أميركا ترسم تحالفات جديدة
عبد الوهاب بدرخان

 

منذ قمة الدول الـ7 وقمة دول حلف الأطلسي، منتصف يونيو الماضي، كان واضحاً أن الرئيس جو بايدن وإدارته يعتمدان في استراتيجية مواجهة الصعود الصيني بشكل رئيسي على بريطانيا، من دون استبعاد «الناتو» في دور مساند. وقبل ذلك، كانت لندن قد أعلنت في مارس عن تغيير جوهري في استراتيجيتها الدفاعية، يرفع عدد الرؤوس النووية ويرمي إلى تعزيز التعاون مع دول مجموعة «آسيان». وفجأةً، ظهر قبل أيام تحالف «أوكوس» الثلاثي كاشفاً جزءاً من خطط واشنطن لما بعد الانسحاب من أفغانستان، إذ يضمّ الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، مع تزويد الأخيرة بغواصات تعمل بالطاقة النووية. ويُفترض أن يتبع أيضاً تحالف «كواد» الرباعي الذي يضمّ الهند وكوريا الجنوبية إلى الولايات المتحدة وأستراليا، بهدف احتواء النفوذ الصيني بين المحيطين الهندي والهادئ.

وبالتوازي مع إعلان هذا التحالف يستمرّ الحوار الاستراتيجي بين الأميركيين والروس، وتناول أحد اجتماعاته في جنيف قبل أيام التنسيق بالنسبة لسوريا، في ضوء استعداد أميركي للانسحاب من الشمال الشرقي السوري بحلول ربيع 2022. لكن اللقاءات السابقة تطرّقت إلى العلاقات والمصالح في مناطق أخرى، ليس بينها أوكرانيا، بهدف التوصّل إلى تفاهمات تجتذب روسيا أو تُحيّدها في الخلاف الأميركي الصيني، لكن تفاهمات لا تزال موضع بحث، أو أن نتائجها لن تُعلن. ويعتقد محلّلون أميركيون عدم إمكانية ضبط موسكو أو إبعادها عن بكين، أيّاً تكن العروض التي تقدّمها واشنطن. غير أنهم يرون أن المهمة العاجلة لإدارة بايدن الآن تتمثّل في طمأنة الأوروبيين، الذين تترسّخ عندهم فكرة الاستقلالية الدفاعية والسياسية، حتى لو كانت لديهم صعوبات في تحقيقها.

هل فرنسا محقّة في استيائها المتصاعد من التحالف الثلاثي الذي جعل أستراليا تلغي صفقةَ غواصات معها؟ الخلاف أبعد من هذه الصفقة وهو يُعبّر عن شكوك الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف الأطلسي بمجمله. كان بايدن قد أبلغ القمة الأطلسية في بروكسل أن «عودة أميركا» إلى الدبلوماسية العالمية مبنية على إحياء التحالفات والشراكات، لكنه استبق ذلك بالتوقيع مع بوريس جونسون على «ميثاق أطلسي» فُهم بأنه تجديدٌ للتحالف الثنائي التقليدي بين أميركا وبريطانيا الخارجة لتوّها من الاتحاد الأوروبي. لذلك لم تقبل باريس تبرير بايدن اجتذاب أستراليا على هذا النحو بـ«تهديدات متسارعة» من جانب الصين، بل اعتبرته «سلوكاً يمسّ جوهر التحالفات والشراكات»، لأنه يهمّش فرنسا وبالتالي أوروبا والأهمية التي توليانها لمنطقة المحيطين.

في الأساس لم تخض واشنطن نقاشاً معمّقاً مع الحلفاء الأوروبيين، إذ تعرف مسبقاً أنهم غير متحمّسين لمواجهة الصين في «حرب باردة» جديدة، ويريدون أن تكون لهم كلمة مسبقة في التفاهمات المحتملة بين أميركا وروسيا، ثم أنهم لم يحلّوا بعد مشكلة مساهماتهم في «الناتو». يضاف إلى ذلك أن خروج بريطانيا من أوروبا أوجد منافسات مستجدّة تحاول فرنسا (مع ألمانيا) حسمها لمصلحة الاتحاد الأوروبي. كما أن التداعيات السلبية للانسحاب من أفغانستان استثارت الحلفاء وضاعفت مآخذهم على الحليف الأكبر، لكن من الواضح أن بريطانيا تجاوزتها لتعتمد أولوية أميركا للمواجهة مع الصين. ورغم أن خيار الاستقلالية الدفاعية مرشّح لأن يشق طريقه بوتيرة أسرع إلا أنه يتطلّب وقتاً كي يتحقّق، وفي الأثناء تمنح واشنطن الأفضليات للتحالفات التي تختارها ولو أدت إلى «أضرار جانبية» مع بعض الحلفاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن صحيفة الاتحاد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى