إسرائيل لن تفلت من العقاب
د. ناجى صادق شرّاب

اسرائيل الدولة الأقوى عسكريا والنووية ، والمسلحة والمحمية بتحالف إستراتيجي مع الولايات المتحدة ألأقوى عالميا في حالة ذعر وخوف وقلق سياسى من مجرد قرار تمهيدى للمدعية العامة للجنائية الدولية، فاتو بنسودا، بفتح تحقيق في كل جرائم الحرب والقتل التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، وهو الاتهام الذي إذا ثبت وأكتمل سيطال كل قياداتها السياسية والعسكرية، ويفرض عليها حالة من الحصار والتحصن داخل حدود قوتها العسكرية.

هذا القلق والخوف عبر عنه نتانياهو في تصريحاته التي ذهبت الى حد اتهام الجنائية بسلاح معاداة السامية ، وأنها لا تملك اي إختصاصات او صلاحيات قضائية للقيام بتحقيقاتها على أرض تعتبرها لها، وتمارس عليها قضائها وقوانينيها. وان فلسطين ليست دولة وليس من حقها مقاضاة إسرائيل. وهى نفس التصريحات التي أدلى بها المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، ابيحاي ماندلبنت, بل ذهبت بعض الأصوات ألإعلامية لسن قوانين على غرار ما قام به الكونجرس الأمريكي بمعاقية أي دولة تتعاطف مع المحكمة في مثل هذه التحقيقات ، ومنع المسؤوليين فيها من الحصول على تأشيرات دخول لإسرائيل.

هذه التصريحات إلى جانب تهديد الولايات المتحدة بمعاقبة المحكمة ومسؤوليها، ووقف اى دعم عن الدول التي تبدي اي مساعدة لها. كل هذا الذعر والقلق وما زلنا في المرحلة ألأولى من مسيرة تحقيقات قد تطول وتستغرق سنوات عديدة. والسؤال لماذا هذا القلق والخوف والذعر؟

الأسباب كثيرة أولها خاصة بالمحكمة التي لا تملك الولايات المتحدة ولا إسرائيل صلاحيات وسلطات مباشرة عليها ، فهى هيئة قضائية مستقلة ومحايدة وتضم 123 دولة من أعضاء الأمم المتحدة. وكما نعلم كل من أمريكا وإسرائيل ليستا أعضاء فيها ولم يصادقا على معاهدة روما المؤسسة للمحكمة. وهنا الولايات المتحده لا تملك حق الفيتو الذي وظفته وأستخدمته لحماية إسرائيل في مجلس الأمن، ولتحول دون فرض اية عقوبات عليها، وعطلت كل قرارات الشرعية الدولية.

ثانيا، حجة ان فلسطين لا تملك الأهلية لأنها ليست دولة كاملة السيادة، فهذا مردود عليه بتوقيع فلسطين على معاهدة روما، والاعتراف الدولي بها كدولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة، وان مسألة عدم إكتمال العضوية سببه ليس أهلية فلسطين كدولة ، ولكن بسبب الاحتلال الإسرائيلى المدعوم بالفيتو الأمريكي والذي يحول دون حصول فلسطين على كامل عضويتها.

وثالثا، ان المحكمة فعلا قامت بالعديد من التحقيقات تزيد عن عشرين قضية في أفريقيا، واليوم توسعت دائرة هذه القضايا لتشمل الفلبين وميانمار والصين ومسلمي الأيغور، فهي بهذا أثبتت الكفاءة والقدرة، ولم تحل اي ضغوطات دولية دون قيامها بمهامها القضائية وملاحقة مجرمي الحرب.

ورابعا، تدرك إسرائيل انها لا تستطيع ان تمنع المحكمة من القيام بدورها حتى لو منعت مسؤوليها من الدخول لآراضيها ومتابعة ملفات التحقيق، وأن التحقيقات التي قامت بها إسرائيل لبعض ما قامت به قواتها من حرب وعمليات قتل، ليست إلا تحقيقات ومحاكمات شكلية لا تفي بالغرض منها، ولم تصدر اي أحكام عقابية فيها.

وخامسا، وهذا هو ألأهم ان ما قامت به إسرائيل فعلا في كل الآراضي الفلسطينية يرقى لجرائم حرب وإبادة شاملة مما يعرض قادتها للملاحقة الجنائية والقبض عليهم ومحاكمتهم، فالحروب الثلاث في غزه، والتي راح ضحيتها الآلآف من المدنيين الأبرياء، وتدمير عشرات آلاف المنازل التي ما زالت شاهدة على هذه الجرائم، والاعتقال والقتل المتعمد والذي طال أطفالا ونساء ومسنين عزلا، كله موثق من قبل مؤسسات حقوقية ويكفي أن تأخذ المحكمة قراراتها. فإسرائيل تعرف وتدرك ان ما قامت به يرقى لمستوى جرائم الحرب والقتل الجماعي ويكفي لمعاقبتها، ولعل هذا سبب القلق والذعر لدى قادتها.

وسادسا، اعتادت إسرائيل ان تكون فوق القانون وفوق العقوبات الدولية ، وان لا يجرؤ أحد على إنتقادها، ولعل هذه المقاربة الدولية كفيلة بنزع القناع عن إسرائيل، وكشف زيف ديموقراطيتها، وتؤكد أنها دولة احتلال ، وان هناك شعب مكتمل الأركان يعاني من هذا الاحتلال، وهذا من شأنه أن يوسع دائرة مقاطعة إسرائيل وانتقاد سياساتها، ومن ثم يضعف مواقفها الدولية، ويزيد من فرص دعم حق الشعب الفلسطينى في إنهاء الاحتلال.

ومن هذا المنظور فإن الدعوة التي ترفعها المدعية العامة للمحكمة ليس فقط معاقبة إسرائيل على جرائمها ، بل هي دعوة صريحة وقوية بضرورة وقف هذه الحروب وإنهاء إسرائيل لاحتلالها ، وممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره وفى قيام دولته.

وعلى أهمية هذا الحراك الدولى فلسطينيا، لكنه يحتاج إلى مزيد من العقلانية والتريث، ويتطلب ان نراجع كل خياراتنا وخصوصا اللجوء للقوة المسلحة وإطلاق الصواريخ التي قد تعرض الفلسطينيين وقادتهم أيضا لنفس المساءلة، ويتطلب التركيز على المقاومة السلمية الشعبية، وإدراك أن إسرائيل لن تقف مكتوفة ألأيدي وتنتظر إكتمال التحقيقات حتى تصل لمرحلة الإدانة ، فستعمل على إجهاضها في مراحلها ألأولى، وبدعم أمريكي ، وهو ما يعني اننا أمام معركة قانونية جديدة بين فلسطين وإسرائيل، وتحتاج من السلطة الفلسطينية وجميع الفصائل وقوى المجتمع المدني التوحد والتنسيق، فهذه المعركة ليست فلسطينية فقط، وتحتاج لوقت طويل. فالمسار القضائي قد يحتاج لسنوات عديدة تصل لعشر سنوات خلالها لا بد من عقلنة خيارات المقاومة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ديموقراطيا وتوحيد القرار الفلسطيني وتشكيل إدارة أزمة متخصصة دائمة للمتابعة والتخطيط ، فكل هذا الجهد يمكن ان يذهب هدرا جراء عملية في داخل إسرائيل او إطلاق صاروخ يتسبب في خسائر بشرية كثيره.

علينا أن نجيد إدارة المعركة على أننا الضحية ولسنا الجلادين. ويبقى ان المقاربة الدولية أبوابها كثيرة وواسعة ولكنها تحتاج إلى تكامل بين المقاربات والخيارات الداخلية في المقاومة السلمية وإنهاء الإنقسام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى