إسلاميو المغرب والجزائر وأزمات التكيف
خيري عمر

مع اندلاع أزمة معبر الكركرات في جنوب المغرب، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كان لافتا ترابط مواقف أحزاب “الإخوان المسلمين” في الجزائر والمغرب مع السياسة الرسمية الوطنية. قد لا يمثل ذلك إشكالاً، غير أن تزامن الأزمة مع خلاف بشأن الموقف من التطبيع مع إسرائيل وضع سلة الأحزاب أمام تحدّيات فكرية وسياسية، ضاعف تباين مواقف البلدين من أثرها. في هذا السياق، تضافر الجدل بشأن تقرير المصير للصحراويين مع إثارة الحقوق الفلسطينية، ليشكل تحدّياً لمدى القدرة على التكيف مع الدولة الوطنية والاقتراب من مشروع الأمة.

على مستوى الخطاب السياسي في مسألتي الصحراء والتطبيع، قامت محاججة حزب العدالة والتنمية في المغرب على أن إقليم الصحراء جزء من التراب الوطني، واعتبر، في 12 ديسمبر/كانون الأول الحالي، أن إعلان الولايات المتحدة الاعتراف بتبعية الصحراء للمغرب يؤكد على سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ويدعم الموقف المغربي دولياً، ويمثل خطوة في دعم الوحدة العربية. وخلص إلى أن مساندة الجزائر جبهة بوليساريو، تحريض على الحرب. وهذا ما أشارت إليه حركة التوحيد والإصلاح، عندما اعتبرت الصحراء قضية أمة وشعب ووطن، بَذَل المغاربةُ تضحياتٍ جِساماً لأجل تحريرها وتنميتها والنهوض بأوضاع ساكنتها. يقوم هذا المنظور على فرضية أن الوحدة الترابية والوطنية خطوة أولى لوحدة الأمة. وتؤسس الحركة المغربية موقفها على سوابق تاريخية، ظهر فيها الترابط الاجتماعي بين المغرب وإقليم الصحراء.

وفي مستوى آخر، تتقارب مواقف “العدالة والتنمية” والملَكية تجاه بدء علاقات طبيعية مع إسرائيل، مع اختلافٍ في تكييف هذه العلاقة، حيث يذهب الحزب إلى التمييز ما بين جانبين؛ عدم ربطها بقضية الصحراء الغربية واعتبارهما منفصلتين، وأن القضية الفلسطينية ظلت ميراثاً نضالياً للمغرب على مدى العقود الماضية. ويمكن قراءة هذا الموقف إطارا توضيحيا للإرادة الملكية، وليس توجهاً إلى بناء موقف مختلف. تفيد بيانات الحزب، وكذلك حركة التوحيد والإصلاح، بوجود هامش ضيق للاختلاف، من دون محاولة تطوير صيغةٍ تسند ميراثها الأيديولوجي، حيث وقفت عند تأكيد تمسُّك الملك بحقوق الفلسطينيين والدفاع عنها.

وبينما حاول “العدالة والتنمية” تبنّي لغة مخففة لدى التذكير بمكونات الموقف المغربي تجاه القضية الفلسطينية القائمة على التأكيد على حل الدولتين وعدم اغتصاب الأراضي، كانت مواقفه أكثر حدّة تجاه اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، حيث اعتبرته بمثابة دعم للعدوان على حقوق الشعب الفلسطيني، 21 أغسطس/آب 2020، وشرعنةً لاغتصاب الأراضي ودعم الاستعمار. كما نظرت إليه حركة التوحيد والإصلاح “خيانة وطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني المقاوم، وخذلانا للإجماع العربي في موقفه الموحد ضد الاحتلال الصهيوني”. لاحقاً، وفي 12 سبتمبر/أيلول 2020، اعتبرت أن توجه البحرين إلى التطبيع جاء في وقت يتّحد فيه الفلسطينيون، من خلال تفاهم حركتي فتح وحماس في تركيا، لمقاومة صفقة القرن، ما يمثل غدرا بشهداء فلسطين، ولا يمكن تصنيفه سوى خيانة وتقديم خدمة للرئيس دونالد ترامب، من دون مقابل. يكشف هذا النمط عن وجود مستويين للخطاب السياسي تجاه المسألة الواحدة. وهنا يعكس اختلاف مستوى الخطاب انخفاض هامش التحرّك، فهو في حقيقته أكثر ارتباطاً بالدولة.

وعلى مستوى الحركات الجزائرية، وفي بداية تطور أزمة الكركرات، ثم فتح قنصلية إماراتية في الصحراء الغربية، بدت حركة البناء الوطني حاسمةً في دعم حق تقرير المصير. ووفق الموقع في سلطات الدولة، اتخذت الحركة قراراتٍ ترجح حالة الصراع المزمنة، سواء بتأكيد دعم “بوليساريو”، وتصنيف التحرك المغربي عدوانا وخرقا لاتفاق وقف إطلاق النار 1991، فيما دعت حركة مجتمع السلم (حمس) إلى استفتاء على تقرير المصير حلا نهائيا للصراع. وبعد إعلان المغرب عن اتخاذ إجراءات للتطبيع مع إسرائيل، قرأ إخوان الجزائر السياسة المغربية تستهدف حصار بلادهم واستقرارها، حيث تضعها تحت الضغوط الأوروبية والأميركية لدفعها إلى الانخراط في التطبيع أو التخلي عن دعم خيارات سكان الصحراء الغربية. وكانت حركة حمس شديدة النقد، واعتبرته قرارا “مشؤوما” يهدّد وحدة المغرب العربي، بسبب ربط قضاياه بإدخال الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل في النزاعات الإقليمية.

وعلى الرغم من سعي “العدالة والتنمية” المغربي إلى نفي الترابط بين الصحراء والتطبيع، يزيد تزامن بيان تفعيل العلاقات المغربية ـ الإسرائيلية مع اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، 10 ديسمبر/كانون الأول، من احتمالية وجود تبادلية أو تبرير المضي في التطبيع. قد تكون محاولات الحزب صحيحةً في ادعاء الفصل بين الحالتين، لكن وضوح تفويض الإرادة الملكية يعكس عدم رغبة الحكومة في مناقشة سياسات الدولة، والتي تتطابق مع البعد الوطني لإدماج إقليم الصحراء بالقوة، بما يتسق مع ما ذهب إليه رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، لتبنّي التحرك العسكري لأجل بسط سيادة الدولة.

ويمكن تقييم الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء في ضوء سوابق سياسية، فإذا ما رجعنا إلى أجواء صدور قرار مجلس الأمن رقم 2334، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، بإدانة مشاريع الاستيطان، حيث سادت أجواء تفاؤل، فيما حملت السنوات اللاحقة تداعياتٍ مخيبةً للآمال، عندما تسارعت حمّى ضم الأراضي الفلسطينية، وصار وضعها خارج نطاق المساومات في الموجة الحالية للتطبيع. فيما يخص قضية الصحراء، يبدو الموقف الأميركي مفرداً وضعيف التأثير دولياً، ويماثل حالة الاعتراف الواقعي. ولذلك، تبدو الجدلية الراهنة في مسألة التطبيع ماثلةً في السعي إلى إعلان علاقات غير مشروطة، لا توفر حماية ضد الاستيطان أو ضمانة لحل الدولتين.

بشكل عام، تشير الملاحظات الأولية إلى انصراف سياسات أحزاب، العدالة والتنمية في المغرب، والبناء الوطني وحركة مجتمع السلم في الجزائر، إلى اتخاذ مواقف تمجِّد الميراث السياسي لتعامل البلدين مع الأزمة الممتدة 45 عاماً. وهنا، تماثلت مواقف الإسلاميين في البلدين في الاحتجاج بالإرادة الشعبية مصدراً للشرعية السياسية، لكن الادّعاء المتبادل بفكرة الحق الطبيعي في الضم أو الاستقلال لم يكن مدعوماً بتفسيرٍ يفكّك تعارض المصالح. وعوضاً عن ذلك، ظهرت اتهامات وتأويلات سهلة بالارتباط بالسلطة وخدمتها كمخرج من نقص المؤونة الفكرية، وعدم اتخاذ مواقف يترتب عليها مسؤولية أو أعباء سياسية.

وفي سياق هذا التناول، يوضح مسار إخوان الجزائر والمغرب تطابق مواقفها مع الحكومتين. واقعياً، يمكن الاحتجاج بتباعد الإسلاميين عن النواة الصلبة لاتخاذ القرار السياسي، غير أن استمرار ذلك ضمن الوضع الراهن يفيد بأن مشاركة الإسلاميين في السلطة لازمتها حالة كسل عن التفكير في المستقبل، بشكلٍ جعلها غير قادرة على قراءة تحدّيات فكرة الأمة، فكل من الجانبين يؤسّس موقفه على سلامة التراب الوطني، فكما يستند “العدالة والتنمية” و”التوحيد والإصلاح” على وحدة التراب المغربي على خلفية شرعية تاريخية. يقوم الفكر السياسي لحركتي الجزائر على أساس تجربة التحرّر من الاستعمار وشرعية الدولة القائمة ونظامها الجمهوري الداعم لحق تقرير المصير.

وعلى الرغم من قدرة إسلاميي المغرب العربي على توليف مقترحاتٍ فكريةٍ للعمل السياسي، فقد ظلت أعمالهم الفكرية متأخرة عن السلطة السياسية، لتصبح منظماتٍ تقليدية تسعى إلى العيش في نظام سياسي تنحسر تقاطعاته مع الميراث الفكري للأمة. وسارت قناعاتٌ بأن التوجهات الوطنية تمثل مرحلة نضجٍ سياسي يستند للإرادة الشعبية، من دون طرح إطار لخفض التناقضات بين تجربة الدولة القومية على الجانبين، خصوصاً ما يتعلق بنقص أطر مساهمة المجتمع في صنع القرار أو المشاركة في بناء الخيارات السياسية. ولعل الخلاف حول حق تقرير المصير يعكس تراجع القدرة على صياغة مبادئ عامة للنظر في تعارض المصالح.

على أية حال، تكمن أهمية نقاش هذه الحالات في مرور هذه الأحزاب بتجربة المشاركة في السلطة بشكل متوافق مع قواعد العمل السياسي. فكما يقود “العدالة والتنمية” الحكومة المغربية، تعمل تنظيمات الإخوان الجزائرية ضمن الحكومة، وتبدو تجربة هذه الحركات متماثلةً في التكيف مع السلطة القائمة ودعم مقتضيات استمرارها. في هذا السياق، يمكن الإشارة بوضوح إلى مركزية الملكية وإمارة المؤمنين لدى “العدالة والتنمية” واعتبارها عصب الدولة، بحيث تحولت إلى قيمة فكرية وسياسية خارج المساومات. وبشكل مماثل، تتبنّى حركات الإخوان المسلمين في الجزائر، “حمس” والبناء الوطني، أفكار الجمهورية كحل أخير لبقاء الدولة، وظلت منحازةً لخيارات السلطة في وقت الحراك الشعبي في 2019 والاستفتاء الدستوري في 2020.

يشكل هذا الوضع حالة ميراثٍ سياسيٍّ يقوم على أرضية عملياتية، فيما لا تسعف الإمكانية الفكرية في توفير بدائل متناسقة، فعلى الرغم من تشكك الإسلاميين في الدولة الوطنية/ القُطرية والنظر إليها نقيضاً للأمة، تبدو محاولات التكيف معها كاشفةً عن حالة من القصور الذاتي وعدم القدرة على مجاراة الحوادث السياسية، حيث تبدو الأرضية الفكرية لتنظيمات الإخوان المسلمين غير قادرة على طرح تأويل للواقع السياسي، وصارت أسيرة تقديراتٍ متناقضة، سواء في ما يتعلق بالمسائل الجزئية، الوطنية، أو تلك الكلية كالتطبيع وحالة الأمة. هنا، يعكس الخلاف حول تكييف وضع الأراضي الصحراوية حالة التأخر الفكري بصورةٍ قد تتطلب مراجعة المشروع السياسي ومشواره ضمن القواعد الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى