أنظمة استبداد ووهم تتقاسم العرب
بكر أبوبكر

لم يسبق للمنطقة العربية أن تم تقاسمها بهذا الشكل المفزع بين القوى الاقليمية والعالمية! وليس بمنطق التنافس، حيث لكل “حاكورته” المغلقة، وإنما بمنطق وسياسة الاتفاق على التقاسم الجغرافي، وتقاسم المغانم الاقتصادية، وتقاسم ترويع الآمنين، وتقاسم الأفهام والعقول، وأحيانا في ذات البلد الواحد بمعنى أن القوى الاقليمية الرئيسة المتحكمة بالدائرة العربية، وهي تركيا وإيران والكيان الإسرائيلي تتقاسم العدوان على الأرض العربية، وتستبيح كل ما فيها رغم اختلاف الثلاثة معا -ثنائيا وبشكل مشترك- حسب ما ترفعه من شعارات!

إن المعادلة المركّبة من تنازع المصالح السياسية بالهيمنة ومد النموذ الامبراطوري الذي يحلم فيه الثلاثة يلتقي مباشرة على أرض سوريا العربية، التي تعاني من المطامع الإسرائيلية، خاصة والاعتراف الامريكي بضم الجولان السوري، فتضرب متى ما تشاء وكيفما تشاء في سوريا وسط صمت أو موافقة ضمنية من المتقاتلين على جثة سوريا -أي إيران وتركيا إقليميا، وأمريكا وروسيا عالميا- بحيث أن كل من الثلاثة الإقليميين قد حدد دوره ومنطقة نفوذه الامني الاقتصادي، أو طريقة مد نفوذه، فأصبح الأعداء النظريين أصدقاء حقيقيين في الميدان، وكل ذلك على حساب  جسد الأرض العربية السورية، وعلى جسد الشعب السوري الأبي.

هدف تدمير الجيوش العربية هو هدف صهيوني أثير تعمق مع النكبة عام 1948 ، وما كان حلمًا لدى آباء الصهيونية تحقق في عهد أبنائهم بتدمير الجيشين السوري والعراقي، وبإشغال مصر وجيشها بالإخطار الاقليمية العميقة من اتجاهاتها الأربعة.

فكرة التمدد الامبراطوري لدى عصبة في النظام الايراني كانت قد بدأت مباشرة بعد انتصار الثورة الايرانية عام 1979 بالحرب العراقية الايرانية، وصولا للجهر بصراحة الاستيلاء على أربع عواصم عربية تحاصر فيها الأمة وتدمر أي محاولة لليقظة العربية، أو التضامن الاسلامي الذي من المفترض أن تكون إيران قلبه.

ولا زال العديدون يذكرون المحاولات التي تمت في بداية نجاح ثورة الخميني لأن يمد يده للعرب بإعادة الجزر الاماراتية المحتلة لدولة الامارات، فما كان من النظام الجديد الا الرفض، وما كان منه الا أن يستحضر للقاء أبوجهاد الوزير من أسماهم ممثلين عن قوى التحرر في الخليج العربي أولئك الذين رفض أبوجهاد الاجتماع بهم، ما كان بداية فكرة تصدير الثورة التي تعاني منها المنطقة حتى اليوم.

إن فكرة المظلومية والدفاع عن المحرومين التي يتخللها شعارات اسلامية عامة منها القدس هي ذات الفكرة الاستبدادية التوسعية التي كان يطرحها النظام السوري فيما أسماه القومية الجامعة عبر التوازن الاستراتيجي الذي يعني سحق الإرادة الفلسطينية تحت دبابات النظام الاستبدادي الذي مازال يحكم سوريا بالسيف والغاز والرصاصة حتى اليوم، وهو ذات المنهج الاستبدادي الذي تناور فيه تركيا بدعمها لفلسطين ضمن شعارات لم يؤثر فيها مطلقا تنامي حجم التبادل التجاري الاقتصادي، بل والأمني مع الكيان الإسرائيلي.

معادلة مركبة من المطامع الامبراطورية للدول الثلاث الاقليمية المهيمنة على الأمة العربية، ناهيك عن مفاعيل تدمير اللغة العربية في الشرق والغرب، ما يعني العمل الحثيث لافقاد الأمة هويتها المميزة لحضارتها التي دمجت في إطارها عبرالتاريخ كل المكونات العرقية واللغوية والإثنية.

أن أستاذية العالم كما هو فكر حسن البنا و”الاخوان المسلمين” ارتبطت بالسلطنة العثمانية وارتبطت بفكرة الحرب على التسلط الغربي على فكر الأمة في بدايات القرن العشرين، وإن صحت الفكرة الجامعة هذه آنذاك، وبمنطق العداء للغرب الاستعماري، ولمكونات في الأمة ذاتها، فإنها اليوم تحتاج لكثير تنوير وتطوير وتثوير أو تغيير كلي.

ما نرى أن عكسه يحصل في التيار الغالب في التنظيم العالمي الذي ينخدع كما ينخدع معظم أركان الأمة بالأحلام الامبراطورية العثمانية لأردوغان، كما ينخدع العروبيون الشيعة خاصة بالعراق بالأحلام الامبراطورية للإيرانييين على مظنة أنهم من مشكاة واحدة وماكان لذلك أن يكون.

أن  النظام أو الزعيم الذي يرى أن حضارته أعرق وأقدم وأولى بالسيادة، بمفاهيم عنصرية استبدادية إقصائية، ويعمل جاهدا على تمييز نفسه الى حد التأليه، وينظر للعرب شزرا لا يمكن أن يكون قائدا للمنطقة.

 

والنظام الذي يبيع الأمة مجموعة من الأحلام والأوهام، ويتساوق على الأرض مع الأهداف الصهيونية بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر هو النظام المنحرف والاستبدادي الذي لطالما حذرت منه القوى الوطنية والقومية والثورية العربية، والإقليمية التي لا ترى الا باجتماع الأمة مدخلا للتخلص من علو الصوت مقابل خفوت  الحركة، وترى كثير حراك تقارب مع العدو مع كثير شعارات مضادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق