أوروبا التي لا تريد أن ترى الإسلام إلا ارهابا
فاروق يوسف

لو اعتبرنا أن تنظيمات الإسلام السياسي الموجوة في أوروبا تمثل مسلمي أوروبا نكون بذلك قد حكمنا على كتلة بشرية مليونية بالموت.

فالمسلمون ليسوا من أبناء القارة الأصليين. كلهم مهاجرون، حملتهم أسباب مختلفة، بعضها شخصي وبعضها جماعي، إلى البحث عن ملاذ آمن بعيدا عن أوطانهم الأصلية التي صارت بمثابة ماض لهم.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

ليست لهم قضية واحدة. كل واحد منهم يخطط لحياة يقف من خلالها إلى جانب الآخرين بشرف وكرامة. ولكن مَن هم أولئك الآخرون؟ إنهم بالتأكيد ليسوا الأوروبيين بل المهاجرون مثله. فنادرا ما كان المهاجر المسلم يتخطى حدودا لا يعرف مَن رسمها. هي تلك الحدود التي صنعت مجتمعات العزل التي ينظر إليها الأوروبيون كونها ثمرة عدم الرغبة في الاندماج. وهو رأي خاطئ. ذلك لأنه مبني على النتيجة ولا يذهب إلى الأسباب.

في العموم فإن الدين لم يكن ليشكل قضية تجمع بين حشود من المهاجرين. فالدين ليست مشكلة هجرة. ذلك لأن المسلمين لم يهاجروا إلى أوروبا بسبب اضطهاد ديني. هناك أسباب كثيرة منها اقتصادية وتعليمية وسياسية وحتى ترفيهية، ولم يكن هناك سبب ديني واحد يمكن التعلق به لإدارة جدل حول تعصب المسلمين الجماعي لدينهم.

ولكن ماذا لو اكتشفنا أن الحكومات في الدول الأوروبية كلها من غير استثناء كانت ومنذ سنوات طويلة تمول جمعيات ثقافية كان الغرض منها رص صفوف المسلمين في كتل بشرية، كان الهدف من انشائها يكمن في خلق حواجز بين المسلمين والمجتمعات التي يُفترض أنهم يعيشون فيها فصارت تحيط بهم بأسيجة وهمية يظن المرء أنها ملغومة بكاميرات للمراقبة.

هل كانت تلك الجمعيات ضرورية؟ وهل كان تمويلها من أموال دافعي الضرائب واجبا؟

لم تكن الدائرة محكمة الاغلاق. أكانت رعاية الجاليات ثقافيا مستعصية إلا عن طريق الدين؟ كان الأمر واضحا منذ البدء. ليس الآن بل منذ أكثر من عقدين. إن أجيالا من المسلمين وُلدت في أوروبا ولم تجد أمامها سوى ثقافة الضواحي لجأت إلى التحزب بالدين ولم يكن الدين ليشكل في ظاهره خطرا على أحد. ليذهب المرء إلى الله بعد أن تخلى عنه المجتمع. هكذا بدا الأمر بسذاجة، غير أنها السذاجة التي تبين في ما بعد أنها كانت ملغومة.

من المؤكد أن اليمين الأوروبي المتطرف كان قد لعب دورا خطيرا في دفع شباب المسلمين إلى حافات التطرف. تطرف هنا يقابله تطرف هناك. في الوقت نفسه لم تتوقف الحكومات عن التمويل.

كان معلوما بالنسبة للأجهزة الأمنية أن هناك أحزابا وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين قد استولت على الجمعيات الثقافية وصارت تستعمل الهبات الحكومية في تمويل مشاريع الدرس الارهابي.

أكانت الأجهزة المختصة تجهل ذلك وهي التي زرعت لها عيونا في كل التجمعات، بريئة كانت أم مريبة؟ فحين يداهم الأمن النمساوي ستين بيتا في وقت واحد هي عبارة عن أوكار للارهابيين فإن ذلك معناه أن كل شيء كان تحت السيطرة.

لا شيء في أوروبا يحدث فجأة إلا إذا أصيب شخص بنوبة جنون مفاجئة وقرر أن يقتل كل مَن يراه. ذلك يمكن اعتباره حادثا عرضيا لم يكن في الحسبان.

كل أولئك الذين صرخوا باسم الإسلام وقتلوا تحت لافتة الله أكبر وجروا مسلمي أوروبا إلى مستنقع الشك والريبة والخذلان والهزيمة كانوا معروفين بالنسبة لأجهزة الشرطة التي لم يحاسبها أحد لأنها أهملت واجبها.

مؤلم فعلا أن لا يتمكن الضعفاء من مصارحة الأقوياء بالحقيقة.

أوروبا مسؤولة عن جزء كبير من الإسلام الارهابي الذي ضربها. لولا تمويل الجماعات والتنظيمات المتشددة لاستمر الإسلام كما هو خفيفا وهادئا ودين بيت أكثر مما هو دين جمعيات حاقدة.

وإذا ما ركنا التمويل الحكومي جانبا وهو ضخم فإن التمويل الخارجي لتلك الجمعيات كان يمر بين أيدي وأمام عيون المصرفيين من غير أن يهمسوا بكلمة. كانت عمليات غسيل الأموال التي استفاد منها حزب الله تتم عبر القارات من غير أن يجرؤ على الوقوف أمامها أحد. وكانت هناك جمعيات إيرانية تدير في العلن تلك العمليات. ستفاجئ النرويج نفسها في إحدى لحظات الالهام أن تعلن أن إيرانيا كان زعيما لجمعية للدعوة هو جاسوس للحرس الثوري. ما معنى ذلك السلوك الفاضح؟

مشكلتنا مع أوروبا معقدة. هي تحب أن ترى ما تراه وتكره أن يُقال لها إنها غضت النظر عن حقائق كثيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى