إلى متى نبقى من دون قبل وعناق؟

في الأيام الأخيرة، مع بدء دول كثيرة حول العالم بتخفيف تدابيرها المتّخذة للحدّ من انتشار فيروس كورونا الجديد، رحنا نلتقي من جديد أناساً انقطعنا عنهم لمدّة من الزمن. هؤلاء إمّا من الأهل وإمّا من الأصدقاء وإمّا من زملاء العمل أو الدراسة وغيرهم. وفي كلّ مرّة نجد أنفسنا أمام واحد منهم، يكون الارتباك سيّد الموقف. كيف نتبادل التحيّة؟ وبماذا نستبدل المصافحة والقبل والعناق؟ كيف نعبّر عن سعادتنا بلقياهم بعد أشهر بدت كأنّها دهر؟ حتى الابتسامة التي قد تغني عن تلك الأشكال من التعبير، إذ تستطيع الإفصاح عمّا نشعر به، صارت تحتجب وراء كمامة أو قناع واقٍ.

ونتردّد. يبدو ذلك التردّد ثقيلاً كما هي الأزمة الصحيّة الأخيرة التي تسبّبت فيها جائحة كورونا. كأنّما “ينقصنا شيء ما”، بحسب ما تورد مجلة “بسيكولوجي” الفرنسيّة المتخصّصة في علم النفس، وذلك في سياق مقال للصحافيّة كلير سيجورنيه حاولت من خلاله الإجابة عن سبب الإرباك الذي تتسبّب فيه عدم قدرتنا على المصافحة والتقبيل. بعد ذلك التردّد، يتكرّر في الغالب مشهد الضحك نفسه قبل أن نحاول تعويض بعض ممّا فاتنا والانخراط في أحاديث وأحاديث.

وطقوس تبادل التحيّة ليست الوحيدة التي تضرّرت مذ انطلقت أزمة كورونا قبل أكثر من خمسة أشهر، على خلفيّة التباعد الاجتماعيّ الذي فرضه الفيروس الجديد كواحد من السلوكيّات التي تحول دون تفشّي العدوى. هي ليست الوحيدة إنّما كثيرون منّا يتساءلون: إلى متى سنبقى على هذه الحال، يتفاعل بعضنا مع بعض من دون أيّ تماسٍ جسديّ؟

بالنسبة إلى المعالجة النفسيّة الفرنسيّة كريستين موريس، فإنّ “تبادل التحيّة طقس يصعب علينا عدم أدائه. هو يمثّل تلك اللحظة التي يميّز بعضنا بعضاً فيها من جديد ونستعيد التواصل بعضنا مع بعض. من خلال هذا التقارب، نعيد التعبير عن محبّتنا ونتلامس. التلامس فعل قويّ، إذ إنّه يخلق تواصلاً حميماً جداً”. وغياب التماس الجسديّ يعني المحافظة على مسافة ما، على فتور ما. واليوم، في ظلّ الأزمة الصحيّة الراهنة، تشير موريس إلى أنّنا “غير قادرين على الانجراف باندفاعنا. بخلاف ذلك، لا بدّ لنا من كبح أنفسنا والتصرّف بعكس عفويّتنا”.
يبدو أنّ علينا البحث عن طرق جديدة “دافئة” لتبادل التحيّة، تأتي كبديل للمصافحة والقبل والعناق. لكنّ المهمّة ليست سهلة وسط إلزاميّة المحافظة على التباعد الجسديّ. وترى موريس في هذا السياق أنّه في إمكاننا نزع أقنعتنا الواقية إذا حافظنا على مسافة بيننا، مؤكّدة أنّه “على الرغم من كلّ ما قد تقوله العينان، فإنّنا نفقد كثيراً من حسن تعبيرنا ونحن مكمّمون”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى