إسرائيل تكافئ “حماس” على أمل تحقيق هدوء بعيد المدى

عاموس هرئيل

تبدو احتمالات نجاح وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية حثيثة، في هذه الأثناء جيدة جدا.
خرج “الجهاد الإسلامي” جريحاً بما فيه الكفاية من هذه المواجهة، والأطراف الأخرى في الأزمة (إسرائيل و”حماس” ومصر) معنية بدرجة كبيرة باستمرار الهدوء، من أجل أن يتم الحفاظ عليه لفترة طويلة.
على المدى البعيد، رغم الإنجازات العملياتية للجيش و”الشاباك” والرضا عن النفس في المستوى السياسي عشية الانتخابات، إلا أن مشكلة غزة بقيت على حالها.
أول من أمس ظهر في إسرائيل أمل معين بأنه يمكن استغلال هذه الجولة العسكرية للدفع قدما بعملية مدنية أكثر نجاحا مع “حماس”، ربما تضمن صفقة سجناء جديدة. ولكن احتمالية ذلك لا تبدو كبيرة في المدى الزمني القريب.
بصورة تختلف عن السابق، وحتى مفاجئة، رفعت إسرائيل على الفور العقوبات المدنية عن القطاع.
تم استئناف الحركة في المعابر لأسباب إنسانية (الذهاب للعلاج وإدخال الأدوية والبضائع الضرورية)، صباح أول من أمس، بعد تسع ساعات تقريبا من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
في هذا الصباح (أمس) تقرر استئناف دخول العمال من القطاع. في الحكومة، ولا سيما في “الشاباك” على اعتبار أنه الجسم المهني المخول، يأخذون هنا على مسؤوليتهم مخاطرة محسوبة. في عملية “بزوغ الفجر” قتل أيضا مدنيون فلسطينيون. شخص ما يمكن أن يرغب في الانتقام لهم.
بالإجمال، خرجت إسرائيل عن طورها من أجل مكافأة “حماس” على اختيار عدم المشاركة في العنف ضدها.
الافتراض هو أن وضع البنى التحتية والاقتصاد في القطاع سيئ جدا إلى درجة أن “حماس”، استنادا إلى مسؤوليتها عن حياة السكان، ستفضل اختيار الهدوء لفترة طويلة.
بعد العملية يوجد تردد بين رؤية نصف الكأس الملآن والنصف الفارغ.
اختارت الحكومة التركيز على النصف الملآن، لكن أيضا يمكن الادعاء ضد قرار الحكومة بأن التفاهمات مع “حماس” كان يمكن أن تشمل هدوءا أمنيا كاملا مقابل تسهيلات اقتصادية كبيرة ودخول العمال.
عمليا، لم تنجح “حماس” (ربما لم تحاول بشكل كبير) في ضبط “الجهاد الإسلامي” عندما دفعته إسرائيل إلى ذلك.
باختصار، تتمسك إسرائيل بكل قوة بسياستها السابقة، تسهيلات متزايدة لـ “حماس”، على أمل التوصل إلى استقرار بعيد المدى.
ربما كان يجب أن نضيف مسبقاً نجمة تحفظ للتسوية مع “حماس”: التعهد بالهدوء لا يسري على أصدقائنا في “الجهاد الإسلامي”، ولا تقع علينا مسؤولية ضبطهم.
عمليا، سجل جهاز الأمن سلسلة نجاحات مثيرة للانطباع، من بينها تقليص المعركة إلى ثلاثة أيام تقريبا.
المعلومات الاستخبارية الدقيقة والتعاون المستمر بين الاستخبارات العسكرية و”الشاباك” وسلاح الجو مكنت من المس المنهجي بكبار قادة الذراع العسكرية لـ “الجهاد”، والاستعداد السليم في الجبهة الداخلية، وبالأساس اللمسة السحرية لـ “القبة الحديدية” (69 في المئة من الاعتراضات)، قللت الضرر إلى الحد الأدنى.
فقد تم إطلاق 1200 صاروخ وقذيفة هاون من القطاع، تسببت فقط بإصابات طفيفة وشظايا.
ورغم إطلاق عشرات الصواريخ نحو القدس وغوش دان ومطار بن غوريون لكن لم يصل جزء منها إلى هدفه. تقريبا 20 في المئة من القذائف سقطت في أراضي القطاع، وتسببت هناك بإصابات في أوساط المدنيين أكثر مما تسبب له الجيش الإسرائيلي بالخطأ.
أيضا لم تنجح عمليات أخرى، حيث فشلت جميع جهود “الجهاد” لجباية ثمن من إسرائيل.
استراتيجياً لحقت بالجهاد إخفاقات أخرى. فهو لم يجر “حماس” إلى مواجهة مع إسرائيل، ولم ينجح في إشعال ساحات أخرى.
أمين عام “حزب الله”، حسن نصر الله، قام بإلقاء خطاب آخر شديد، لكنه لم يحرك أي ساكن من أجل مساعدة شركائه في النضال في غزة.
الآن، مثلما هي الحال دائما، من الجدير الحفاظ على التناسب.
بمفاهيم “الإرهاب”، ومقارنة مع المواجهة مع “حزب الله” و”حماس”، فان “الجهاد الإسلامي” مثل منتخب خفي يقتصر على فئة معينة تم إرساله إلى مباريات المكابي.
في العادة يكون هذا الفريق قادراً على استغلال النقاط العمياء في استعدادات إسرائيل لشن هجوم مفاجئ. ولكن يبدو أنه في حالة الطوارئ كانت أفعاله تقريباً مكشوفة للاستخبارات الإسرائيلية.
عمل جهاز الأمن بشكل جيد واعتمد على نقاط قوته (الدمج بين سلاح الجو والتكنولوجيا والاستخبارات، إضافة إلى سلاح الجو)، كل ذلك لا يلغي الحاجة إلى إبراز قدرة وحدات سلاح البر، وبالأساس تغيير نظام الاحتياط.
من المفضل ألا نحتاج إليه، لكن لا يوجد للجيش أي خيار عدا الاستعداد لسيناريوهات أسوأ، يمكن أن يحتاج فيها الجيش إلى عملية برية.
على المستوى السياسي، إلى جانب تنسيق وثيق بين رئيس الحكومة، يئير لابيد ووزير الدفاع، بني غانتس، ظهرت علاقة موضوعية مع المستوى العسكري برئاسة رئيس الأركان، أفيف كوخافي.
وخلافاً لعدد من العمليات في السابق لم يكن هناك ضغط من الحكومة على الجيش و”الشاباك” من أجل إطالة العملية، في محاولة لتحقيق المزيد من صور الانتصار عديمة الأهمية الحقيقية.
لاحظ لابيد وغانتس بشكل دقيق سير الأمور، وسعيا إلى إنهاء سريع. وقد تم تحقيق ذلك بالأساس بفضل تدخل المخابرات المصرية. وليس صدفة أن إسرائيل أصدرت بيان شكر خاصاً للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي.
إذا تقدمت الحكومة بخوف معين للاختبار على خلفية نقص التجربة النسبي للابيد في المجال الأمني فإن الأمر لا يتبين من خلال الأحداث نفسها.
من الممتع جدا رؤية أزمة الثقة التي يمر بها البيبيون في الشبكات الاجتماعية.
ورغم كل الشتائم التي وجهوها إلا أنه لا يوجد أي دليل على أن حكومة الوسط تراجعت أمام “الإرهاب”.
أيضا وعد مصر لـ “الجهاد” بالاهتمام بسلامة السجينين الأمنيين المحتجزين في إسرائيل ضبابي بما فيه الكفاية كي لا يعتبر تنازلا إسرائيليا.
صرير واحد تم تسجيله مع ذلك. فقد احتج الوزير نيتسان هوروفيتس وبحق على قرار لابيد وغانتس عدم عقد الكابينيت الأمني للمصادقة على الضربة الاستباقية التي قام بها الجيش الإسرائيلي، والتي شملت تصفية شخصية رفيعة في “الجهاد”، وهي تيسير الجعبري.
قال الاثنان إن قرارهما تمت المصادقة عليه من قبل المستشارة القانونية للحكومة، المحامية غالي بهراف ميارا.
في حين أوضحت المستشارة أنه حسب رأيها فإن العملية لا تتفق مع نص المادة 40 في القانون الأساس: الحكومة، التي تنص على أنه لا يتم القيام بـ “عملية عسكرية مهمة والتي يمكن أن تقود إلى حرب بدرجة يقين شبه مؤكدة” إذا لم تتم المصادقة عليها في الكابينيت. قرارها، قالت، يستند إلى رأي الاستخبارات.
مع ذلك، يعتبر هذا حدا رفيعا جدا. في أيلول 2019 تم الكشف في “هآرتس” عن قضية “ليلة الصواريخ نحو أسدود”.
بعد أن أطلق “الجهاد الإسلامي” صاروخا وأجبر رئيس الحكومة في حينه على قطع اجتماع لـ “الليكود” في أسدود قبل أقل من أسبوع من جولة الانتخابات الثانية للكنيست، حيث حاول بنيامين نتنياهو القيام بعملية كبيرة ضد “الجهاد” في القطاع.
خشي المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، من أن نتنياهو يريد تجاوز رؤساء الأجهزة الأمنية والكابينيت، وطلب منه عقد الكابينيت. تم تأجيل العملية في النهاية شهرين. رغم الفرق بين الحالتين، ربما أن هذه السابقة كان يجب أن تقف أمام ناظري المستشارة القانونية الحالية.
وقف إطلاق النار أدى إلى تنفس صعداء مفهوم من جانب الكثير من الإسرائيليين. وحتى الآن يمكن أن يكون هذا صيفا طويلا ومتوترا.
في الشمال لم تتم بعد تسوية مسألة الحدود البحرية مع لبنان، ويواصل “حزب الله” تهديد منصة الغاز الإسرائيلية “كاريش”، ولم تبلور إيران والدول العظمى بعد اتفاقا نوويا جديدا في الوقت الذي تواصل فيه طهران مراكمة اليورانيوم المخصب وبكميات كبيرة، وفي الساحة الفلسطينية تواصل السلطة الفلسطينية فقدان السيطرة على ما يحدث في الضفة الغربية، ومن غير الواضح كيف ستتصرف “حماس” بعد العملية في القطاع. يمكن الأمل بأن يكون هذا الاشتعال هو الأخير في هذا الصيف، لكن حتى الآن لا توجد أي طريقة لضمان ذلك، في الوقت الذي تنتظرنا فيه انتخابات أخرى للكنيست في تشرين الثاني القادم.

عن “هآرتس”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى