إسرائيل تغرق في أكاذيبها منذ العام 1948

ران أدليست

ثمة حقيقة عسيرة على الهضم: إسرائيل مجتمع يُطبّع الكذب لصالح حقيقة بديلة وحقيقة لحظية، وكل شيء نسبي؛ أقسم لك بقبر أمي. المشكلة هي أن هذا ليس نمطاً سلوكياً بل مسيرة زاحفة وقاضمة. والنتيجة هي أن الكذب بوقاحة لا عار فيه، بل افتخار. انظروا كيف خوزقته وخوزقتها وخوزقتهم وخوزقت كل النظام.
المشكلة هي أن دولة لا تقوم على أساس قول الحقيقة، بل تغرق في الكذب، إنما تكف عن أداء مهامها، حرفياً. في النهاية لن يكون ماء في الصنبور. وإذا ما ضخ فسيكون ساماً، وثمنه – إذا ما خدع المسؤولون عن المياه الجمهور – سيكون فضائح.
بدلاً من انتخابات 2022، يوجد لنا اليوم (تقريباً) “2022 انتخابات” تؤكد حياتنا. ولا يدور الحديث عن ترهات سياسيين. بسموت سخيف، إمسلم هازئ، وميري ريغيف همممم!… لدرجة أنه حتى الجمهور يعرف أنه يشاهد سيركاً. غير أنه بخلاف الأكاذيب قليلة الحياء، عند الحديث عن الحقائق التي هي أسس الوجود، يوجد تخوف على الوجود نفسه. ولا حاجة للحفر كثيراً.
مصدر أمراض دولة الذين يذرون الرماد في العيون ويسرقون العقول هو النزاع اليهودي – الفلسطيني ابتداء من العام 1948 حتى اليوم، وجرائم الحرب المرافقة لها. لا سبيل لأن نجتاز بنجاح مسار العوائق هذا دون أن ننجح في القفز من فوق العائق الأول الذي هو “حرب الاستقلال” وملحقاتها.
إلى جانب الكفاح (العادل، اهدؤوا) في سبيل الدولة واستقلال الشعب اليهودي بقي هنا جرح نازف حتى يومنا هذا، وإلى جانبه فرصة للشفاء. وإن لم يكن الشفاء كاملاً، فالتجلط هو أيضاً خيار. الميل للكبت ونسيان صدمات الماضي “طبيعي” لدى المنتصر وأقل طبيعية لدى المهزوم، خاصة عندما يكون النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني في ذروته، وهو يفتح جراح الماضي. السبيل الوحيد لجعل صدمة النكبة رافعة للتسوية هو أن يعترف الوسط اليهودي بأسبابها وملابساتها. لكن لا أحد يحاكم أحداً. المشكلة هي فقط الاعتراف بالحقائق، والاعتذار عن ترف المنتصرين.
في الزمن الأخير جرت محاولتان لرواية الحقيقة في قضية الطنطورة (48) وكفر قاسم (56). يثبت فيلم ألون شفارتس عن أحداث طنطورة ووثائق كفر قاسم الذي كشفها أدام راز، أنه في ظل الحرب على احتلال البلاد وتثبيت أمنها ارتكبت جرائم حرب. وقعت أحداث الطنطورة في الـ 48 وفي الحرب التي كانت إما نحن أو هم، وفي الحرب مثلما في الحرب. المذبحة في كفر قاسم في العام 56 ارتكبت في سياق دولة قانون، ولا تزال إسرائيل تكافح في سبيل حياتها وأدارت بعد المذبحة إجراءات قضائية، وإن كانت شوهاء.
دون الدخول في مسألة إذا وقعت مذبحة في طنطورة أم عقاب متملص في كفر قاسم، فإن الواضح هو أن الجمهور الإسرائيلي ليس ناضجاً ليواجه الحقيقة، حتى عندما يصفع بها وجهه. في العام 2016، بعد 60 سنة على مذبحة كفر قاسم، أوضح يريف لفين في الكنيست أن “مذبحة كفر قاسم كذبة”. وأنا أميل لأتفق مع الزعم بأن انتصاراً عربياً كان سينتهي بآخرة يهودية، ولا يزال. يُفترض بنا أن نعترف بمشاعر الطرف الثاني، وبالأفعال نفسها. ليس فقط لأننا انتصرنا، بل أساساً عقب التفوق الأمني الواضح اليوم. لا يدور الحديث عن اختبار شجاعة، بل عن تصميم أداة وعي سياسي تسمح بالخروج من الدائرة السحرية لكبت لا يتوقف عن النزف.
ولأجل تهدئة الأرواح التائهة لن تتنازل أي حكومة في إسرائيل، ولا حتى حكومة اليسار المتطرف عن ذرة تراب في حدود 1967. مشاكل الصدمة المتبادلة اليهودية والفلسطينية داخل الخط الأخضر يفترض أن تعالج بجملة وسائل، أساساً اقتصادية ولكن أيضاً سياسية وثقافية. الأساس هو التوقف عن العيش في الكذب.

خمس جبهات
الكذبة الأخطر منها جميعاً هي زعم الدولة بأن الفلسطينيين يرفضون كل تسوية. الحقيقة: من ترفض بثبات بجملة معاذير هي حكومات إسرائيل، لسبب بسيط وهو أن التسوية معناها تنازل (انسحاب) ما، باستثناء حكومات بيريس التي ابتكرت مساراً التفافياً (أوسلو)، ورابين (الذي أطلقت النار عليه) وأولمرت (الذي أدين). من خلال فك الارتباط وفر شارون مهلة أخرى للاستيطان، وأنهى باراك – الذي حاول العزف أيضاً على عرس الدم وعلى عرس السلام في وقت واحد – طريقه مع الكذبة الأكثر أذى: لا شريك. أراد إيهود باراك الخروج مؤقتاً من الحفرة السياسية التي هبط إليها بعد فشل المحادثات في كامب ديفيد، غير أنهم في الجيش وجهاز الأمن اشتروا هذه الذريعة بحماسة كحجة تبرر الحروب الصغيرة وعديمة الجدوى التي أديرت منذئذ وحتى اليوم، وهيّا إلى المعارك ما بين المعارك في كل الجبهات.
بنيامين نتنياهو، وكيل الفوضى الذي يزدهر في ظل انعدام اليقين الأمني، الشخصي والقومي، رفع مستوى اللاشريك إلى مستوى أنهم رافضو مفاوضات وإرهابيون في آن واحد، واشترى هدوءاً لدى المستوطنين، الذين من ناحيتهم مجرد المفاوضات هي خيانة. تقنية المنظومة هي الحرب ضد “الإرهاب” بوساطة الاستفزازات والتعظيم لكل حدث إلى مستوى التهديد الوجودي. يدور الحديث عن أن كل أذرع الأمن مشاركة في الحرب ضد “الإرهاب” في كل الجبهات، وذلك لأن هذه هي طبيعة الكلاب الهجومية. من الخير أنه يوجد لنا جيش مهاجم، ومن الخير أقل حين يخدم بشكل غير مباشر هدفاً أيديولوجياً وسياسياً ليس عليه إجماع.
كي يثبت أننا نتعامل مع “إرهابيين”، من السلطة وحتى “الجهاد”، دهور نتنياهو المنطقة كلها إلى بؤرة توتر دائمة في خمس جبهات (لبنان، سورية، الضفة، القطاع، وإيران بالطبع، التي تقف من خلف كل عملية). الاستنتاج السياسي: توجد عملية أو تهديد بعملية، لا توجد مفاوضات. التقط “الشاباك” حديثاً لأحمد، الذي قال: إنه سيقتل مئة يهودي؟ تقيم “حماس” برج رصد يطل على غرف نوم سكان “نتيف هعسرا” – الويل!!! والآن هم يريدون أن يديروا مفاوضات مع دم على الأيدي؟ هذه سياسة الكذب وإخفاء الحقيقة لدى نتنياهو، وهي لا تختلف في جوهرها عن تقنية إخفاء الضريبة. سياسة متجذرة بدهاء من خلال شركات فرعية تقفز من ملجأ ضريبة كذب إثر آخر. للأميركيين تعبير عن أعمال من هذا القبيل: غيزلايتنغ (وأنا لا أجد له رديفاً بالعبرية، قد يكون زوغ البصر أو الغمز). مدماك داعم كذب هدام بقدر لا يقل هو الجهاز القضائي. قبل بضعة أسابيع قضت المحكمة العليا بأن “البؤرة الاستيطانية متسبيه كرميم التي أقيمت على أرض خاصة فلسطينية لن تخلى لأنها أقيمت ببراءة عقب خطأ”. أفترض وآمل أن كل هيئة أخرى من العليا كانت ستقضي بشكل مختلف. يقال: إنه يوجد قضاة في القدس. يتبين أننا بقينا مع ادعاء بالسذاجة على مستوى ذريعة كذب لمجرم صغير. هي سابقة بالطبع: في الضفة يوجد نحو 3 آلاف مبنى غير قانوني آخر بني “ببراءة” على أرض فلسطينية خاصة بسبب “خطأ” الدولة. كذبة المحكمة العليا تدعم كذبة المستوطنات كي تسمح بتبييضها في المستقبل. فهل يعرف أحد ما في الجوار محكمة عدل عليا ودية أكثر للحقيقة؟

عن “معاريف”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى