أميركا وإيران بين رقعة الشطرنج وحلبة الملاكمة
أسامة أبو ارشيد

ذا أخذنا بتصريحات وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الأربعاء الماضي، بعد الهجمات الصاروخية التي شنتها بلاده على قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق، رداً على اغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، في بغداد في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري، من أن “ردَّ طهران على اغتيال الجنرال سليماني انتهى”، ثمَّ التصريحات التالية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن إيران “تراجعت” عن التصعيد العسكري، فإننا نكون أمام لعبة شطرنج بين الطرفين، بالقدر نفسه الذي قد يجنحان فيه أحياناً إلى حلبة الملاكمة. عملياً، فإن خفض حدّة نبرة التصعيد بينهما قد يكون عَطَّلَ، أو على الأقل، أَجَّلَ، الانزلاق نحو مواجهةٍ عسكريةٍ شاملة ومباشرة، لا يريدها الطرفان لحساباتٍ مختلفة. وبهذا يكون كل طرفٍ منهما قد قدّم للآخر سلماً للنزول عن الشجرة التي صعدها، من دون أن يعني ذلك أن المعركة انتهت، أو أنها لن تأخذ أشكالاً مختلفة، غير مباشرة، وعلى جبهات كثيرة.
كان ظريف واضحاً في قوله إن إيران “لا تسعى إلى التصعيد أو الحرب”، وإنْ شدّد على أنها “ستدافع عن نفسها ضد أي عدوان”. والدليل على ذلك أن الاثني عشر صاروخاً باليستياً التي أطلقتها إيران على قاعدتين عسكريتين عراقيتين تضمان جنوداً أميركيين، عين الأسد غربي العراق، وأربيل في الشمال، لم تسفرا عن قتلى ولا جرحى أميركيين. اللافت هنا أن عدم وقوع خسائر في الأرواح بين الأميركيين، مع وقوع أضرار مادية محدودة، يبدو أنه جاء نتيجة تصميم وحسابات إيرانية دقيقة، لا نتيجة خلل تقني أو رداءة في القدرات الصاروخية الإيرانية. وتؤكد مصادر أميركية وعراقية أن طهران أطلعت رئيس الوزراء العراقي المستقيل، عادل عبد المهدي، قبل ساعتين من الهجمات الصاروخية، بموعدها وأهدافها، وذلك لسحب القوات العراقية منها. وطبعاً، تعلم إيران أن عبد المهدي أو حكومته أو القيادة العسكرية العراقية سيوصلون المعلومات إلى الأميركيين. وهذا ما كان.
وتشير معلومات أخرى إلى أن الإيرانيين فتحوا قنوات اتصال خلفية مع الأميركيين، عبر ثلاث  دول، منها سويسرا التي تمثل المصالح الأميركية في طهران، لإيصال رسالة مفادها بأن إيران لا تنوي المضي أكثر مما قامت به في ردّها المباشر. أبعد من ذلك، صرّح نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، بأن الولايات المتحدة تلقت معلوماتٍ أن إيران طلبت من مليشيات حليفة لها ألا تهاجم أهدافاً أميركية، وذلك بعد أن شدّدت واشنطن على أنها لا تقبل بالذريعة الإيرانية القائلة إنها لا تملك سيطرة مطلقة على وكلائها وأذرعها في المنطقة، وبالتالي ستعتبر طهران مسؤولة عن أي هجماتٍ تشنّ على أهداف ومواطنين ومصالح أميركية.
فسحت كل المعطيات السابقة المجال أمام ترامب أيضا لخفض التصعيد أميركياً، إذ إنه كان قد هدّد برد ساحق على أي هجمات إيرانية، مكتفياً بتشديد العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني. إذن، هي لعبة تصعيد محسوبة بعناية على رقعة شطرنج، أين يمكن للنظام الإيراني أن يظهر أمام شعبه بأنه انتقم من الأميركيين، في حين لا يستفزّ واشنطن لرد انتقامي أكبر، وبهذا يكون الطرفان قد تبادلا السلّم للنزول عن شجرة التصعيد التي وجدا نفسيهما فوقها.
وبعيداً عن نظريات المؤامرة القائلة بوجود تواطؤ أميركي – إيراني كان ثمنه سليماني من أجل تقوية إيران وتعزيز نفوذها في المنطقة (!)، فإن الحقيقة أن كلاً من واشنطن وطهران لا يريدان مواجهةً عسكريةً ستتطلب من الولايات المتحدة حشداَ عسكرياً ضخماً في المنطقة، بما يعنيه ذلك من جرّها إلى معركة استنزاف، استراتيجية واقتصادية، كبرى جديدة وتشتيت انتباهها عن التهديد الحقيقي القادم من شرق آسيا، المتمثل بصعود الصين. في المقابل، تدرك طهران أنها وإن كانت قادرة على إلحاق أذىً بالغ بالقوات والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، بما فيها بوارجها الحربية، إلا أن هذا سيضطر الأخيرة إلى رد ساحق، فالقوة الأميركية تبقى متفوقةً، وذات قدرة تدميرية هائلة، لا قبل بإيران بها. المفارقة هنا أن الرد الإيراني، على الرغم من محدوديته مثّل خدشاً لكبرياء الولايات المتحدة، إلا أنه لم ينتصر لكبرياء إيران التي خسرت واحداً من أقوى رموز نظامها، وعنوان سطوتها في المنطقة، من دون رد ناجع منها.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن إيران، كرهناها أم أحببناها، بنت قوة ردع، وصنعت أذرعاً في  المنطقة والعالم، تجعل من أي معركةٍ معها مكلفة جداً، حتى لو انتهى الأمر بسحقها في حربٍ شاملة. قوة الردع هذه هي بوليصة التأمين التي تملكها إيران وتبدع في لعب أوراقها. ولو كان صانع القرار الإيراني يُقاد بنظريات الشعوذة السياسية لكانت بلاده اليوم في حربٍ لا تبقي ولا تذر مع الولايات المتحدة. ومن أسفٍ أنه في حين كانت إيران تبني قوتها، كان العرب يمزّقون ما بقي لديهم منها.
كلمة أخيرة، النقطة التي تقف فيها الولايات المتحدة وإيران اليوم لن تكون الأخيرة، ففي الغالب أن مسلسل الرد الإيراني على تصفية سليماني سيستمر في الأسابيع والأشهر المقبلة، ولكن بشكل غير مباشر، وغالبا عبر وكلاء، خصوصاً مع تشديد واشنطن الحصار الخانق عليها. إنها مزيجٌ من رقعة الشطرنج وحلبة الملاكمة، أين يملك كل طرفٍ أدوات قوة وردع متبادل، على الرغم من القوة الساحقة الأميركية. وليس بالضرورة أن تكون المواجهة العسكرية هنا المخرج الأساس لهذه المعادلة، إذ قد يتحوّل اغتيال سليماني إلى عملية تحريكية لعجلة المفاوضات السياسية، وهذا ليس مستحيلا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى