إسرائيل في الطريق إلى الضياع بفعل الاحتلال: اليمين، والوسط، واليسار.. صامتون !
دان بيري

دان بيري

إنه أمر مدهش أن نشهد غياب نقاش مهم حول التداعيات الديمغرافية لارتباط إسرائيل بالضفة الغربية، وهي قضية يحتمل أن تحدد مستقبلنا هنا أكثر من أي قضية اخرى. ينشغل عامة الناس بألف قضية تبدو ملحة اكثر، لكن تجاهل قيادة اليسار – الوسط للمسألة الديمغرافية قد يتم ذكره في سجلات التاريخ على أنه خطأ استراتيجي فادح يصعب تصديق حدوثه.
الوضع الاساسي هو أن إسرائيل اليهودية تسير نحو الضياع وتقريباً لا يتحدثون عن ذلك. الامر ممتع بنظرة عامة، ومن زاوية نظر تاريخية. خدمتُ مراسلا دوليا مدة ربع قرن، وكنت المحرر الرئيسي في وكالة «اسوشييدت بريس»، وفي مناطق اخرى في اوروبا وافريقيا والشرق الاوسط وجزر الكاريبي. وقمت بتغطية حملات انتخابية في نحو 100 دولة، وواجهت أكثر من مرة سطحية في الخطاب السياسي، لكن لم أشاهد فشلا معرفياً كهذا في أي مكان آخر.
بالطبع هناك تفسيرات. ينفي معظم اليمين أن احتلاله المسيحاني يعرض الدولة الصهيونية للخطر، ويعرف جزء منه كيف يحسب ويأمل حربا ضخمة تطرد العرب. في الحالتين ليس لليمين أي مصلحة في طرح هذا الموضوع، لأنه لا توجد لديه إجابات تجعله في وضع جيد.
في اليسار – الوسط الوضع معقد أكثر. لن يكون من المبالغ فيه القول إن ادراك أن الاحتلال يؤدي الى فقدان الاغلبية اليهودية هو تقريبا الأمر الاساسي الذي يحدد هذه الكتلة. فلماذا، إذاً، يصمتون؟ أقدر بأن الليبراليين محرجون من الحسابات الديمغرافية العلنية، ومن المشكوك فيه أن الأمر يتعلق بقومية متطرفة من الجمهور. الصورة الذاتية لليبرالي العادي في العالم الغربي بشكل عام لا تتساوق مع احصاء الاشخاص حسب الانتماء الاثني (في فرنسا أصبحت السلطات نفسها لا تفعل ذلك). إضافة الى ذلك، يخلق هذا الموضوع عدم ارتياح امام الشركاء العرب، من إسرائيل ومن المنطقة ايضا، لأنه يبدو مخالفاً للصورة الإيجابية للمساواة والأخوة بين الأمم.
كل شيء واضح، لكن من المرغوب فيه التغلب على هذه الصعوبات، ليس فقط لأنه من النفاق الهرب من الموضوع الذي باسمه تجمع اليهود في «ارض إسرائيل». فنحن في فترة انتخابات. ومن المقبول التفكير بهذه الايام التي أصبح فيها من غير الممكن اقناع أحد بشيء، لكن هذا صحيح فقط عندما نعود الى الشيء ذاته. صحيح أن الناس يستجيبون للتغيير، وهنا توجد إمكانية كامنة لتغيير الرسائل التي ستخاطب قلوب مؤيدي اليمين.
في نهاية المطاف فان معظم مصوتي اليمين شركاء في هدف المشروع الصهيوني، واقامة دولة مع اغلبية يهودية في الوطن التاريخي للشعب اليهودي. تحقق الهدف بصورة ما (بسبب إعادة الاستعمار والكارثة واخطاء العرب)، في اطار حدود 1967. ولكن الآن اصبحت هناك أغلبية عربية داخل الـ 15 مليونا من السكان الذين يعيشون بين النهر والبحر. الأمور معروفة لقراء شاؤول اريئيل في «هآرتس»، لكنها غير معروفة لمعظم الجمهور في إسرائيل. تجاهل ذلك هو مثل النوم فوق سكة الحديد في الوقت الذي ينطلق فيه القطار بسرعة باتجاه الشخص المستلقي.
توجد لديّ رسالة من العالم الواسع لزعماء اليسار – الوسط اللطيفين: لا يوجد ما نخجل منه في الدولة القومية وفي محاولة الحفاظ عليها. لم ترغب البرتغال في وجود أغلبية اسبانية، ولم ترغب كوريا في وجود اغلبية يابانية. هذا من طبيعة معظم المخلوقات (جميعنا نبحث عن الانتماء لشيء ما)، وهذا كان اساس معاهدة السلام في ويست فاليا، وهي الاتفاقات التي وقعت قبل 300 سنة من ولادة إسرائيل وأنهت فترة طويلة من الحروب في أوروبا من خلال وضع المبدأ الذي يقول بأنه على أنقاض امبراطوريات متعددة القوميات ستقوم دول ذات سيادة.
يمكننا الأمل بعالم أفضل، لن يكون فيه مهماً للناس أن يتجمعوا مع الذين يشبهونهم في ارجاء العالم، والاستخفاف بهذه الدول السيادية ذات النزعات المركزية: هل من المهم حقا، إذا كانت واحدة منها هي هنغاريا والاخرى رومانيا؟ بعد ثلاث سنوات من العيش في رومانيا عرفت أن هذا مهم ومهم، بالاساس لأن ما يحدد الانسان في نظر نفسه هو اللغة التي يتكلمها. هكذا وجدت نفسي اجري مقابلة مع رئيس المدينة الكبرى في ترانسلفانيا، وهو اقليم مختلط، وضع نصب عينيه اقصاء اللغة الهنغارية من الفضاء العام (هذا الشخص الوطني المتطرف جورجا بونار وكان هو ايضا على قناعة بأن النساء في هنغاريا يغرين ويحرضن زعماء الغرب ضد رومانيا). الى الغرب من هناك وجدت نفسي أقوم بتغطية حرب بين انفصاليين روس لم يستطيعوا تحمل أن ستالين ضم إقليمهم، ترانسيلستريا، الى مولدوفا غير السلافية. وقد فعل ذلك بالضبط من اجل توريط مولدوفا في مشكلة ديمغرافية.
إن عدم قدرة مجموعات إثنية مختلفة على تقاسم الفضاء ذاته أدى الى الحرب الاهلية الدموية في يوغسلافيا، التي هي ايضا شهدتها عن قرب، والتي يجب أن تقض مضاجع جميع الساذجين الذين يؤيدون تحويل إسرائيل الى دولة ثنائية القومية.
قضية اللغة والثقافة هي مهيمنة جدا الى درجة أنها تشكل عاملا له وزن كبير في الولايات المتحدة حيث عشت هناك فتى. رغم أنها ليست دولة قومية كلاسيكية وأن فيها ذوي الاصول الايطالية واليابانية والسويدية يحافظون بتعصب على هيمنة اللغة الانجليزية امام الهسبان الذين هم المتهمون دائما، بسبب وزنهم الكبير في السكان، في محاولة تحويل أميركا الى أمة ثنائية القومية. ايضا في الولايات المتحدة يعرفون أن اللغة المشتركة هي الامر الاساسي الذي يحافظ على مظهر الوحدة، وبالتأكيد اكثر من القيم السامية.
هناك عدة أمثلة لدول تفككت بصورة سلمية، وبقيت كل واحدة منها منفصلة مع ثقافتها. التشيك وسلوفاكيا، على سبيل المثال. ولكن في الاغلب تتمسك الدول بشكل غبي بالمناطق الجغرافية، وتجد صعوبة في التنازل عنها رغم المصلحة في أن تكون متجانسة.
في السياق الحالي يمكن التساؤل: أليس من مصلحة اوكرانيا، رغم أنه يجب عدم اعطاء جائزة لبوتين، التنازل عن منطقة دومباس في الشرق، التي معظم سكانها من الروس؟ في هذه الاثناء تصمم اوكرانيا على أن تعيد لنفسها جميع اراضيها (الضخمة) بتعصب (وبطولة).
ربما يوجد المثال الأوضع لوضع إسرائيل في لبنان. فهناك رفض المارونيون اقتراحات فرنسية لاقامة دولة صغيرة ومتجانسة من بيروت وحتى جونية. أي إسرائيلي يهودي يجب عليه تعلم ماذا حدث للمسيحيين في لبنان نتيجة قصر النظر. الآن هم اقلية مسحوقة تحت حذاء «حزب الله». أعرف الكثير من المسيحيين اللبنانيين، ولا يوجد بينهم واحد غير نادم على اختيار آبائه.
هل يحتمل أن اليهود لم يتعلموا الدرس؟ كيف لا يعرفون أنه عندما يناقشون المنطقة الجغرافية المأهولة باغلبية ساحقة من ابناء شعب آخر تكون قد أخذت الكثير ولكنك لم تأخذ أي شيء؟ بالطبع هذا الموضوع معقد وهناك حاجة الى مواجهة الكثير من الادعاءات.
أولا، هناك من يقولون بأنه لا توجد مشكلة لأن الفلسطينيين لا يصوتون للكنيست. وعلى هؤلاء اجيب بأنه لا يمكن أن نحرم جزءا كبيرا جدا من السكان من حقهم في التصويت. هذه وصفة لحرب اهلية ستكون في نهايتها دولة ثنائية القومية. إذا هبط تقسيم البلاد عن الاجندة كما يأمل اليمين فان الظروف ستفرض على إسرائيل، بعد عملية مؤلمة، منح المواطنة الكاملة للفلسطينيين، مثلما حصل السود في جنوب افريقيا. ومثل البيض هناك، سيهرب اليهود الذين يمكنهم المغادرة قبل قليل من حدوث ذلك، لأن إسراسطين، رغم احلام اليسار المتطرف، ستكون شبيهة اكثر بيوغسلافيا من بلجيكا.
هناك من يقولون بأن الفلسطينيين يجب أن يصوتوا في الأردن. وهؤلاء أرد عليهم بأن حق التصويت ذو صلة بالدولة التي يعيش فيها الشخص، وليس بدولة معينة مرتبطة به بهذا القدر أو ذاك.
هناك من يقولون بأنه لم تعد هناك مشكلة لأن قطاع غزة تم إخراجه من المعادلة. وهؤلاء أرد عليهم بأنه بعد خصم غزة فان اليهود يشكلون فقط نحو 57 في المئة من اجمالي السكان. وحتى الاغلبية الصغيرة هذه ستتآكل وتختفي. هذه ليست دولة يهودية. ويجب علينا التذكر بأن اليمين بغبائه عارض الخروج من غزة.
هناك من يقولون بأنه لا توجد مشكلة لأن الفلسطينيين غير موجودين حقا هنا. هم موجودون في مناطق أ. ولكن مناطق أ هي جيوب لا يوجد تواصل بينها، اعطيت فيها للسلطة الفلسطينية صلاحيات بلدية فاسدة بشكل خاص، وكل ما تبقى هو نفاق. تسيطر إسرائيل على الحركة بينها وحولها، وعلى مداخل ومخارج الضفة وعلى الموارد الطبيعية، وعلى العملة وعلى الأجهزة الأمنية والقانونية المهمة والمرغوب فيها جدا. هكذا لا يتم بناء الفصل. هكذا ايضا لا يتعاملون مع البشر. سينفجر هذا في وجه الجميع. اضافة الى ذلك، اليمين الذي يتمسك الآن باتفاق الحكم الذاتي، ربما من اجل استخدامه كورقة تين، عارض هذا الاتفاق في التسعينيات بهستيريا مخيفة، انتهت بقتل رئيس الحكومة، اسحق رابين.
هناك من يقولون إن الضفة الغربية ذخر أمني. وهؤلاء على حق. الانسحاب الكامل سيبقي إسرائيل بعرض اقل من 20 كم في منطقة نتانيا. الضفة الغربية هي بالفعل هضبة تطل على الشارون وتطوق القدس. إذا سقطت في يد «حماس» فستكون هناك مشكلة. وفي هذا الشأن فان سابقة غزة لا تبشر بالخير.
ولكن هذه المبررات تعزز الادعاء الذي يقول بضرورة الحرص الزائد على ترتيبات امنية أو ربما استمرار الاحتلال العسكري لفترة معينة، الاحتلال الذي يمكن التراجع عنه مثلما كانت الحال في لبنان. ولكن الامر ليس هكذا بالنسبة للمستوطنات، لا سيما التي تقع خلف جدار الفصل. هدفها هو تحويل تقسيم البلاد الى أمر مستحيل. الآن يوجد نحو 100 الف مستوطن يجب تحريكهم، وهذا سيكتنفه وجع رأس كبير.
يريد اليمين، كما هو معروف، مواصلة إقامة المستوطنات بسبب «حق» كل يهودي في العيش في أي مكان، لكن دون أن نضم الضفة الغربية لا يوجد في الواقع «حق» قانوني كهذا، وعلى أي حال هم يخلطون بين الحقوق والمصالح. من غير المجدي مواصلة الاستيطان.
هناك بالطبع ادعاء اخلاقي ضد كل الوضع من البداية وحتى النهاية. ولكن ليست لدي اوهام بأن هذا الادعاء سيغير ناخبين.
بقينا مع مسألة المصوتين العرب. إبراز موضوع الاغلبية اليهودية يمكن أن يثير اعصابهم، واليسار لا يجوز أن يخاطر ببساطة، بأن تهبط اكثر نسبة مشاركة العرب في الانتخابات. كنت سأتوجه اليهم بالمستوى ذاته، اعتمادا على المبدأ الذي يقول إن الناس يعترفون ويقدرون الحقائق: نريد دولة فيها أغلبية يهودية، لكن من الآن فصاعدا سيتم تقديم شراكة حقيقية للمواطنين العرب ومساواة في جميع المجالات وعلى جميع المستويات، منها الوظائف والميزانيات والاحترام والتقدير، وحتى نوع من الاعتذار عن الخطأ. ولكن يجب أن نكون عمليين. مع كل التعقيد فان حل الدولتين هو الشكل الصحي الوحيد الذي يمكن أن يحدث هنا حقا.
حسب تقديري أغلبيتهم ستفهم. هم يعرفون، رغم الافتقار الى اللباقة السياسية، بأن هناك فرصة افضل بكثير لحكومة عادلة وحياة معقولة في دولة يهودية (غربية بالأساس).
وماذا بالنسبة للعنصريين اليهود؟ من المؤكد أن نواتهم الصلبة ستشتاط غضبا امام السلوك النزيه تجاه العرب. ولكن الامر يتعلق باليمين العميق، ولا يوجد ما نخاف من استيقاظه. فهم سيصوتون في كل الاحوال.
للاجمال، من الجنون ببساطة أن عددا كبيرا جدا من الإسرائيليين اليهود لا يدركون ضرورة تقسيم البلاد، ليس كمعروف للعرب بل للحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية عاقلة. وهناك مذنبون سياسيون بهذا الجنون، احزاب اليمين وسياسيو اليمين. وهناك واحد بشكل خاص يحدد النغمة في اليمين منذ ثلاثين سنة تقريبا. كان يمكنه التحدث الى جمهوره وقول الحقيقة له والتأثير عليه، لكنه يفضل التقسيم والتحريض وتجميع الهدايا وتهديد جهاز القضاء.
يعرف هذا السياسي جيدا قوة التصنيف، حيث اليمين بطبعه متشائم اكثر، الذي يخرجه من جعبته بسهولة كبيرة في كل العالم (على سبيل المثال دونالد ترامب والقابه التي لا تنسى التي الصقها بهيلاري كلينتون وجو بايدن مثل «هيلاري المعوجة» و»جو الناعس»، وبكل من هدده ولو ثانية). كان لليمين في إسرائيل الكثير من الشعارات المشابهة، بدءاً بـ «بيريس سيقسم القدس» ومرورا بـ «بيبي أو الطيبي» وانتهاء بـ «بيبي سيتر».
ربما أن اليمين مؤهل للتعاون، لكنه أيضا يدمر ما تم بناؤه بجهود كبيرة. وهو بوقاحته يتجرأ على تصنيف نفسه بـ»المعسكر القومي»، هذه نكتة سيئة. فكل إسرائيلي يعنيه المستقبل يجب عليه ازدراء هذا التصنيف وأن يقاطعه بازدراء حازم. من الآن فصاعداً يجب تسميته «المعسكر ثنائي القومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى