أي “مواجهة” بين العرب والأفارقة في سد النهضة؟
عصام شعبان

جاءت مخرجات اجتماع وزراء الخارجية العرب، والذي عقد أخيرا في الدوحة، تأكيدا لمواقف سابقة، أعلنتها جامعة الدول العربية بمساندة مصر والسودان، في أزمة سد النهضة، وضرورة التوصل إلى اتفاقٍ عادلٍ وشامل، لا يُلحق الضرر بالمصالح المائية وأطراف التفاوض، جاء الاجتماع بطلب من القاهرة والخرطوم في إطار حشد الجهود لتفكيك أزمة المفاوضات المتعثّرة، لتصل محطتها الختامية باتفاقٍ ينظم عمليتي الملء والتشغيل، خرقت إثيوبيا إعلان المبادئ 2015، بإعلانها الملء الأول بشكلٍ منفرد، واستعدادها للملء الثاني بعد أسبوعين. وحال حدث ذلك، سترجّح كفّة اثيوبيا في معادلة توازن القوة المتعلقة بمراحل بناء السد والتخزين والتشغيل، ومعها ستتقلص فرص الوصول إلى اتفاق عادل. وستصبح المفاوضات التالية أقرب إلى مشهد إعلانٍ للتنازلات (حال جمود الموقف)، وهو ما سعت إليه إثيوبيا عبر إطالة أمد التفاوض، عشر سنوات، زادت قوة موقفها التفاوضي، عبر الضغوط، وتوظيف التناقضات، واستخدام أوراق قوةٍ دبلوماسيةٍ واقتصاديةٍ وعسكرية، غير ممارسة دعايةٍ على مستوياتٍ متعدّدة، منها نخب سودانية، ساندت إثيوبيا، ودافعت عن فوائد السد وتجاهلت حسابات المخاطر، حتى أفاق بعضهم بعد طعن إثيوبيا ظهر الخرطوم، على حد تعبير وزيرة خارجية السودان، مريم الصادق المهدي (في محاضرة لها ونقاش معها في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة الخميس، 17 يونيو/ حزيران الحالي).

وعملت إثيوبيا على إيجاد تناقضات بين مصر والسودان، وروّجت أكاذيب عن أطماع القاهرة ورغبتها في الهيمنة، وتعمّد مناصروها فتح ملفات خلافاتٍ تاريخية شائكة. كما استخدمت إثيوبيا أدواتٍ اقتصادية، كعقد شركات مع تحالفاتٍ دولية. ودبلوماسيا تكوين لوبي أميركي وأوروبي مساند لها، أغلبه مكوّن على أساس العرق واللون، لتبقى القاهرة والخرطوم منعزلتين، بينما كانت إسرائيل وحلفاؤها طرفا مستترا في ملف الأزمة، يمارسون ضغوطا على دولتي المصبّ.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز أهمية اجتماع الدوحة، بوصفه استجابةً مهمةً، وخطوة ضرورية، في توقيت بالغ الصعوبة، كما تمثّل مخرجاتُه، وتعبيرات المشاركين فيه، محكّ اختبار لمدى فاعلية (وإمكانات) التساند والتعاون العربي مع دولتين مركزيتين في أزمة حقيقية، وإن كان الاجتماع محصلة جهود من مباحثات سابقة ونتاجها، وليس بالطبع منقطع الصلة عن نتائج المصالحة الخليجية، والتي وفّرت فرصة للحوار. ويتزامن هذا مع إعادة تشكيل القاهرة علاقاتها مع جيرانها، ليبيا والسودان وفلسطين، ومع قطر وتركيا من جانب آخر. وربما يمتد السياق إلى الوصول إلى علاقاتٍ مع إيران، وإعادة التموضع يوفر للقاهرة مساحاتٍ من الحركة والتأثير، ما يساعدها في إيجاد توازنٍ يساعد في تفكيك الأزمة.

بعد البيان الختامي لاجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب، عادت إثيوبيا إلى استخدام أسلحة الابتزاز، باسم الهوية الأفريقية، وإعادة طرح خيار (وشعار) الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية حائط صدّ لأي وساطة أو موقف مساند لدولتي المصب، بل لعبت دور الضحية خلال دعاياتها، وعبر تصوير أن “العرب في مواجهة الأفارقة”. وقد هاجم بيان وزارة خارجيتها دعوة جامعة الدول العربية مجلس الأمن إلى الانعقاد لبحث ملف سد النهضة، كما حمّل البيان مغالطات واتهامات عديدة، في لغة غريبة على التقاليد الدبلوماسية. وفي إسقاط واضح، اتهم بيان أديس أبابا الجامعة بتسيس الأزمة، ومصر والسودان بالتهرّب من المفاوضات، واعتبر أن جامعة الدول العربية مضللة، تنقصها الحقائق والمعلومات، ثم طالب وزراء خارجية الدول العربية بحثّ مصر والسودان على العودة إلى المفاوضات!

ويجسّد ما تطرحه إثيوبيا من وجود “مواجهة عربية أفريقية” مشكلةً تنتمي إلى أفكار ماضوية، تخالف حقائق التاريخ والجغرافية، وتكذّبها طبيعة التحالفات وأشكالها عربيا وأفريقيا، بما فيها علاقات أثيوبيا مع دول عربية. أما غرضها من ذلك فهو عزل مصر والسودان عن محيطيها، الأفريقي والعربي معا، وتجزئة القارّة على خلفية الأزمة، وعبر أدوات الاستعمار القديم، تقسيمات على أساس العرق والهوية واللون والدين، ضمنها تصنيف عرب وأفارقة، كما أن هذا الطرح إحياء لنقاشات جدلية قديمة، تزيف الوعي، وتستبدل إمكانات التعاون بنشر أسس واهية لصراعات مستحدثة. وتاريخيا، لم تكن هناك محطّات تُذكر لمواجهة بين العرب والأفارقة، ولا عداء تاريخي بين عرب شمال أفريقيا وباقي القارّة، بل على العكس، هناك محطّات تعاون وتأثر وتأثير عديدة، منها فترة التحرّر الوطني، وتعاون بين دولها في مواجهة الاستعمار. ولعبت القاهرة وعواصم أخرى دورا مهما نهاية عقد الخمسينيات ثم عقد الستينيات، وإن كانت دول شمال أفريقيا ذات هوية أفريقية عربية، فلا يخرجها ذلك من الانتماء للقارّة، بل عروبتها دائرة أخرى مضافة، بجانب الدائرة الإسلامية. وتتشابه معظم دول أفريقيا في ظروفها الاقتصادية، وبدأت رحلة تحرّرها معا، لكن بعضهم يريد تجاهل التاريخ والمصالح المشتركة، ويتم مصادرة إمكانات التعاون من خلال نشر أفكار عدائية، تمثل تمييزا على أساس الهوية وعبرها، واعتمادا على اللون والعرق والدين، على الرغم من التنوع الهائل في أفريقيا في كل العناصر السابقة، غير اللغة التي يصادف أن يوجد في دولةٍ واحدةٍ تعدّد في اللغات المحلية. وهكذا تعيد إثيوبيا إنتاج الأفكار الاستعمارية على أسس واهية، وتدّعي مجابهة تكتل عربي ضد الهوية والبيت الأفريقي، وتواجه عنصريةً متخيلةً بإيجاد عنصريةٍ مقابلة، وتنشر سردية العرب ضد الأفارقة، وتنتج أفكارا عنصرية واستبعادية، وتلبسها رداء التحرّر من الهيمنة المصرية.

يشارك نخب ومثقفون أفارقه إثيوبيا في الخوف من مواجهة عربية إثيوبية على خلفية سد النهضة، لكنهم يصرّون على تجاهل الواقع، ويرفعون شعار حل مشكلات البيت الأفريقي في داخله، وكأنها عبارة سحرية، ومفتاح كل مشكلة، من دون تأمل الواقع، وقواعد عدل وإنصاف، واستبيان أزمة دولتي المصبّ وتعنت أثيوبيا، غير تعدّد المصالح والوساطات ودوائر الانتماء وتشابكها، بل بعضهم يحذّر وكأنه حامي الأفريقية وقواعد السلام والتسامح، من اصطفاف إسلامي عربي ضد إثيوبيا الأفريقية المسيحية، وكأن إثيوبيا هي المُعتدى على حقوقها، وليستا دولتي مصب نهر النيل.

إجمالا، تدّعي إثيوبيا أن القاهرة تحشد العرب في مواجهة الأفريقيين، وغير هذا الكلام من سردياتٍ مضلّلة، غرضها الأساسي عدم الوصول إلى اتفاقٍ بشأن السد، وعدم الالتزام بأي مرجعيةٍ دوليةٍ أو قانونية، تتعلق ببنائه وتشغيله، وهي لا تريد دخول أطرافٍ مساندةٍ للقاهرة والخرطوم قد تغيّر من موازين القوة، عربيةً كانت أو غير عربية، كما أنها، بهذه المقولات، تعكس رغبتها استبعاد دول شمال أفريقيا لتقود القارّة، غير أن موقفها من الدول العربية ليس مرتكزا على أساس الهوية كما تدّعي، لأنها ببساطة تتعاون مع دول عربية لها استثمارات ضخمة، ساهمت في عمليات تشييد السد، غير أنه كانت للدول العربية مواقف متباينة من سد النهضة، وما زال بعضها لا يخرُج عن التصريحات الباهتة، والتي تقرأ من الجهتين، اليمين كما اليسار، غير أن إثيوبيا لم تمانع في وساطة دولٍ عربيةٍ سابقا، وصفها وزير الري السوداني، ياسر عباس، بأنها غير رسمية، ولم نلحظ إثيوبيا ورئيس حكومتها، آبي أحمد، الذي يقود الحرب، والحاصل على جائزة نوبل للسلام، يعترض على تدخل دول أوروبية في شؤون دول القارّة، بما فيها عمليات النهب للموارد والتدخل العسكري.

في النهاية مقولات الهوية الأفريقية والبيت الأفريقي والحلول الأفريقية حائط صد لأي مساندة أو وساطة عربية أو غير عربية لا تحقّق مصالح أديس أبابا، ورغبتها في الهيمنة على النيل، وطموحها في التوسّع وقيادة القارّة. لذا هي تحرص على اقتصار المفاوضات على الاتحاد الأفريقي، والتغنّي بالحلول الأفريقية والدعاية المكثفة حولها، لتبقى مصر والسودان حبيستي مفاوضات البيت الأفريقي التي افتقدت قواعد العدل والإنصاف وآليات عملية، وكانت ضمن أسبابٍ رئيسيةٍ لوصول الأزمة إلى محطتها الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى