إستراتيجية الموازنة بين حق العمال الفلسطينيين في العيش ومنعهم من نقل الوباء
د. محمد عبد الفتاح شتيه

أستاذ القانون الجنائي والدولي ــــــ جامعة الاستقلال

يُحسب لدولة فلسطين أنها كانت في طليعة الدول التي أعلنت حالة الطواريء لمنع إنتشار فيروس كورونا بين أبناء الشعب الفلسطيني، وقد أشادت منظمة الصحة العالمية بجهود دولة فلسطين ووعي القيادة وخطواتها الإستباقية في التغلب على عدو تقف الترسانة العسكرية لدول العالم عاجزة أمامه. ولوضع ذلك القرار موضع التنفيذ اتخذت السلطة التنفيذية عدة إجراءات كان من ضمنها إلزام العمال الذين يعملون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 بالمكوث في أماكن عملهم مدة لا تقل عن شهر، ومنع العمال الذين يعملون في المستوطنات الجاثمة على أرضنا من التوجه إلى عملهم، كي لا يكون هؤلاء الثغرة التي ينفذ منها الفيروس إلى الجسد الفلسطيني. ولحاجة دولة الاحتلال للأيدي العاملة في مجال الأعمال الشاقة كالبناء والزراعة؛ أعلنت جهات صنع القرار الإسرائيلية عن قدرة أرباب العمل بتوفير أماكن مبيت يتوافر فيها الحد الأدنى من مستوى العيش الإنساني، وبذلك أذنت لمن تقل أعمارهم عن نصف قرن بالدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948. لكن أرباب العمل الإسرائيليين جردوا هؤلاء العمال من حقوقهم الإنسانية واستغلوا حاجتهم، فتركوهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في برد ليل آذار القارص، ولم يتوقف الأمر على العنصرية الفردية لأرباب العمل، بل امتد إلى المستوى الرسمي لدولة الاحتلال لتحفر في ذاكرة العالم أسوء أشكال المعاملة اللاانسانية والمهينة للكرامة البشرية، والتي تثبت أن قرار الأمم المتحدة عام 1975 بوسم الصهيونية بسمة العنصرية كان في محله. إذ اتخذت قيادة جيش الاحتلال قرارا بالتخلص من كل عامل تظهر على جسده المُنهك علامات قد تدل على الانفلونزا كتجاوز درجة حرارته 37.5 مئوية، وذلك بإلقائه على الحواجز العسكرية الإسرائيلية الشاهدة على الاحتلال وجرائمه في مداخل المدن والقرى الفلسطينية، ولسان هذا العامل يقول وطني الحبيس في ملامح وجهي وتكويني من لي سواك حين تُنهك جسدي الأسقام، وقد رأينا هذا الحال لعشرات العمال والحبل على الجرار. وحتى لا ينقل هؤلاء الفيروس من أجساد الغزاة العنصريين إلى مجتمعنا الفلسطيني، وفي ضوء ما لاقوه من ضروب المعاملة المهينة، يتعين على الحكومة الفلسطينية منع العمال من العمل في الأراضي المحتلة نهائيا لحين انتهاء حالة الطواريء والتأكد من رحيل هذا الفيروس، فدرء الوباء عن المجتمع الفلسطيني أولى من الأموال التي سيجنيها هؤلاء العمال، عملا بقاعدة درء المفاسد أولى من جلب المنافع. وهذا يتطلب من الحكومة الفلسطينية مقاربة مركبة بتحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع وحقه في الصحة العامة وبين مصلحة العامل وحقه في قوت يومه، فحال كثير من العمال لا يعلمه إلا الله!! وفي هذا المقام اقترح على الحكومة الفلسطينية ومن خلال وزارة العمل حصر العمال الذين يعملون في الداخل المحتل بإنشاء موقع الكتروني يتيح للعامل التسجيل به ويرفق الوثائق التي تثبت أنه لا يوجد لديه أي مصدر دخل آخر، لا هو موظف أو موظف متقاعد، وليس لديه أبناء موظفين أو زوجة موظفة، ولا لديه محال أو شقق مؤجرة أو غيرها من مصادر الدخل التي تكفيه، ويتم التأكد من صحة هذه المعلومات بالتعاون مع جهات الاختصاص لصرف مساعدات مالية تُعين هؤلاء العمال على استمرار حياتهم اليومية لحين عودة الوضع لما قبل كورونا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى