إشكالية مقولة: “بدكم وطن أكثر وللا مصاري أكثر”
بقلم:المحامي زياد أبو زياد

الأحد… وكل يوم أحد

إشكالية مقولة : ” بدكم وطن أكثر وللا مصاري أكثر ”

 

ورد هذا التساؤل على لسان دولة رئيس الوزراء الأخ والصديق د. محمد اشتيه. وأعترف بأن هناك إشكالية كبيرة في الرد على السؤال مردها حقيقة ما إذا كان السائل قادر على توفير أي من الخيارين المصاري أم الوطن.

قد يكون القصد هو المفاضلة بين المصاري مع الرضوخ لسياسة الاحتلال أم رفض الرضوخ وبالتالي عدم أخذ المصاري لأننا نريد وطن.

ومع ذلك فإن الذي يؤرقني هو مفهوم الوطن عند السائل وما إذا كنت قادرا ً على الإتفاق معه حول ذلك المفهوم. فالوطن لا يتحقق فقط من خلال السياسة والجغرافيا …” إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس وحقوق اللاجئين وتبادل للأراضي بنفس المساحة والنوعية.”…فهذه الكلاشيه التي اهترأت من كثرة التشدق بها ، حتى ولو تحققت – وهذا أمر مستحيل – فإنها وحدها لا تحقق لنا الوطن الذي نصبو إليه ، لأن الوطن ليس فقط جغرافيا وهياكل حكومية. ونحن لم نلحظ حتى اللحظة بأن هناك أي قدر من الجهد الجاد الحقيقي يُبذل عندنا لتحقيق الوطن الذي نصبو إليه فيما وراء أو بعد تحقق تلك الكلاشيه التي باتت بلا معنى أو وقع على الأذن.

فالوطن ليس مساحة من الجغرافيا تُقام عليها دولة وحكومة ويرفرف عليها علم ولها نشيد وطني وتملك كل الشعارات والرموز التقليدية لما يسمى بالدولة.

الوطن هو المكان الذي يحس فيه الإنسان أولا ً وقبل كل شيء بأنه إنسان ، بأن له كرامة ، بأنه حر في التعبير والحركة والتملك ، بأنه آمن لا أحد يمسه بمكروه أو سوء ، آمن على نفسه وعرضه وماله ، وبأنه شريك في صنع القرار وفي هندسة الحياة المشتركة التي تتقاطع فيها شؤون حياته مع شؤون حياة من هم من حوله.

هناك دول تملك ترسانة أسلحة نووية وجيوش قوية وحكومة وبرلمان ورئيس وعلم ونشيد وحدود لا تجرؤ الطير على عبورها ولكنها تفتقر لصفة ” وطن ” لأنها وبكل بساطة تحكم شعوبها بالحديد والنار والبوليس السري والعسكر.

فالوطن في رأيي هو المواطن الذي يستمد صفته من الوطن والانتماء لذلك الوطن والذي يحتاج من أجل أن يحسن بذلك الإنتماء الى توفر حقوق وظروف تمنحه ذلك الشعور.

هناك دول لها حدود وحكومات وبرلمانات وجيوش وأجهزة أمن ولكن مواطنيها يتسللون من حدود أو منافذ تلك الدول هربا ً الى متاهات اللجوء ، بعضهم ينجح أخيرا في الوصول الى بلد أحلامه وكثير منهم تأكله الحيتان والتماسيح وسمك القرش في البحار والمحيطات.

أقول وبكل حسرة أن ليس هناك ولو بلد عربي واحد يحقق مفهوم الوطن لمواطنيه.

صحيح أننا نعيش في ظل احتلال ، ولكن صحيح أيضا أن هذا الاحتلال لا يطال مرافق وهوامش كثيرة من حياتنا وأننا نستطيع رغم وجود الاحتلال أن نعمل الكثير من أجل إحساس الإنسان الفلسطيني بأنه إنسان. فهل فعلنا أي شيء من ذلك ؟ وأتساءل : هل يحس الإنسان الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية وخاصة المناطق المسماة “أ” بالأمن الاجتماعي ، هل يحس بحرية التعبير ، هل يحس بتكافؤ الفرص بينه وبين الآخرين ، هل يحس بالعدل وسيادة حكم القانون ، وهل هو مقتنع بأن هناك شرطة تسهر على أمنه وسلامته وحريته وأن هناك قضاء يستطيع أن يلجأ إليه ليصون له حقه إذا ما تعرض لاعتداء ؟ للأسف ” لأ “.

نحن بعد أكثر من ربع قرن من تجربة أوسلو نشعر بأن تلك التجربة تحولت من مشروع وطني لمشروع استثماري لأشخاص يعيشون بيننا وكأنهم مغتربون، يشعرون بأنهم يعيشون ” جمعة مشمشية ” ، يريدون جني الثراء الفاحش ويعدون العدة ليوم تنتهي فيه هذه ” الجمعة ” فيهربوا بما هرّبوا للخارج وما بقي معهم مما جمعوا الى مكان آخر لأنهم لا ينتمون لهذا المكان.

كان لنا حلم ببناء دولة على أرض وطن ، وكان لنا حلم بأن تكون تلك الدولة هي الخيمة التي تُظل الوطن ومن فيه من المواطنين. كان لنا حلم بديمقراطية نباهي بها الشعوب العربية بل وكل الأمم وببناء مواطن يشعر بالكرامة والحرية وبالإعتزاز لأنه ينتمي لهذا الوطن . ولكن للأسف الشديد قتلنا ذلك الحلم وما زلنا نمارس ضده القتل والتفتيت، في ظل تآكل وتشرذم من الداخل.

هل يُعقل أننا وبأيدينا تنازلنا عن حقنا في تشريع القوانين الناظمة لشؤون حياتنا من خلال التنازل عن وجود مجلس تشريعي بل وإلغاء وجوده من قاموس حياتنا ؟ هل يُعقل أننا حتى اللحظة نعيث فسادا ً في الجهاز القضائي الذي أوقعناه فريسة للابتذال وتصفية الحسابات الشخصية بحجة الإصلاح ؟ هل يُعقل أن يتردد المرء ألف مرة قبل أن يكتب بوست على تويتر أو الفيسبوك خشية أن تسائله الأجهزة الأمنية أو يُزج به في غياهب السجون ؟ هل يُعقل أن تقف أجهزة الأمن ، التي وجدت أصلا لحماية المواطن وصون حقوقه في الحياة، عاجزة حتى عن تحقيق الحد الأدنى من حماية ذلك الحق فتتحول جرائم القتل واستخدام السلاح علنا ً وعلى رؤوس الأشهاد الى أمر روتيني اعتاد الناس عليه دون وازع أو رادع ؟ هل يُعقل أن يكون هناك جهاز تنفيذي للحكم لا يخضع لأي شكل من أشكال الرقابة أو المساءلة ؟ هل هذا هو الوطن الذي علينا أن نختار بينه وبين المصاري التي باتت ضرورية لتوفير لقمة العيش لمن لا يشعرون بالأمن ولكن الجوع يأكل أحشاءهم ؟

المطلوب يا دولة رئيس الوزراء هو أن تبدأ من الدائرة الضيقة جدا ً المحيطة بالمواطن. أن توفر له الإحساس بأنه إنسان وبأنه محترم وبأن له كرامة وأن أمنه الشخصي وأمن أسرته وأملاكه وخصوصياته مُصان. وهذه أمور لا دخل للإحتلال بها. الكثير منها قابل للتحقيق رغم أنف الإحتلال.

الناس كفرت بالمظاهر والكلاشيهات المهترئة. الناس تريد أن تشعر بالكرامة والأمن والحرية … أي بالمواطنة. وعند ذلك فقط يكون عندها إحساس بالانتماء الى وطن ، ويكون الإختيار بين المصاري والوطن أمرٌ لا لُبس فيه..

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى