أويحيى.. أو الزعامة المنبوذة لمرحلة تبحث عن عنوان
بشير عمري

ليس في الجزائر تقاعد سياسي لا وظيفي ولا نضالي، يولد الفاعل في السلطة بعمر سياسي متصل وملتصق بالعمر البيولوجي ولا يفصل بينهما سوى الإموت ما على كرسي المسئولية أو تحت الرقابة بعد التنحية أو في السجن بعد التضحي، أعني التنضحية به ليستمر النظام غيرالمتعاقد ولا المتقاعد مذ اجهز على الشرعية عشية الاستقلال، نموذج التضحية والافتداء لديمومة النظام كان أحد أصعب وأشرس رجالاته وخدمه على امتداد العقود الثلاث الفائتة هو أحمد أويحيى الذي سطع نجمه المظلم بشكل غريب وعجيب ما دفع بعديد الملاحظين إلى اعتباره التجسيد الفعلي لغرابة وعجب النظام الجزائري في ظهوره وتطوره خارج كل مساقات الظهور وسياقات التطور في التاريخ والسياسة.

كيف برز هذا الرجل؟ من أخرجه للناس في الجزائر؟ وما طبيعة المرحلة التي أريد له أن يتزعمها وهو المنبوذ سياسيا وشعبيا؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

في الجزائر تتجسد فعلا تسمية المسرح السياسي، إذ تغدو دلالة أفصح أوضح من كل ممصطلح أو نعت آخرين كالمشهد السياسي أو الفضائ أو الساحة، ذلك لأن العملية السياسية يتم إعدتادها للاخراج (la mise en scène) بطريقة أقرب هي للاخراج المسرحي منه للسياسي، فالشخوص البارزون يتضح أنهم لا يطلعون بالأدوار الأولى وقد يُصلب طموحهم في أي لحظة يتبين فيها للمخرج (metteur en scène) أنه ثمة حتمية تغيير الشخوص أول الأدوار.

بمثل هكذا اشتغال خلف الستار جيئ بالشاذلي، جيئ ببوضياف، ثم بزروال وعديد (الزعماء) عبر مختلف المستويات، أحمد أويحيى لم يكن في مرحلة الانقلاب العسكري الأولى بالنشط في ظاهر السلطة مثل عديد شخصيات النظام من وزراء وقادة أحزاب مقربين، وإذ بالمخرج السياسي يقدمه على الركح مثلما تم تقديم عبد القادر بن صالح ليظلا في موقعهما يعبران عن إرادة هذا (المُخرج السياسي) المستعصى عن الضبط والكشف بسبب طبيعة النظام كما أشرنا.

تكوَّن أويحيى كما بقية عديد رجالات (النظام)في فترة ما بعد الاستقلال أيديولوجيا بالمنظمات الجماهيرية التابعة حينها للحزب الواحد، ومعرفيا بالمدرسة الوطنية للادارة، ثم ولج مؤسسات الجمهورية يعتلي فيها المناصب الادارية والاستشارية أبرزها وزارة الخارجية، مطيعا لوحي وايحاء المخرج السياسي حتى إذا ما جاء هذا (المخرج) بليامين زروال سنة 1994 للحكم تم تعيين أحمد أويحيى أمينا عاما لرئاسته،  ولم يسبق لأي أمين عام أن لعب دورا ظاهرا في خطاب السلطة السياسي وبروزا للصحافة أكثر من أويحيى، متمكن من لغة المرواغة وقول الشيء وضده بلا حرج وكيل الاهانة للشعب بلا وجل لاعتقاده أن الشعب سيظل طيع فكر ووحي وتحريك (المُخرج السياسي) للمسرحية الطويلة، وبذلك فهو آمن على منصبه ومصيره ومسقبل عائلته.

طبيعة سلوك ونفكير أحمد أويحيى السياسيين تلاقت كثيرا مع طبيعة بوتفليقة حسبما قرأنا عن هذا الأخير في كتب رجالات الحركة الوطنية، من مثل الاشتغال خارج أخلاق السياسة وقواعدها، كالوشاية، الكذب الاخلاف بالوعود.. هذا التناظر الذي لا يمكن الجزم إن كان قد أخذه عن دراسة لبوتفليقة أم أنه تشربه من طبيعة النظام الذي كان بوتفليقة أصلا من مؤسسيه، جعلت أويحيى يغدو التوأم السياسي (غير البيولوجي) لبوتفليقة، بل يمكن القول أن هذا الأخير جعله ظاهر إرادته ووناطقا بغير لسانه المحتقر للشعب فنبذ الناس وكرهوا أويحيى بدل بوتفليقة أي النسخة المصورة بدل الأصلية، فاستراح بوتفليقة  للدور القذر الذي لعبه أويحي بأن يتلطخ ويتسخ في عيون الشعب بدلا عنه.

لكن ها هو ذا الشعب يتمرد على أداء شخوص المسرحية، ويعصف بهم من على الركح، دون العصف بالمخرج خلف الستار، وبدلا من أن يحمي هذا الأخير (المُخرج) شخوص حكايته ومسرحيته قدمهم افتداء لحياته، أكباش فداء في مسرحية أخرى جرت على ركح القضاء..

واضح هنا أن أيحيى خريج مدرسة الادارة وليس مدرسة السياسة التي يحكم (المخرج) أغلاقها، صدَّق أنه يمكن أن يكون بديلا عن السياسي الحقيقي وأن يصل إلى ما عجز هذا السياسي بحكنكته واحترافيته عن الوصول إليه من مثل الزعيم (حسين آيت أحمد) ولمَ لا بلوغ أعلى سدة الحكم، ولو بنبذ الشعب له لفرط ثقته بأن هذا الشعب سيستمر في عدم مطالبته بحكم نفسه بنفسه، في ارتكاس مهول لقراءة تاريخ السياسة وطبيعة الثورات وعلاقتهما بنفسية الشعوب، فاتهى به الأمر إلى السجن بالجنوب الجزائري حيث رُمي ذات عهد بمناضلي  حزب سياسي أيام قبل أن يتم إخراجه (أحمد أويحيى) إلى المشهد المسرحي.

وهكذا إذن، مثلما جيء بأويحيى من دهليز الادارة بلا سياسة إلى السياسة تم العصف به من السياسة بلا سياسة (قضائيا) بتهم الفساد وسوء التسيير وسوء التدبير، واستغلال الوظيفة والتفوذ، فقط ليُقال للجزائريين بأن أزمة البلد ليست سياسية ولا شرعية واستبداد بل أزمة فساد وها هي ذي الدولة تعاقب المتسببين فيه.

علمية الفصل بيتن الفساد والاستبداد باعتبار أن الأول ليس فقط سوى نتيجة وتمظهرا للثاني، توضح مدى ارتكاز السلطة على أداة اللغة للايهام الراي العام والافلات من قبضة وعييه وغضبه ومطالبته بالتغيير، ولعل هذا ما سبب هزائم متكررة لمحاولات النخب من حملة وعيي التغيير في معاركه الكبرى مع النظام، إذ لم يقووا في كثير من الأحيان بسبب خلافاتهم الايديولوجية والفكرية من مواجهة آلة النظام الخطابية التي تجيد عنونة المراحل واستباق الكل إلى ذلك، فمن التصحيح الثوري بدل الانقلاب العسكري سنة 1965 إلى إنقذ الجمهورية (بدل الانقرب على الديمقراطية)  سنة 1992 ثم الحرب على الارهاب بدل الحرب الأهلية أو العنف السياسي كما كان يسميه الراحل عبد الحميد مهري (خريج مدرسة النظام السياسية وليس الادارية كما أويحيى) ثم الوئام المدني لطي صفحة (المأساة الوطنية) وليس الارهاب ولا الحرب الأهلية! وصولا إلى مرحلة اليوم حيث لا تزال آلة النظام الخطابية تقاوم عنوانها التاريخ (الحراك الشعبي) بالحرب على الفساد من أجل استبدال الذي هو أدنى (محاكمات فردية) بالذي هو كبير وخير (تغيير النظام) بالشكل الجذري والكامل أي ضبط المُخرج السياسي القابع خلف ستار الركح والخلاص المسرحية بشكل نهائي!

هو عنوان المرحلة الذي يخوض النظام معركة حيوية من حرب شرسة مع الواقع الثوري الشعبي الواعي هاته المرة، ساع بكل ما حازه من مهارة في صك لغة الخطاب السياسي لخلق عنوان جديد وفرضه حتى يتوارى خلفه، فمن خلال رمي بمسئولين سامين في سلطته من أمثال أويحيى وسلال يريد الظهور بالقاطع مع الماضي وهو في الحقيقة ليس يقطع سوى بجزء صغير من ماضيه، فهل تعي نخب التغيير هذا المعطى أم أنها ستبقى نظرها مركوزا على كبش فداء ألقي به في صحارى التاريخ قبل الجغرافيا!

 

كاتب سياسي جزائري

.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى