إسرائيل والقنبلة النووية الإيرانية
رندة حيدر

تحظى التقديرات السنوية لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بمتابعة واهتمام كبيرين داخل إسرائيل وخارجها، كونها من جهة تعكس قراءة هذه الأجهزة لتطورات الوضع في المنطقة وتصوّر التهديدات من وجهة نظر إسرائيلية. وتعرض مواقف هذه الأجهزة وردّها عليها، والتداعيات التي قد تنجم عن ذلك على الوضع في إسرائيل والمنطقة. وتساعد متابعة هذا كله في فهم العقل الأمني الإسرائيلي. ولكن ما شوهد، أخيرا، من تضارب في تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن المدة التي تحتاجها إيران لإنتاج أول قنبلة نووية يبعث على الاستغراب، ويطرح تساؤلات، ففي خطاب ألقاه الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) رئيس الأركان الإسرائيلي، أفيف كوخافي، في المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي، قال إن إيران بحاجة إلى أشهر، وربما أسابيع، لإنتاج أول قنبلة نووية. بينما جاء في التقدير السنوي الذي نشرته شعبة الاستخبارات العسكرية، أخيرا، أن المدة التي تفصل إيران عن القنبلة هي عامان. ويطرح هذا الفارق في التقديرات بشأن تهديد تعتبره إسرائيل “وجودياً” شكوكاً حول مدى جدّية هذه التقديرات ورصانتها.

في السنوات الماضية، شهدنا خلافاً بين المؤسسة الأمنية في إسرائيل وحكومة نتنياهو بشأن توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية في إيران. يومها، عارضت قيادة الجيش بشدة أي عمل عسكري منفرد ضد المشروع النووي الإيراني. وعكس هذا الموقف وجهة نظر المؤسسة الأمنية المعارضة لعمل عسكري ضد المشروع النووي الإيراني، يمكن أن يجرّ إلى حربٍ واسعة النطاق. ولكن يبدو أن هذا الموقف تبدل وتغير في المدة الأخيرة، سيما مع كلام رئيس الأركان عن إعداد الجيش خطة عسكرية ضد المشروع النووي الإيراني، ثم كلام وزير الدفاع، بيني غانتس، عن الموضوع أخيرا.

قد تكون عودة التهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري ضد المشروع النووي الإيراني من باب الضغط على إدارة الرئيس الأميركي، بايدن، للجم حماستها وردعها عن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران. ولكن هذا لا يبرر الفارق بين تقديرات رئيس الأركان بشأن المدة لحصول إيران على أول قنبلة نووية وتقديرات شعبة استخباراته. والمستغرب أن من المفترض برئيس الأركان أن يعتمد على تقديرات جهاز استخباراته، فما سبب الاختلاف في التقديرات؟ وما دلالاته؟

قد تكون عودة التهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري ضد المشروع النووي الإيراني من باب الضغط على إدارة بايدن، للجم حماستها وردعها عن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران.

أكثر من معلق رأى في موقف رئيس الأركان توظيفاً سياسياً، لأنه يدعم بصورة مباشرة موقف رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، من المسألة، وهو الذي، منذ اللحظة الأولى لفوز بايدن في انتخابات الرئاسة الأميركية، حذّر الإدارة الديمقراطية الجديدة من الإسراع في رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، ومن مغبة العودة إلى الاتفاق الأصلي، قبل إدخال تعديلاتٍ أساسية عليه، تتناول بصورة خاصة ما يطلق عليها مرحلة “الغروب”، أي انتهاء صلاحية الاتفاق، وإمكانية عودة إيران إلى تخصيب اليوارنيوم بصورة شرعية؛ وضرورة أن يشمل الاتفاق المعدّل مشروع الصواريخ الإيرانية الباليستية والتطلعات الإيرانية للهيمنة على دول المنطقة من خلال وكلائها.

قد يكون الدافع الثاني لكوخافي الضغط على الحكومة، لزيادة ميزانية الجيش، للاستعداد لعملية عسكرية إسرائيلية نوعية ضد المنشآت النووية الإيرانية عند الضرورة. وهناك أيضاَ من رأى في كلام كوخافي رسالةً ضمنية موجهة إلى الإدارة الأميركية الجديدة.

في المقابل، على الرغم من أن شعبة الاستخبارات العسكرية تتفق مع رئيس الأركان على ضرورة عدم رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، لكنها تختلف معه بشأن الفترة التي تفصل إيران عن إنتاج أول قنبلة نووية. قد يكون أحد الدوافع الرد على التضخيمات الأخيرة، محاولة شعبة الاستخبارات التخفيف من خطورة التهديد المباشر للمشروع النووي الإيراني حالياً، والتركيز على تهديداتٍ أخرى أكثر إلحاحاً، مثل تهريب إيران السلاح، واستمرار تمركزها العسكري في سورية، وخطر الصواريخ الدقيقة التي لدى حزب الله وإمكانية اشتعال الجبهة على الحدود الشمالية مع لبنان التي تعتبرها أكثر الحاحاً من احتمال مهاجمة المنشآت النووية في إيران.

تحاول شعبة الاستخبارات التخفيف من خطورة التهديد المباشر للمشروع النووي الإيراني حالياً

من المحتمل أن يكون تقدير شعبة الاستخبارات العسكرية ردّا غير مباشر على قول وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إن إيران بحاجة إلى أسابيع لإنتاج قنبلة نووية، كي يدعو إلى الإسراع في العودة إلى المفاوضات. بمعنى آخر، استغل بلينكن ما قاله كوخافي عن أسابيع كي تصل إيران إلى القنبلة، ووظفه في خدمة السياسة الأميركية بالعودة إلى الاتفاق النووي في أقرب وقت. ربما هذا هو سبب الحديث عن عامين في شعبة الاستخبارات العسكرية، ما يعني أن ثمة وقتا لاستمرار الضغط على طهران. وعلى أي حال، يبدو أن كل هذه التقديرات تخدم غاية واحدة، تتمثل في إقناع إدارة بايدن بفتح قنوات حوار مع إسرائيل قبل البدء بالمفاوضات مع إيران، والتوصل معها إلى تفاهمات، وإعطائها دوراً في صياغة التعديلات على الاتفاق الجديد بما يتلاءم مع مصالحها.

السؤال الذي يبقى من دون جواب حقيقي: ما هي المدة التي تفصل إيران عن القنبلة النووية؟ أسابيع أشهر أم عامان؟ الجواب خاضع، على ما يبدو، للاعتبارات السياسية وتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى