشروع لصيانة محركات الطائرات من قبل شركة “سند” التابعة لشركة مبادلة للاستثمار (صندوق الاستثمار السيادي التابع لأبوظبي) و646 مليون دولار على شكل مشروع عقاري من طرف شركة “إيجل هيلز” العقارية الإماراتية من أصل 3 مليارات دولار وفقاً لقاعدة بيانات خاصة بالاستثمارات الأجنبية “fDi Markets” التابعة للفاينانشال تايمز، لذلك تمنح هذه التجربة الإثيوبية العراق وغيره من الدول غير المستقرّة نموذجاً عن طبيعة التمويل الذي يكون على شكل استثمار يمكن ألا يؤتي ثماره إلا بعد وقت طويل وليس نقداً.

خلاصة القول، نجد إنّ المصير الاقتصادي للبنان منوط بالتشكيل العاجل لحكومة تخدم مصالح المانحين الدوليين، والمصير الاقتصادي للعراق متعلِّق بمدى قدرة الكاظمي على الاستمرار في إرضاء الطرفين الأميركي والخليجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى