إبحث عن الغنوشي
فاروق يوسف

كان من الممكن أن تكون عبير موسي وهي زعيمة الحزب الدستوري التونسي مجرد حالمة بعودة النظام السابق. لمَ لا؟ ذلك النظام لم يكن سيئا إلا بشخص رئيسه زين العابدين بن علي الذي أهمل واجباته ونسي مسؤولياته وسلم جزءا من الاقتصاد لأفراد من أسرته، عاثوا في البلاد فسادا.

النظام في حد ذاته من وجهة نظر موسي كان مشروعا لبناء دولة مدنية حديثة في تونس. تلك هي فكرة الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة التي وجدت لها تطبيقا على الأرض من خلال قوانين عادلة لم يعترض عليها سوى المؤمنين بالخلاص المطلق وهم الشيوعيون والإسلاميون الذين حاربهم بورقيبة.

لذلك لا يمكن القول بإن عبير موسي وحزبها يمثلان بن علي بقدر ما يمثلان النظام الذي ورثه وأساء التصرف بمفرداته.

ولقد نجحت المرأة الحديدية كما يمكنني أن ألقبها في تجاوز تلك العقبة على المستوى الشعبي. تخطت الشائعات التي أحاطت بها ولاحقتها فجلست في مقعدها بمجلس النواب باعتبارها ممثلة لشريحة مهمة من الشعب التونسي يهمها الحفاظ على منجزات الدولة المدنية التي أسسها بورقيبة.

ما حدث بعد ذلك كان عجيبا في خبثه وتحايله وانحطاطه السياسي.

غير أنه كان متوقعا بسبب تسلل عقائديي الإسلام السياسي إلى مجلس النواب ونجاحهم في دفع راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية إلى مقدمة المشهد ليكون رئيسا للسلطة التشريعية. وهو منصب خطير، يملي  على مَن يتولاه أن يكون مخلصا لتونس وشعبها بطريقة لا تسمح بهدر المكتسبات  الاجتماعية التي يضمنها القانون.

لقد تقدم الشعب التونسي على سواه من الشعوب العربية من جهة حقوقه المدنية. ذلك ما انعكس على الحياة بشكل مباشر وبالأخص في مجال حقوق المرأة. كان ذلك أمرا مزعجا بالنسبة للإسلاميين. لذلك حاولوا غير مرة أن يلغوا قانون الأحوال المدنية غير أنهم فشلوا.

ذلك ما دفعهم إلى التفكير في تصفية خصومهم من أجل تكميم الأصوات المناهضة لهم. وما اغتيال شكري بلعيد بعد سنتين من الثورة إلا جرس إنذار. ذلك يمكن أن يقع في أية لحظة. اما حين تصاعدت أصوات التكفيريين تحت قبة مجلس النواب في ظل صمت رئيسه الذي هو الغنوشي فإن ذلك يعني أن الحرب قد بدأت. ستكون عبير موسي هي الهدف.

سيكون من الصعب هذه المرة أن يحصل الغنوشي على براءته. هناك عدد من النواب يطالب بمساءلته في ما يتعلق بثرواته وبلقاءاته المستمرة بالرئيس التركي اردوغان الذي قد يكون مسؤوله المباشر في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

برلمانيون تونسيون صاروا يشيرون بأصابع الإتهام إلى الغنوشي.

فالرجل يدير عصبة اسمها حركة النهضة وهي جزء من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين كما أن صمته في مواجهة دعوات التكفير التي تصاعدت في المجلس الذي يترأسه يطرح الكثير من التساؤلات.

عبير موسي سبق لها أن وقعت في خصام مباشر مع الغنوشي بسبب أراءه الظلامية. صارت تشكل مصدر إزعاج له لأن دعوتها إلى مساءلته يمكن أن تنهي حياته السياسية أيضا.

لا يفكر الغنوشي في أن يذهب إلى التقاعد فهو مقاتل من أجل عقيدة الإخوان إلى النهاية. غير أن حساباته ليست صائبة هذه المرة. صمته لا يبرر ولا يمكن السكوت عليه. فعبير موسي لا تفضل أن تلعب دور الضحية وتكتفي بالحماية التي قدمتها لها وزارة الداخلية بل أنها ستستمر في هجومها وصولا إلى الهدف. ذلك الهدف لن يكون أقل من فتح الملفات  كلها وهو أشد ما يخشاه الغنوشي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق