أميركا دونالد ترامب
أسامة أبو ارشيد

اندلاع أعمال عنف وصدامات مسلحة في الشوارع الأميركية على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية المفروض إجراؤها مطلع الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني) لم يعد هواجس، بل هو احتمال قائم، وقائم بقوة، والرئيس نفسه لا يتردّد بالتلويح بها. وضع دونالد ترامب أميركا أمام خيارين: إما أن تنتخبوني لفترة رئاسية ثانية، أو الفوضى. ذلك أنه يفترض أن خسارته أمام المرشح الديمقراطي، جو بايدن، تعني أن الانتخابات قد زُوِّرَت وعُبثَ فيها من خلال التصويت عبر البريد. وعلى الرغم من أن كل الدراسات والمعطيات، بما فيها الجمهورية، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن مسألة تزوير صناديق الاقتراع أمر مستبعد جداً، إذ تراوح النسبة في كل انتخابات ما بين: 0.0003 و0.0025، إلا أن هذا لا يعني لترامب شيئاً. تقوم استراتيجيته على إحاطة تصويت عشرات الملايين عبر البريد هذا العام، جرّاء تداعيات جائحة كورونا، بِسُحُبٍ من التشكيك ابتداءً، بحيث يكون في وضعٍ يؤهله، والجمهوريين الذين ينساقون وراءه كقطيع من الغنم، للطعن في نزاهتها. اليوم، تضجّ الولايات المتحدة بدراساتٍ استشرافيةٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ لسيناريوهات الانتخابات، التي يحذّر بعضها من أن ترامب قد يبقى رئيساً حتى في حال خسارته الانتخابات، عبر انقلاب جمهوري أبيض، يتلفع بدستور وقوانين فيدرالية وإجراءات تنظيمية ملأى، جميعها، بالثقوب والعيوب.

في المناظرة الرئاسية التي جمعته بمنافسه الديمقراطي، جو بايدن، يوم الثلاثاء الماضي، رفض ترامب أن يدين جماعات البيض العنصرية التي تتبنّى نظريات التفوّق العرقي وتعادي الأقليات. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما تحدّاه بايدن بأن يدين إحداها، فما كان منه إلا أن فاجأ الجميع بأن طلب منها أن تكون على استعداد. “أيها الأولاد الفخورون، تراجعوا وانتظروا”! هكذا توجّه ترامب بخطابه إلى “الأولاد الفخورين”، وهي ترجمة حرفية لاسم المنظمة باللغة الإنكليزية: Proud Boys. وتعرف هذه المنظمة بمعاداتها الأقليات والمهاجرين، وتبنّيها الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية، وهي قد تحالفت غير مرة مع منظماتٍ محسوبةٍ على النازيين الجدد، ودين عدد من عناصرها في السنوات الأخيرة في أعمال عنف. وقد فُسِّرَ توجيه ترامب إلى المنظمة دعوة مبطّنة لها إلى أن تعطي فرصة للانتخابات لأن تجري بهدوء (تراجعوا)، ولكن في حال خسارته عليهم فعل ما يهدّدون به، هم وغيرهم من المليشيات البيضاء العنصرية المسلحة، أي إطلاق موجةٍ من العنف “انتظروا”. مباشرة بعد رسالة ترامب تلك، احتفلت المنظمة على مواقعها بذلك، وجعلت منها شعاراً، وقالت إنها تلقت عشرات الطلبات للعضوية. تعليقاً على ذلك غرّد بايدن: “هذه أميركا دونالد ترامب”.

قبل أسبوع، حذر الصحافي الأميركي، توماس فريدمان، من أن الولايات المتحدة قد تكون في طريقها نحو حربٍ أهلية، بعد أن رفض ترامب أن يتعهّد بانتقال سلمي للسلطة إذا خسر الانتخابات. وتعبيراً عن تشاؤمه من السيناريوهات التي يرجّحها جرّاء خنوع الحزب الجمهوري أمام ترامب وتواطئه معه، قال فريدمان إنه بدأ مسيرته الصحافية عندما غطى “الحرب الأهلية الثانية في تاريخ لبنان”، وأنه يخشى اليوم أن ينهيها مغطّياً “الحرب الأهلية الثانية المحتملة في تاريخ أميركا”. وبعد المناظرة الرئاسية، كرّر فريدمان تحذيره: “لا أستطيع أن أقول هذا بوضوح أكثر: ديمقراطيتنا في خطر رهيب، أكبر مما كان عليه الحال منذ الحرب الأهلية، وأكبر مما كان عليه الحال بعد (هجوم) بيرل هاربر، وأكبر مما كان عليه الحال خلال أزمة الصواريخ الكوبية، وأكبر مما كان عليه الحال خلال (فضيحة) ووترغيت”.

الأمر نفسه تحذّر منه الأجهزة الأمنية الأميركية، التي ترى أن عنف العنصريين البيض “تهديد مستمر ويزداد انتشاراً”. وكان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، كريستوفر راي، قد قال قبل أسبوعين، في جلسة استماع أمام لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب، إن قضايا التطرّف العنيف تستحوذ على الجزء الأكبر من عمل المكتب بشأن التهديدات الإرهابية المحلية. وحسب راي، فإن مصدر معظم تلك التهديدات جماعات البيض العنصريين، التي بلغت ألف قضية “إرهاب محلي” العام الماضي، وهي أعلى هذا العام، كما قال. طبعاً، لم تعجب تلك الشهادة ترامب، خصوصاً أن راي خالفه في تحميل منظمة “أنتيفا” ANTIFA اليسارية مسؤولية العنف في الشوارع الأميركية، التي يصفها ترامب بأنها “إرهابية”، فيما اعتبرها مدير “أف بي آي” “إيديولوجيا” وليست “منظمة”.

باختصار، تقف الولايات المتحدة اليوم على مفترق طرق، وقد تكون على موعد مع انفجار أعمال عنف واسعة في حال رفض ترامب الاعتراف بنتيجة الانتخابات إن خسرها، سواء أبقي رئيساً عبر حيل دستورية وقانونية، أم فُرضَت النتيجة عليه. صحيحٌ أن ذلك ليس قدراً، ولكنه ليس مستحيلاً أيضاً. وبغضّ النظر عن النتيجة، وكيفية تطوّر الأحداث على الأرض، فإنه من دون إصلاحات دستورية وقانونية عميقة، ستبقى أميركا معرّضة لمثل هذه الهزّات الكبرى، بما يحمله ذلك من تداعياتٍ خطيرةٍ على العالم. هل يُجدي التفاؤل هنا في ما يتعلق بإجراء تلك الإصلاحات؟ أشك في ذلك. الحزب الجمهوري على الأغلب لن يقبل بها ضمن المعطيات الراهنة، حتى وإن تخلى عن ترامب في معركة الرئاسة، في حال خسارته. بقاء الجمهوريين قوة سياسية مركزية في نظامٍ يقوم على حزبين، يعتمد إلى حد كبير على استمرار النظامين، الدستوري والقانوني، ضمن إطاريهما المهترئين الحاليين، وهما بالمناسبة بعيدان كل البعد، في مجالات كثيرة، وتحديداً في السياق الانتخابي، عن الديمقراطية، اللهم إلا في الاسم وعملية التسويق، وبعض الجوانب الجوهرية الأخرى، وذلك من باب الموضوعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى