إيران: تخصيب اليورانيوم أم توفير الماء؟
علي الصراف

هذا سؤالٌ لن يعجز أيُّ ذي عقل عن الإجابة عنه.

 

والإجابة المضادة، قد تكشف عن مستوى الفشل في سلطة الولي الفقيه، إلا أنها تكشف عن جفاء مريع مع العقل.

وهذا هو حال إيران على طول الخط منذ أكثر من أربعين عاما. فمشروعها التوسعي الذي قادها إلى التدخل في عدد من دول المنطقة، دفع بها بعيدا عن تدبر الأولويات، الاقتصادية والاجتماعية في إيران نفسها، حتى انتهت، زيادة في التجافي مع العقل، إلى بناء مشروع نووي لا تعرف هي نفسها من الذي تهدده به.

العالم الذي عرف معنى القنابل النووية، يحار الآن كيف يجد السبيل لتقليص المخزونات منها، وتقييد إنتاجها، ورفع مستويات القيود على انتشارها. وما من أحد يجرؤ حتى على التهديد بها، لأن التهديد نفسه بات من المحرمات. وهو دلالة على مرض نفسي أو عقلي يحرص العالم على مكافحته بوسائل العزل والعقوبات. وهو ما تعيش به إيران الآن، لأن مرضا ما، هو الذي يسيطر على عقول أصحاب السلطة فيها.

كل هذا وهم يحرمون شعبهم من الماء. ربما لتبريد مفاعلات التخصيب. وهذا نوع من الحمق لا سبيل إلى وصفه. يقول الشاعر:

لكل داء دواءٌ يُستطب به.. إلا الحماقة أعيت من يداويها

ويجب الاعتراف بأن محيط إيران الإقليمي والدولي يشعر بالعياء مما تفعله إيران بنفسها، لأن الحماقة هناك بلغت حدودا فاقت كل منطق.

ليس جديدا القول إن إيران تعاني وضعا اقتصاديا ظل مأساويا حتى من قبل أن تكون هناك عقوبات. كما ليس جديدا القول إنها، على سعة مساحتها وضخامة عدد سكانها، بلد فقير صناعيا ومتخلف تكنولوجيا، وهو بالكاد يكفي نفسه من أراضيه الزراعية. ولكنه يمتلك موارد هائلة. وكان بوسع أي نظام عاقل أن يستثمر هذه الموارد في تطوير الخدمات الأساسية ورفع مستويات التعلم والبحث عن منافذ دولية للصناعات المحلية، وغيرها من الأساسيات التي تجعله قادرا على الانخراط في قضايا ومعاملات التنمية والتطوير والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والعلمي، قبل “التقدم” العسكري و”التمدد” في الخارج.

وفي الواقع، فإن تلك القضايا هي الرافعة الحقيقية للقوة العسكرية والنفوذ الخارجي. أما أن تأتيها من الخلف، فذلك تعبير عن خلل عقلي، إن لم يكن، في أصله، مرضا نفسيا عسير العلاج.

القوة، بالنسبة لغير الحمقى، هي قوة الداخل في متانة اقتصاده وتماسك مجتمعه وقدرته على النمو. ولكنها بالنسبة لأهل السلطة في إيران، هي تجاهل البناء الداخلي والانشغال بتخريب الخارج، لـ”تصدير الثورة”، أو بالأحرى، تصدير الحماقة والفشل. “هل يريد أحدٌ على ذلك دليلا؟ اذهب إلى لبنان والعراق واليمن وستراه بأم العين”!

ويستطيع المرء أن يسرد كثيرا من دلائل هذا المرض عبر تاريخ إيران، أبعد بكثير من مشروعها الصفوي، الذي أقامه الشاه إسماعيل قبل نحو خمسة قرون. ولكن الحقيقة هي أن مشاغل هذا المشروع، هي التي ظلت تهيمن على العقل والمنطق حتى أصابته بخلل لم تكتشف العبقرية الإنسانية له دواءً بعد.

أن يشح الماء عن خوزستان، وهي مصدر 80% من ثروات إيران الطبيعية من النفط والغاز، أمرٌ له علاقة بذاك المرض، وليس بنقص الموارد.

فهذا الإقليم الذي يغلب على مواطنيه السكان من ذوي الأصول العربية، صار مطلوبا تدمير مقومات حياتهم، لمجرد أنهم عرب، رغم أنهم أقلية كغيرها من أقليات البلاد الأخرى، البلوش والأكراد والأذريون والمازنداريون، واللور، والتركمان، وغيرهم. ومثلما كان يتعين صهر هذه الأقليات في نسيج اجتماعي واقتصادي وسياسي واحد، فقد فشلت دولة الولي الفقيه في تحقيق أدنى معايير الدمج، وظلت العنصرية الفارسية منهجا غالبا على إدارة الأقاليم التي تقطن فيها هذه الأقليات. والكل يستطيع أن يرى أن الصدوع فيما بينها وبين الأقلية الفارسية المهيمنة تزداد عمقا بدلا من أن تنحسر.

حتى هنا، فلقد جاءت سلطة الولي الفقيه متطلبات التماسك الاجتماعي من الخلف، تأكيدا لذاك المرض.

خوزستان ليست إقليما فقيرا بالماء. ولكن عشرات السدود التي أقيمت على نهري الكارون والكرخة، وهما نهران كبيران، كانا نهري ملاحة يصبان في الخليج، قصدت حصرا تجفيف أراضي ومزارع وبساتين الأهالي لكي تنقل الماء إلى محافظات مثل يزد وكرمان، وتجبرهم على الهجرة من أرضهم. ولو أن سلطة الولي الفقيه قدمت لهم إغراءات للعيش في مناطق أخرى من البلاد، لكان الأمرُ نصفَ شر. إلا أنها ظلت تُميّز ضدهم في الوظائف، وتحرمهم من أساسيات الخدمات في البنية التحتية والصحة والتعليم، تعبيرا عن ذاك المرض نفسه.

يستطيع نظام الولي الفقيه أن يرفع حواجز السدود فورا لكي يعود الماء فيسقي الأرض ويروي العطاش. ولكنه لن يفعل لأن المرض غالب عليه. ولأنه يعتقد أن التمييز وتبريد المفاعلات أهم من سقي حياة الناس.

وهذا، بصراحة، خلل فاق كل الحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى