“أم هارون” والخلط بين “الدراما” والحقائق التاريخية
حمزة عليان

كان من السهل أن يلحظ المراقب المحايد، فداحة الخلط والخطيئة في الحديث عن مسلسل “#أم_هارون” بين ما هو “درامي” وبين ماهو واقعي.

تعمد كاتبا النص، الشقيقان محمد وعلي شمس من البحرين، أن يضفيا على العمل التلفزيوني الكثير من البهارات والملح لدرجة لامست تلطيخ الإنتاج وتشويهه، وهذا مبرر من وجهة نظرهم، لكسب أكبر عدد من المشاهدين، لزوم الحبكة والإثارة…

لن نتحدث عن المبالغات في الحلقات الخمس في المسلسل، فهذا من مستلزمات التشويق كما أسلفنا!

فأم هارون اسم وهمي، والوقائع لا تجري في بلد خليجي معين وهذا قد يكون إمعاناً في الغموض، في حين أن رسم الصور المغايرة للواقع تكاد أن تقلب المشهد إلى المكان الغلط.

مواضيع ذات صلة

من “يقلق” حرمة الموت في مقبرة اليهود؟
يطول الكلام على الفارق الكبير بين الواقع المعاش وبين ما نشاهده على شاشة التلفزيون، وهذا نتركه لأصحاب الاختصاص والنقاد الفنيين.

إنّ من صبّوا جام غضبهم على المسلسل وألبسوه ثوب “التطبيع” خدموا المنتج والمحطة من حيث لا يدرون، فكلما زادت التعليقات ارتفع عدد المشاهدات… وهو مكسب يسعون إليه جاءهم على طبق من ذهب!

بالطبع من غير المناسب، الحجر على آراء الناس لكن موضوع التطبيع يبقى مضمونه سياسياً وبإمتياز، أما عملية الإسقاط التي حُمّلت للمسلسل واعتباره إحدى وسائل الترويج للتطبيع، فباعتقادي أن الميزان الذي استخدمه البعض لم يجانبه الصواب.

ربما كانت الظروف السياسية السيئة التي وصل إليها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي وما آلت إليه صفقة القرن وحالة الإحباط والضعف والإنهاك الذي تعيشه دول المنطقة أوصل الرأي العام إلى تلبيس الغضب ورميه بوجه “أم هارون”.

من هنا جاءت ردات الفعل انعكاساً لهذا الإنكسار العربي والفلسطيني على حد سواء، وبمجرد أن يشار إلى إحدى الدول المشاركة بالإنتاج أو بالتصوير أو بالبث حتى تتم عملية الربط بين ما تقوم به هذه الدولة أو تلك وبين المسلسل.

الخطيئة أننا شعوب باتت تكره المكاشفة، وتبتعد عن العودة للأصول وتنأى بنفسها عن قراءة مستنيرة وفاحصة لتاريخ هذه المجتمعات… فتناول حقبة من حقبات “التعايش” بين العرب والخليجيين مع اليهود ليس فيه ما يعيب أو يشكل “نكسة” حتى تتفادى الاقتراب منه وتقديمه للمشاهد العربي عبر شاشات التلفزيون أو السينما.

والفصل بين اليهود، كأصحاب ديانة سماوية، وكأقلية من ضمن الأقليات التي عاشت وإستقرت في حواضر ومدن العالم العربي، وبين الصهيونية ومشروعها السياسي مسألة تمنحنا المشروعية بالحديث عن هذا التعايش ونقله وتوثيقة كما هو بل وإخراجه من حيز المحرمات كي يتم التعبير عنه من خلال العمل الروائي أو كتابة التاريخ أو علم الاجتماع…

لقد كنت أحد الباحثين بتاريخ الجالية اليهودية في الكويت، ولي قراءات عن يهود المنطقة العربية وعلاقات مع يهود بحرينيين كتبوا عن تاريخهم الإجتماعي والسياسي كما تناول هذه الأقليات العديد من المؤرخين والباحثين العرب، في العراق ومصر والمغرب وتونس واليمن وغيرهما من البلدان العربية.

وكتابنا “اليهود في الكويت وقائع وأحداث” والصادر عام 2013 وبالاشتراك مع الزميل عاصم البعيني، يوثق لهذه التجربة والتي تعود بدايتها إلى العام 1890 عندما كان عددهم نحو 50 يهودياً وقدومهم إلى الكويت في عهد الحاكم الثاني الشيخ عبدالله الصباح، وهناك من أرجع تاريخ وجودهم بعام 1776 كالباحث يعقوب الإبراهيم أي عندما احتل خان صادق مدينة البصرة وارتحل قسم منهم إلى الكويت، ومنذ العام 1903 أخذت الوثائق والتقارير الأميركية والبريطانية تذكرهم بصورة مستمرة.

عددهم تراوح بين الـ100 و200 عائلة أتوا من البصرة وبغداد وإيران والهند لأسباب اقتصادية، ووجدوا فيها نوعاً من الإستقرار لممارسة تجارتهم وأعمالهم وتجمعوا في منطقة واحدة لهم وفي حي سمي باسمهم “حي اليهود” وسط العاصمة، ومن أبرز العائلات اليهودية، التاجر صالح ساسون محلب وهو من أصل إيراني، ومنشي الياهو وعمل في الصرافة والتجارة، ويعقوب بن عزرا والد كل من الشقيقين صالح وداود اللذين ذاع صيتهما بالغناء والموسيقى وعاشا فترة من العمر في الكويت قبل أن يغادرا إلى البصرة ثم بغداد وعائلة يحيى الأفغاني (تاجر جلود) كوهيل، حزقيل، شاؤول وغيرهم.

كان لديهم معاملات تجارية خاصة في تجارة الأقمشة وأدخلوا نشاطات وأعمال تجارية لم تكن معهودة من قبل، كما هي الحال مع مصنع الثلج في العام 1912، اكتسب سوقهم شهرة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً.

كان الكويتي ينظر لليهود على انهم أصحاب دين سماوي ولم ينظر إليهم كصهاينة، إلا في مرحلة متأخرة من الثلاثينيات، ولذلك عاشوا بطمأنينة وأمان.

كان لهم مقبرة، وكنيس اتخذوها مقراً يمارسون فيها شعائرهم الدينية وهي عبارة عن بيت مستأجر توقف منذ الأربعينات، بعدما بدأت موجات من الهجرة بالمغادرة، بالتزامن مع مشروع التقسيم 1947 ومن ثم إعلان “دولة إسرائيل” عام 1948. تلك لمحة موجزة عن قصة اليهود في الكويت ونكتفي بهذا القدر نظراً لضيق المساحة.

*إعلامي لبناني يعمل في الصحافة الكويتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق