أهمية إدراك المدلول اللغوي لكلمات القرآن
د. توفيق حميد

التأمل في مدلول الكلمات المستخدمة في القرآن هو أمر في غاية الأهمية فعلى سبيل المثال حين نقرأ كلمة مسلم أو إسلام أو مسلمين يأتي على أذهاننا فورا الشخص الذي ينفذ الأركان الخمسة للديانة الإسلامية: “شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ـ إقامة الصلاة ـ وإيتاء الزكاة ـ صيام رمضان ـ حج البيت لمن استطاع إليه سبيل”؛ في حين أننا لو تأملنا في قول الرسول “بُني الإسلام على خمس” ندرك أن الإسلام قد بُني عليها أي أنه شيء مختلف عنها وذلك يجعلنا نتساءل ما هو الإسلام إذا؟ فقد سرد لنا القرآن قصص أنبياء كثر وصفهم بأنهم مسلمون في حين أن ذلك كان قبل نزول القرآن وقبل بعثة الرسول، وذلك يؤكد أيضا أن مدلول كلمة إسلام ليس هو الأركان الخمسة فقط كما يظن البعض.

والمفهوم اللغوي لكلمة “إسلام” هو الإذعان والخضوع لله وذلك قد يكون من خلال القرآن أو الإنجيل أو التوراة أو صحف إبراهيم، والإذعان لله يكون من خلال إتباع طريق السلام ـ كما تفيد الكلمة فكما يقال صلح ـ مصلح ـ إصلاح ـ مصلحون يقال سلم ـ مسلم ـ إسلام ـ مسلمون. وكما أن المصلح هو الذي يصلح في الأرض، كذلك فإن المسلم الحقيقي هو من يصنع السلام في الأرض، وذلك يتفق مع قول الرسول عليه السلام “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

فمن قال عن نفسه إنه مسلم أو كتب ذلك في بطاقته الشخصية ولم يتعايش مع غيره من الناس في سلام فهو مثل إنسان اسمه كريم في شهادة الميلاد ولكنه ليس كريما في أخلاقه ومعاملاته.

ومن هذا المنظور أيضا فحين يقرأ الإنسان آية من آيات الكتاب العزيز فإنه قد يفهمها بصورة سطحية ربما تتسبب في إضلاله عن المعنى الحقيقي المقصود منها، في حين أنه لو تعمق في فهمها كما سنرى في المثل التالي فإنه قد يصل إلى غايتها والهدف منها ومفهومها الحقيقي الذي يتفق مع روح القرآن، فعلى سبيل المثال حين تقرأ الآية التالية:

{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}

فإن فهمها بصورة سطحية ودون تعمق قد يتسبب ارتكاب جريمة لا تغتفر إن نتج عن ذلك الفهم قتل إنسان بريء لمجرد أن له عقيدة أخرى قد تراها شركا، وعلى العكس من ذلك تماما فإن فهم الآية وتحليلها من خلال درجات الفهم القرآني التي سنذكرها قد ينتج عنه مفهوما يختلف بصورة مطلقة عن فهمك السطحي لها.

ولنرى هذا المثل التوضيحي لكيفية فهم هذه الآية الكريمة على خمس مستويات أو درجات:

الدرجة الأولى: من المقصود بكلمة “المشركين”؟

المقصود بها فقط مشركو مكة الذين أعلنوا القتال على المسلمين الأوائل في بدء
الدعوة.

الدرجة الثانية: ما الدليل على تخصيص المعنى في هؤلاء المشركين؟

هو استخدام القرآن لأداة التعريف “أل” قبل كلمة مشركين وذلك يحدد المعنى في طائفة بعينها فلو أراد القرآن تعميم المعنى لاستخدم تعبير “من كفر” بدلا من تعبير “الذين كفروا”.

الدرجة الثالثة: لماذا غضب الله على مشركي مكة؟

لأنهم اضطهدوا المسلمين الأوائل لأجل دينهم وطردوهم من ديارهم وعذبوهم لأنهم آمنوا بعقيدة تخالف عقيدتهم.

الدرجة الرابعة: ما هي الصفة التي تتصف بها أفعال مشركي مكة مع المسلمين الأوائل؟

اضطهاد أقلية في المجتمع لأجل دينها أو ما يسمى “الاضطهاد الديني”.

الدرجة الخامسة: ماذا نتعلم من هذا؟

ألا نضطهد أي أقلية دينية موجودة بيننا أو تعيش معنا وإلا أصبحنا مثل كفار مكة واستوجبنا غضب الله.

ومن الأمثلة الأخرى التي توضح أهمية فهم المدلول اللغوي للآيات هو فهم معنى الكلمات مثل كلمة “الفتح” في بداية سورة الفتح (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ـ سورة الفتح آية 1). فإن الكثيرين يظنون أنها نزلت في “فتح مكة” في حين أنها نزلت في “صلح الحديبية” وسميت سورة الفتح بهذا الاسم لأن الصلح أو السلام كان منغلقا أي صعباً فجاء “الفتح” هنا وعلى عكس ما يفهم البعض بمعنى “فتح” المنغلق بإرساء السلام بدلا من الحرب.

وذلك الشرح يوضح لنا أن ضرورة التأمل فيما تحويه كلمات القرآن من مدلولات لغوية ومعان قد تكون خافية علينا إذا نظرنا إليها بصورة سطحية.

وللحديث بقية!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى