إسرائيل والمغرب.. أكثر من تطبيع أقل من تحالف
ماجد عزام

قام وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال بيني غانتس، الأسبوع الماضي، بزيارة إلى المغرب وُصفت بالتاريخية، حيث التقى نظيره المغربي عبد اللطيف لوديي ومسؤولين عسكريين وسياسيين آخرين، كما وقّع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري والأمني بين الجانبين تتضمن تنسيقا استخباراتيا وإجراء مناورات مشتركة، وشراء وحتى تصنيع المغرب معدات ومستلزمات عسكرية إسرائيلية.

لا يمكن بالطبع إنكار الطابع التاريخي للزيارة، خاصة مع وجود مرافقين بالزي العسكري الإسرائيلي ضمن حاشية غانتس، وإجراء صلوات بكنيس الرباط على نية جنود جيش الاحتلال، ومع ذلك يمكن توصيف ما جرى ويجري بين البلدين منذ عام تقريباً بأنه أكثر من تطبيع وأقل من تحالف استراتيجي، وهو المصطلح الذي تسعى الصحافة والإعلام المجنّد في إسرائيل لترويجه كحقيقة واقعة لا شك فيها.

عندما تم تداول مصطلح التطبيع بين إسرائيل والدول العربية قبل أكثر من ثلاثة عقود، إثر توقيع الدولة العبرية معاهدة كامب ديفيد مع مصر ثم وادي عربة مع الأردن، كان الحديث أساساً عن علاقات دبلوماسية واقتصادية واجتماعية عادية أو طبيعية مع الاحتلال، وتشمل أساساً تعاونا اقتصاديا وحتى فكريا ثقافيا وفنيا ورياضيا؛ يتعلق بإنهاء حالة العداء ليس فقط في السياق الرسمي وإنما الشعبي أيضاً.

إلا أن التطبيع بقي بارداً في السياقين المصري والأردني بسبب الرفض الشعبي والقاطع العنيد، ورغم التطورات المتلاحقة في الشهور الأخيرة التي تضمنت اتفاقات تعاون اقتصادي في قطاع الطاقة والغاز بين تل أبيب والقاهرة وعمان، فلا أحد يتحدث عن تطبيع شعبي أو ثقافي وفكري وفني ورياضي، في ظل رفض المجتمع وممثليه خاصة في النقابات المهنية والطلابية للتطبيع أي كان شكله، ونبذ وإقصاء كل من يتجرأ على فعل ذلك.

أخذ التطبيع شكلاً آخر بعد الاتفاقيات الإبراهيمية التي قادتها دولة الإمارات قبل أكثر من عام، وبات يطال جوانب إضافية ذات طابع علني، مع زيارة آلاف الإسرائيليين إلى دبي وتجوّلهم بحرية هناك، على عكس ما يجري في القاهرة وعمان وحتى في الرباط والدار البيضاء. لكن هذا التطبيع المحدث وُوجِهَ أيضاً بمقاطعة شعبية واجتماعية واسعة، حتى أن الإمارات لم تجد سوى طالب أو طالبين لإرسالهم للدراسة في إسرائيل، واضطرت لطرح منح دراسية على دول عربية لتشجيع طلابها على الدراسة في الدولة العبرية، كما حصل في الجامعات الأردنية وقوبل أيضاً برد فعل طلابي وشعبي وإعلامي شديد وعنيد.

أما التعاون الأمني والعسكري الإماراتي مع إسرائيل والذي تضمن جراء مناورات بحرية – بمشاركة البحرين – مع أمريكا وإسرائيل، فبدا دعائيا ونفسيا يهدف أساساً إلى بث رسالة بأن الإمارات محمية ومحصنة، علماً أن هذه الأخيرة حرصت على توجيه تطمينات لإيران مفادها أن المناورات لا تستهدفها. وعلى العكس، تسعى أبو ظبي لتحسين وتطوير العلاقات وفتح صفحة جديدة في العلاقات معها، بما في ذلك تشغيل الخط التجاري البري إلى تركيا وأوروبا عبر الأراضي الإيرانية، مع الغمز لطهران في ما يخص قيادة الإمارات جهود تعويم بشار الأسد ونظامه، رغم كونه التابع والأداة أو إحدى الأدوات الإقليمية المركزية لطهران في المنطقة.

ورغم ذلك فإن التطبيع مع الإمارات لم يصل إلى حد توقيع تفاهمات واتفاقيات واسعة للتعاون الأمني والعسكري، كما هو الحال مع المغرب، وحتى تعديل الملحق الأمني لمعاهدة كامب ديفيد مع مصر الشهر الماضي تم في السرّ، وبذلت جهود مصرية حثيثة لإبقائه بعيداً عن الإعلام قدر الإمكان. حثيثة لإبقائه بعيداً عن الإعلام قدر الإمكان

عموماً، سعت أبو ظبي من وراء التطبيع مع إسرائيل خاصة في السياق الأمني والتكنولوجي؛ إلى التأكيد على أنها ورغم الانكفاء الأمريكي عن المنطقة تتمتع بتأييد ودعم أو حتى حماية إسرائيلية، تحديداً في السياق الأمني في كل الأحوال. ورغم أن الانطباع الأولي هو أنه لم يصل التطبيع مع الإمارات إلى حد التحالف ولم يصل إلى ما وصل إليه في الحالة المغربية، خاصة في السياق العسكري والأمني ووجود ضباط كثر بزيّهم الرسمي ضمن وفد بيني غانتس الرسمي، ثم الصلاة غير المسبوقة في كنيس الرباط؛ ليس فقط للملك محمد الخامس والتطبيع والعلاقات بين الجانبين، وإنما على نية جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه.

في السياق المغربي أيضاً ولوجود بنى تحتية ناجمة عن العلاقات التاريخية شبه العلنية لنظام الأب والابن مع إسرائيل، تسارعت جهود التطبيع بوتيرة ملحوظة وعلى عدة مستويات اقتصادية، مع سعي لعقد اتفاقيات ورفع التبادل التجاري، والتحضير لعقد منتدى لرجال الأعمال المغاربة والإسرائيليين خلال الفترة القادمة.

رغم ذلك، فإن التطبيع الاقتصادي سيظل محصوراً في قطاعات محدودة مستفيدة منه، ولن يمر أو يتوسع مجتمعياً في ظل الرفض الشعبي الواسع والقاطع له.

أما التطبيع الأمني والعسكري وحسب مذكرة التفاهم الأخيرة، فيتضمن تعاونا استخباراتيا وأمنيا ومناورات مشتركة، وشراء وحتى تصنيع المغرب مستلزمات ومعدات إسرائيلية خاصة في قطاع التكنولوجيا والعسكرية والطائرات المسيّرة. وهو أيضاً سيظل محصوراً في قطاعات نخبوية ورسمية بعيداً عن الشارع الغاضب والرافض.

وإضافة إلى ما سبق فإن إطلاق مصطلح تحالف استراتيجي على ما يجري مبالغ فيه لعدة أسباب؛ منها مثلاً صعوبة تحلل النظام المغربي رسمياً وإعلامياً من مواقفه تجاه القضية الفلسطينية التي تمثل ولو على المستوى النسبي جزءاً من مشروعيته السلطوية.

وأهم من ذلك بالطبع الرفض الشعبي من الجدار إلى الجدار، وكما رأينا في خروج تظاهرات عارمة في 36 مدينة مغربية ضد التطبيع، علماً أن منسوب الغضب الشعبي سيتصاعد مع الوقت، وسيشعر النظام أن من الصعوبة بمكان التوسع في التطبيع أو تحويله إلى تحالف في ظل الأثمان الداخلية الباهظة له.

لا يمكن الشك أيضاً في رغبة إسرائيل في استغلال التطبيع مع المغرب والتغلغل إلى وسط وغرب أفريقيا، بما في ذلك تأجيج الخلاف وصبّ الزيت على نار الأزمة الجزائرية المغربية. وهنا أيضاً من الصعوبة بمكان أيضاً تصور تنسيق وعمل مشترك إسرائيلي مغربي جدّي اقتصادي أو عسكري؛ قياساً للأثمان الباهظة محلياً وإقليمياً وأفريقياً أيضاً التي سيضطر النظام إلى دفعها.

أخيرا وباختصار، سيعي النظام المغربي آجلاً أو عاجلاً أن التطبيع يضر به وبشرعيته مباشرة، وسيعود مع الوقت إلى نمط التطبيع الأردني المصري التقليدي ولو بتحديث، ما يتضمن للأسف كسر حواجز نفسية في شكل وجوهر العلاقات مع تل أبيب، لكن بالتأكيد دون أن يصل الأمر إلى حد التحالف الاستراتيجي، كما يروّج الإعلام الإسرائيلي المجنّد لجعله حقيقة واقعة مفروغ منها، ولإحباط مقاومي التطبيع في الشارع المغربي، وحتى إحباط الشعب الفلسطيني نفسه بحجة تخلّي إخوانه عنه، وهو أمر غير صحيح بالتأكيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى