أوروبا وأميركا … موقفان من الاستيطان
محمد خالد الأزعر

مرت ثلاثة أسابيع على إعلان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، في تشرين الثاني الماضي بأن «بلاده لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأرض المحتلة عام 1967 مخالفة للقانون الدولي»، قبل أن يطلب جان أسيلبورن، وزير خارجية لوكسمبورغ، من الاتحاد الأوروبي الاعتراف الجماعي بدولة فلسطين. لم تخل هذه الفترة من انتباهة أوروبية لخطورة القرار الأمريكي.

فقد عجلت فيديريكا موغيريني، منسقة السياسة الخارجية الاتحادية، إلى النأي بالنفس عما اقترفه بومبيو «موقفنا لم يتغير وجميع الأنشطة الاستيطانية غير شرعية بموجب القانون الدولي؛ وتحد من جدوى حل الدولتين وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334». وفي مناسبة تالية، أكد الأوروبيون موقفهم القاضي بوسم منتجات المستوطنات الإسرائيلية عند طرحها بأسواقهم.

اللافت أنه على الرغم مما توحي به هاتان الخطوتان من التزام إيجابي تجاه الحالة الفلسطينية، إلا أنهما تفتقران للفعالية القوية في الواقع الملموس. فلا موغيريني وضعت إصبعها في عين الموقف الأمريكي بشكل محدد، وإنما توارت خلف القانون والشرعية الدولية عموماً، ولا ذهب قومها الأوروبيون إلى سياسة أكثر حزماً وحسماً إزاء الاستيطان والمستوطنات، كمقاطعة إسرائيل دولة الاحتلال اقتصادياً، أو أقله حظر استقبال منتجات المستوطنات كلياً، وليس تعليق التعامل معها بذمة المستهلكين وأذواقهم وميولهم الحقوقية والسياسية فقط.

ثم ان المفوضية الأوروبية أعقبت هذه التعبيرات الاحتجاجية الرقيقة، باشتراط قاسٍ ومحبط على أي مؤسسة فلسطينية تتلقى تمويلاً اتحادياً أوروبياً، وهو «التوقيع على وثيقة خاصة بنبذ الإرهاب؛ الذي يقصد به أنشطة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي».

هنا تتجلى الأهمية الفارقة لمبادرة الوزير أسيلبورن وموقفه الشجاع. فهذا الرجل (70 عاماً)؛ الذي يقف على رأس دبلوماسية واحدة من أصغر دول القارة العجوز مساحة (2586 كم مربعا) وسكاناً (600 ألف نسمة)، تخلى جهرة عن سياسة التردد والمراوحة في المكان، والمس بإسرائيل والاكتفاء بلومها على استحياء، وحدد عملياً ما يمكن للأوروبيين فعله «أعتقد أنه حان الوقت لبدء نقاش داخل الاتحاد، حول اعتراف جميع الدول الأعضاء بدولة فلسطين.

وذلك لن يكون معروفاً ولا شيئاً فارغاً، بل اعترافاً بسيطاً بحق الشعب الفلسطيني، ولن يكون موجهاً ضد إسرائيل. وإذا أردنا المساهمة في حل النزاع بين إسرائيل وفلسطين، يجب ألا نغفل عن أمن إسرائيل ولا عن العدالة والكرامة لشعب فلسطين».

في رسالته بهذا الخصوص، وضع أسيلبورن ظهور زملائه إلى الحائط، حين ذكرهم بمبادئهم وبما ينبغي عليهم فعله كمنظومة اتحادية دولية «النهوض بحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي يكمن في صميم عملنا الخارجي.

ومع ذلك، نشهد إضعافاً تدريجياً للقانون الدولي والنظام متعدد الأطراف، وهو اتجاه مثير للقلق للغاية. يجب علينا التحدث بصوت قوي وموحد عن سيادة القانون لا عن سيادة الأقوى».

فضيلة هذا التوجه، علاوة على صراحته ووضوحه، أنه صادر عن رمز يحظى بنفوذ وتأثير واسعين في الأروقة الأوروبية، وذلك نظراً لخبرته العميقة التي أهلته، باعتراف الإسرائيليين الذين أزعجهم نداؤه أنفسهم، إلى البقاء في منصبه لخمسة عشر عاماً.

ولعل بعض ما يلفت النظر أن أسيلبورن مدافع صلب عن التوجه الاتحادي الأوروبي في وجه الرياح العاتية، التي راحت تناوشه في بعض أوساط القارة، لاسيما في ضوء صعود التيارات الانعزالية.

ومن ذلك أنه من كبار المستنكرين لخروج القطب البريطاني من الاتحاد، وللسياسات المناوئة للهجرة والمهاجرين وجنوح بعض القوى الأوروبية للتقوقع على الذوات القومية.

ومن أقواله أن «اتحادنا قد يتفكك على نحو سريع، إذا ما أصبح الانغلاق هو القاعدة بدلاً من التضامن داخلياً وخارجياً. إن الرابط الذي يجمعنا هو دائماً ثقافة القيم الإنسانية. وهذه القومية الخاطئة قد تقودنا إلى حرب حقيقية».

مؤدى ذلك، أننا إزاء فيلسوف أو مثقف مستنير واسع الأفق، بدرجة وزير خارجية. وهو صاحب نزعة أخلاقية إنسانية تتخطي ظلالها حدود كيانه السياسي الصغير. وربما كان الدرس الأهم في هذا الإطار أن العاطفين على التوجه الاتحادي على الضفة الشمالية للمتوسط هم الأكثر حرصاً على السياق القانوني للتعاملات الدولية واقتراباً من حقوق الفلسطينيين والعكس بالعكس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى