إعادة بناء الصورة الذهنية للكوادر الوطنية
محمد قاروط ابو رحمه

يتكون مصطلح الصورة الذهنية من صورة وعمليات ذهنية.
إن الصورة تعني ظاهر الشيء، والذهنية هي الانطباعات التي يجريها العقل والوجدان تجاه أمر ما.
ونعني بالكوادر الوطنية الأفراد، والأفراد أعضاء الأقوى والفصائل الوطنية، بما في ذلك المثقفين والكتاب وأعضاء النقابات.
والصورة الذهنية للكوادر الوطنية هي: مجموعة الانطباعات التي تتكون في الأذهان عن القيم الفردية الذاتية للكوادر الوطنية أنفسهم، والفردية والجماعية والوطنية.
والصورة الذهنية هي الإطار القيمي والوجداني والمعرفي التي تؤثر على سلوك الفرد والجماعة.
لقد حظيت الكوادر الوطنية بما فيها الأحزاب والقوى الوطنية بنصيب وافر من الصورة الذهنية الايجابية الشخصية الفردية، والجماعية المجتمعية .
كل صورة ذهنية شخصية ايجابية بناها صاحبها بجهده وعرقه، وهذا ينطبق أيضا على الجماعات بما فيها القوى الوطنية.
والصورة الذهنية الايجابية للفرد والجماعة هي الإطار العام لقيمه وأخلاقه ومحددات سلوكه. ولأنها أولا صورة أي الشكل الظاهر للفرد والجماعة فان بناءها يأخذ وقتا طويلا من العمل الصادق والمثابرة في تحقيق الانجازات لصالح الشعب، أما خلخلة الصورة الذهنية فهي مقدمة لتحطيمها ولا يحتاج إلا إلى زعزعة ثقة من بنو الصورة بأنفسهم وبالجماعة التي ينتمون إليها.
خلخلة وجرح الصورة الذهنية الايجابية للكوادر الوطنية، يخدم الاحتلال أولا، ويخدم أعداء المشروع الوطني. إن خلخلة وجرح الصورة الذهنية يهين النضال الوطني الفلسطيني والشهداء والجرحى والأسرى، انه يحطم نفسيات اسر الشهداء والجرحى والأسرى.
في كل مراحل العمل الوطني هناك فساد، متسلقون انتهازيون…الخ، وهذا جزء من حياة الناس. ولكن السؤال الأهم للفرد والجماعة:
من ستتخذه قدوة؟ الشهداء أم الفاسدين!
وهل أنا وأنت قدوة للفساد أم قدوة للإصلاح والعمل؟
في احد اجتماعات المجلس الاستشاري ذكر احد الإخوة قصة فساد احد المتنفذين، فبادره زميله بغضب (لازم نروح انطم حالنا).
ونرى إخوة أعزاء قضوا جزءا مهما من عمرهم في المعتقلات او العمل الدؤوب
او في العمل الفدائي، (يتأسفون على ما قدموا من تضحيات).
لاحظوا اثر ما ذكر من فساد وسوء إدارة على تقدير الفرد لذاته، ولجماعته.
هذا لا يعني أن لا نتكلم عن الأخطاء وان لا نكافحها، ولكن إذا كان الهدف من التحدث عن الأخطاء تصويبها، فتصويبها ليس بنشرها وتعميمها، بل بالتيقن من حدوثها أولا ثم وضعها أمام جهات الاختصاص.
زميلي في الرياضة الحاصل على شهادة الدكتوراه، المدرس في الجامعات، كان يمطرنا قبل شروق الشمس بسيل من الأخبار السلبية، قلت له صباح يوم (أنت سلبي ولا تأتي إلا بالأخبار السلبية، فاجئنا يوما بخبر سار)، غضب ثم انتبه ان كلام الصباح مثل إفطار الصباح، للعمل والخبر والسفر.
وهذا يحصل أيضا على منصات التواصل الاجتماعي عندما يتم نقل أخبار بلا مصدر، وعندما اطلب المصدر من ناقل الخبر يكون الجواب هكذا وصلني.
في تجربتي عندما تذكر أمامي الأمور والتجارب السلبية وهي غالبا صحيحة ومضخمة في وقت واحد، اذكر مقابلها سيلا بلا حدود للتجارب الجيدة والانجازات الوطنية.
يقول لي احد رفقاء الدرب والذي اعرفه منذ العام 1975، أنت في عالم آخر ولا تعرف الواقع. عندما نكون منفردين أقول له ما لا يمكن أن يعرفه عن بعض الأمور السلبية بعد أن يتعهد بان تبقى عنده فقط.
يخاض الصراع الداخلي على من يأخذ من إلى جبهته، هل تريد أن تخوض صراعا وتبذل جهد لضم الأفراد إلى جبهة محطمي الصورة الذهنية للكوادر الوطنية ولأنفسهم ومشروعهم الوطني؟!، أم ستتصدى بالمعلومات والحقائق لهذا النهج الذي يفتك بنا؟!.
إذا نحن نحطم بوعي او بدون وعي صورتنا الذهنية الايجابية الشخصية والجماعية والوطنية.
إن إعادة بناء الصورة الذهنية للكوادر الوطنية مسئولتنا جميعا، وهذا يتطلب الانتباه إلى المحاور التالية والتي استطعت أن أوثقها من خلال متابعة ما نقوم به لتحطيم صورتنا الذهنية.
عن ماذا تبحث في سيرة الأفراد والمؤسسات؟
إذا كنت تبحث عن الأخطاء؟، ثق أنها موجودة، وان كنت تبحث الأشياء الصواب؟، ثق أنها موجودة.
إذا كنت تبحث عن الإخفاقات؟ ثق أنها موجودة، وان كنت تبحث عن الانجازات؟، ثق أنها موجودة أيضا.
إن كنت تبحث عن الفاسدين؟ ستجدهم، وان كنت تبحث عن الصالحين والمصلحين؟، ستجدهم.
ان كنت تبحث عن المنتفعين الانتهازيين؟ ستجدهم، وان كنت تبحث عن قبور الشهداء وأسرهم؟، ستجدهم.
الأمر متوقف عليك شخصيا، عن ماذا تبحث أولا؟ بماذا تهتم ثانيا؟ وثالثا، ما الذي تريد أن تزود ذاكرتك به؟ ثم رابعا، ما الذي ستقوله لغير مما استقر في ذهنك؟.
عندما يداهمنا عوج الغير وفساده، أوقف نشره عندك، ثم تحقق منه، ثم أرسله إلى أصحاب الاختصاص.
لا تشكك بقدراتك وبقدرات غيرك.
لكل فرد منا وجماعة قدرات ومهارات ومعارف متفاوتة، إن كانت قدراتك ومهاراتك أكثر مني فانه مأمول منك أولا عملا أكثر مني، وانضج، ومأمول منك ثانيا أن تعلمني لا أن تشكك بقدراتي، وتستهزئ بي.
ينطبق ذلك على المجموع العام للنضال الفلسطيني، فمثلا، يوجه سؤال عن المستوطنات، هل ستزال هذه المستوطنات؟ أكلت المستوطنات الأرض، وبعد أوسلو زاد الاستيطان.
عندما تذكر لهم أن ياميت المستعمرة في سيناء هدمها الاحتلال بيديه، وان مستعمرات غزة كذلك، وان جزءا من مستوطنات شمال الصفة الغربية أخليت وهدمت، وان باقي المستوطنات سنسحب عليها الأمر نفسه.
لكن المستوطنات لن تزال الا بالعمل والمثابرة وليس بالتشكيك بقدرات شعبنا على النصر.
لا تشكك بقدراتك الفردية ولا بقدرات زملائك ولا بقدرات الجماعة ومنها القوى الوطنية، لان ذلك يخدم الاحتلال واعوانه.
الفشل المغلوط
البعض منا لا يميز بين فشل مهمة وفشل المشروع الوطني، فيقيس قياسا فاسدا فشل المهمة على فشل المشروع الوطني.
دعونا نلاحظ مسالة بسيطة، اين كنا عام 1916، وأين نحن ألان؟
الم نوقف المشروع الصهيوني من التمدد خارج فلسطين؟
الم نحصل بنضالنا على اعتراف العالم بأننا شعب وجزء منه؟
الم ننجز بناء الهوية الفلسطينية؟ وهكذا…الخ.
عن الذاكرة
لماذا نستحضر ما نعرفه عن الأخطاء؟، ونعممها؟ الأخطاء نستذكرها لنتعلم منها، وليس لتعميمها. إن زميلي الذي أخطأ عام 1974 مثلا، هو نفسه لم يعد هو، فكيف لا اذكر إلا أخطاءة.
إذا دربنا الذاكرة على استحضار الجميل والمفيد من الماضي، يصبح الفرد منا جميلا مفيدا يتمتع بمعنويات عالية.
في ماضينا الايجابيات والانجازات اكبر وأكثر واهم من السلبيات والإخفاقات.
معضلة المقارنة
المقارنة قاتلة للمقارن والمقارن به، خذ مثلا احد الاباء يقول لابنه لماذا لا تصبح مثل ابن عمك؟ لاحظ كيف يحول الاب ابنه الى عدو لابن عمه، وكيف يخفض من قيمة ابنه وهكذا.
الأمر نفسه ينطبق على الأفراد والمؤسسات والجماعات. يحز في نفسي أن اسمع عضو في تنظيم يقول عن تنظيم ثاني أنهم اقل من ركاب باص.
في فكر حرب الشعب ما من إنسان إلا ويمكن الاستفادة منه، فيكف بتنظيم له أعضاء وفكر وثقافة. من المستفيد من من المقارنة بين اكبر واقل تنظيم؟
لنتفكر!
مشكلة الخلط بين التجربة والخبرة والمعرفة والقدرة
التجربة ما حصل لك، والخبرة كيف تصرفت تجاه ما حدث لك، والمعرفة تنظير الخبرة او ما تكتسبه من بطون الكتب او مقاعد الدراسة، والقدرة هي التصرف الصحيح تجاه موقف محدد. والقدرة الفردية هي قوة الفرد على فعل شيء ما، والتمكن منه. وعندما يقال عن فرد ما بأنه يمتلكُ قدرة على الصبر، فهذا يعني أنه يمتلك القوة التي تمكنه من الصبر وتحمل الصعاب.
الخلط بين هذه المسائل عند تقييمنا لأنفسنا او غيرنا، يهز ثقتنا بانفسنا.
وهذا أيضا ينطبق على المؤسسات والقوى الوطنية، فبعضها لديه القدرة أكثر من غيره وهكذا.
في الختام:
قد لا يكون لفكر دارون الذي يقول أن أصل الإنسان قرد، او فرويد الذي يتبنى فكرة الذات السيئة للفرد رواجا في ثقافتنا أبدا، ولكن البعض يتصرف وفق ذلك.
ولنتذكر أننا مؤمنون بان الله سبحانه وتعالي الذي فضلنا على كثير من خلقه، وهو القائل فينا:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾. الإسراء (70(
ومن أولى أوليات الفرد أن يكرم نفسه بطيب الكلام وحسن العمل، وان لا يتسبب بالتقليل من قيمة إنسان أكرمه الله.
وقد يكون الذين ضلوا الطريق على خطأ، لكن الذين يعممون الخطأ اشد خطأ، حيث قال الله فيهم:
(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النور 19
وهل بعد خدمة الاحتلال وتدمير الصورة الذهنية للكوادر والقوى الوطنية الفلسطينية فاحشة اكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى