“أنا وحدي”.. من دونالد ترامب إلى قيس سعيّد
حسن منيمنة

ظاهرة “القائد المنقذ” ليست جديدة. هي بارزة في أكثر من مكان، وعلى مدى التاريخ الإنساني. وهي متحقّقة سواء بنى من يريد أن يتبوأ المنصب زعمه على الانتصارات الفعلية، كما كان حال مصطفى كمال في تركيا، الذي جعل من نفسه “أباً” للأتراك (أتاتورك)، انطلاقاً من أداء مشهود في ساحات المعركة، أو على المواقف الرمزية والخطابية، كما فعل جمال عبد الناصر حين أمّم القناة، وإن كان الأمر مقدمة للقمع والنكسات والهزائم التي يذكرها المصريون في الداخل ويبخّسها “الناصريون” في الخارج.

في غالب الحالات التي تستحق الذكر، البداية تكون بقدر من التغلب والقوة، بما يشكل نواة للزعم الذي يتضخم مع الإمساك الأفضل بزمام الأمور.

على أن بعض ما يشهده العالم اليوم يختلف عن هذا المثال. فلا دونالد ترامب في الولايات المتحدة ولا قيس سعيّد في تونس باشر مسيرته السياسية بفعل قوة قاهرة فرضته كأمر واقع جرى تجميله بعد التغلّب بنشر أساليب الترغيب والترهيب. بل كلاهما دخل المعترك السياسي وفق الأصول، وفاز وفق الأصول. وبعد أن استقر له الفوز، ضرب بالأصول عرض الحائط، وانقلب على الأسس التي جعلت منه رئيساً.

الانقلاب الذي أقدم عليه ترامب لم ينطلق في السادس من كانون الثاني بتشجيعه الصريح لمناصريه لاعتراض الإجراء الدستوري الهادف إلى إقرار فوز خصمه جو بايدن. بل كان منطلقه، فور تبوئه الرئاسة عام 2017، واستباحته لامتيازات منصبه. ترامب تدرّج بالتجاوزات، وسط تأييد له من جمهوره المتشفي بخصومه المعترضين، نوعاً ما، وصمت محازبيه من السياسيين، خشية إضراره بحظوظهم الانتخابية.. ربما.

ترامب كذب دون حرج، طمس ما لا يروق له، وضخّم ما يتلاءم مع مراده، وزاد من بنات أفكاره ما طاب له. قوة الرجل لم تكن في جبروته، بل لا يُشهد له على مدى تاريخه تحلّيه بما يقتضيه البطش من الجرأة. قوته كانت بأنه كلما توسّع في إنكار الأعراف والقوانين والأخلاق، كلما بدى خصومه أكثر عجزاً عن إيجاد السبيل لمواجهته. كان على جمهور الناخبين، بأكثرية واضحة عددياً، ولكن غير قاطعة معنوياً، أن تطرده من البيت الأبيض في تشرين الثاني من العام الماضي.

وهو لا يزال إلى اليوم يشقّ طريق العودة إلى الحكم باللجوء إلى أسلوب قائم أولاً على تكرار الأباطيل لترشح إلى من يقتنع بها فيثور له ومعه، وثانياً على فرض الأمر الواقع، وإن بالشكل الفجّ الوقح، فالعبرة وحسب هي في ردع من بوسعهم الاعتراض على ما يرغب بالإقدام عليه.

كاد هذا الأسلوب أن ينجح في الانتخابات الماضية وفي المرحلة التي تلتها. ما أفشله هو وجود عدد من المسؤولين، جلّهم من ذوي المواقع المتدنية، الذين لم يرضخوا لمسعى ترامب بأن يطوّعوا الحقائق لإرضائه. فما يعمل عليه ترامب ومن معه هو تسريح هؤلاء من مواقعهم واستبدالهم بالموالين لمسعاه في الهيمنة على الانتخابات النصفية العام المقبل، وصولاً إلى رئاسة ثانية بعدها بعامين. أي أن الولايات المتحدة على أبواب أزمة سياسية متعاظمة، ومأزق دستوري ربما، وكذلك ما يتعداه.

الرئيس التونسي قيس سعيّد أقدم بدوره على انقلاب صريح، جديد بسماته، وإن ساء هذا التوصيف لمن يرى في السقوط المفترض لحزب حركة النهضة والإخوان المسلمين والإسلام السياسي ما يبرر الاحتفاء بخطوات سعيّد وتنزيهها عن حقيقتها الانقلابية.

ابتدأ سعيّد بتطبيق مادة دستورية مجتزأة، بفهم لا يتناسب مع نصها، وبإجراءات لا تتوافق مع الفهم المزعوم. الاعتراضات على خطوته جاءت شكلية وخافتة، ففتحت المجال أما قيس سعيّد للمزيد، بعد انقضاء المهلة التي نصتّ عليها المادة المنتهكة، وكأنه كان لهذه المهلة أي احتمال أن يتحقق الالتزام بها.

اليوم، يقدم قيس سعيّد، استاذ القانون الدستوري، خلافاً لأي سوابق دستورية، على تعليق ما لا يطيب من مواد في نص الدستور، وإعادة هيكلة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية ليصبح هو مركزها ومرجعيتها.

لا حاجة لدرجة الأستاذية في القانون الدستوري للإدراك أنه يمكن بالفعل تجاوز المقتضى الملزِم للدستور وفق أحد سبيلين، أما اعتماداً على ما يلحظه الدستور نفسه من إجراءات لتعديله، وعندها يكون الفعل دستورياً، أو من خلال إهمال النص والبناء على اعتبارات خارجه، وهنا يكون الفعل انقلابياً. كيفما قِيس الأمر، قَيس سعيّد اختار السبيل الانقلابي، ولا يشفع له أي فوز دستوري سابق.

الانقلاب فعل سيادي دون شك، أي أن شرعيته قائمة بذاتها ونابعة من الانقلاب نفسه. أي أن قيس سعيّد فقد دستورية رئاسته، ولكنه لم يفقد الرئاسة نفسها. هو الرئيس حكماً بما أنه في موقع السلطة وليس من يزاحمه على اللقب. ولكن قيس سعيّد لم يعد الرئيس الدستوري للجمهورية التونسية، بل الرئيس الانقلابي المتجاوز للدستور، واللحظة السيادية ليست الانتخابات التي أوصلته إلى الرئاسة، بل إعلانه في تموز الماضي سلطته القائمة على مرجعية قراره.

في حالة قيس سعيّد كما في حالة ترامب، المعادلة المعتمدة هي المباشرة بتصوير الواقع بالتهويل وتضخيم المخاطر، تمهيداً لطرح نفسه على أنه الحل. “أنا وحدي” القادر على إنقاذ هذا الوطن من الفساد والانهيار، “أنا وحدي” الصادق والآخرون فاسدون مفسدون كاذبون متآمرون، “أنا وحدي” في مواجهة قوى الشر المتكالبة، “أنا وحدي” من يعلم ما العمل.

وفي حالة قيس سعيّد كما في حالة ترامب، التفويض الشعبي تحصيل حاصل، بغضّ النظر عن أي قيود. ترامب فاز عام 2016 وفق نظام المجمع الانتخابي، دون الحصول على أكثرية أصوات الناخبين. ربما يقتضي المنطق في تلك الحالة أن يتسم الفائز بقدر من التواضع، وأن يدعو إلى الوحدة الوطنية وأن يعد من لم يختاروه بأنه سوف يبذل الجهود لنيل ثقتهم. حاشا ترامب أن يفعل ذلك. بل ما أقدم عليه هو التبجح بالفوز والادعاء بأن عدم الحصول على الأكثرية العددية هو نتيجة للتزوير، وثمة قوى خفية تعمد على الإضرار بسمعته وعهدته.

قيس سعيّد فاز بنسبة مرتفعة من أصوات الناخبين في الدورة الثانية عام 2019، بعد حصوله على تأييد واسع النطاق من الأحزاب التي يسعى اليوم إلى تحجيمها وتهميشها. بعض التأييد له كان لما ظهر منه من الفصاحة والرصانة، وهو الوجه السياسي الجديد. وبعضه الآخر كان رفضاً لخصمه. غير أن سعيّد أعاد تدوير النسبة المرتفعة لتصبح مصدر احتجاج على حدود صلاحيات الرئاسة، قبل أن تمسي تفويضاً مطلقاً في خطواته الانقلابية. وهو أيضاً أشار إلى قوى خفية مستعدة أن تدفع المبالغ الطائلة للقضاء عليه. لا غرابة بأنه لم يكشف عنها بالأسماء.

ليس ما يفيد، في سيرة كل من الرئيسين دونالد ترامب وقيس سعيّد، أنه لدى أي منهما ما يمكن الاطمئنان إليه لإنجاز وعود الإنقاذ. لترامب قدرة مشهودة على إعادة صياغة الوقائع، لاستبعاد ما أخفق به، ولتجيير ما تحقق لنفسه وتعظيمه بغضّ النظر إلى من يعود الفضل في حدوثه.

ولكن، حين ألمّت الكارثة الحقيقية، أي الجائحة، فإن الرجل بدا عاجزاً عن إدراك المسألة من أساسها، وتدحرج إلى اعتبارها تجنياً على شخصه الكريم، فأساء إدارتها وتسبب بمقتل مئات الآلاف زيادة عمّا كان ليقع لو جرت مواجهة الأزمة الصحية بالسياسات الناجعة.

إلامَ يطمئن من يؤيد قيس سعّيد في زعمه أنه بصدد انتشال تونس من براثن الفساد والجريمة المنظمة؟ ليس في سجّله ما يشير إلى خبرة أو معرفة في هذه المسائل، وليس في أدائه القريب ما يفيد بأنه مستعد للتعاون مع أحد في صياغة الرؤى والقرارات.

التونسيون تعبوا من سوء الأداء في السياسة والاقتصاد، ومن  حقّهم طبعاً البحث عن البدائل. ربما أن فائض الأمل برئيس بدا وكأنه من طينة مختلفة عن جبلة السياسيين هو الذي يدفع بالعديد منهم إلى السكوت عن مغامرة قيس سعيّد في الخروج عن الدستور.

ثمة فساد في تونس بالتأكيد، وثمة مستفيدون مما كان ومما هو قائم ومما سوف يأتي. على أنه أيضاً، في تونس اليوم من السياسيين من أمضى العقود في النضال السياسي، والسنوات في السجون، والعمر بأكمله بالتفكر والاعتبار والسعي إلى إيجاد المخارج لبلاده من أزماتها. وفيها اليوم من السياسيين الشباب الذين يريدون الارتقاء ببلادهم على أساس ثورة استبدلت حكم الفرد بحكم الدستور.

من المفارقات البائسة أن تكون نهاية التجربة التونسية الدستورية الحقيقية، وهي التي تلت الثورة على مدى العشرية التي يطعن بها من يؤيّد قيس سعيّد، وجاءت لتطوي صفحة الحكم الأبوي ثم الاستبدادي والتي خطّت باسم “الدستورية”، على يد أستاذ قانون ودستور لا يبدو بأفعاله عابئاً بمقتضيات المادة التي درّسها. عسى ألا يحدث، وعسى ألا تكون نتائج العبث باقتصاد تونس المأزوم على يد قيس سعيّد محاكية لما اقترفه دونالد ترامب في جائحة الولايات المتحدة.

النظام التمثيلي الصادق هو القائم على إدراك حقيقة أن كل إنسان، مهما صفت نواياه وكبرت عزيمته، يبقى بعيداً كل البعد عن الكمال. فتوزيع السلطات والصلاحيات هي لضبط الأخطاء والتجاوزات. هذه هي النظم القادرة على النجاح، أما نظام “أنا وحدي” فمحكوم بالفشل، للفرد والجماعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى