إيران والشرق الأوسط في عين العاصفة: فيروس كورونا وزمن الوباء
إبراهيم درويش

منذ انتشار فيروس كورونا المستجد نهاية العام الماضي في مدينة ووهان الصينية بدا وكأن العالم يواجه أزمة جديدة على غرار ما شهده في عام 2003 من انتشار فيروس سار، والذي ترك آثاره على الاقتصاد وحركة النقل العالمية. وتم تجاوز الأزمة بخسائر بشرية واقتصادية على الدول المتضررة.

وبدا وكأن الصين تحاول التحكم بالوباء الجديد، فقد بنت مستشفى مجهزا بالكامل في عشرة أيام ونشرت الجيش للتعامل مع الأزمة وحجرت مدنا بالكامل ومنعت خروج السكان منها بشكل ترك أثرا على أكبر اقتصاد في العالم وعلى امدادات النفط التي تعتبر الصين من أكبر مستورديه. ومع ذلك ظلت وكالة الصحة العالمية تتعامل مع الواقع كما يتجلى يوميا بدون الحديث عن وباء عالمي، بل وحذر مسؤولوها من الأخبار الوبائية قبل أن ترفع درجة الخطر إلى الأحمر. وهذا بسبب انتقاله لمراكز جديدة في الشرق الأوسط وأوروبا، فقد تحولت إيران لمركز انتشار له في منطقة الشرق الأوسط، وكشف تعثر السلطات لأسباب سياسية ولوجستية في الرد الإيراني على الأزمة التي بدأت في مدينة قم المقدسة التي يحج إليها الزوار الشيعة من دول الجوار.

وعندما بدأت الحالات بالظهور في الكويت والبحرين والإمارات وعمان وأفغانستان وأذربيجان ولبنان وجورجيا وكندا، وكلها مرتبطة بإيران، قامت هذه الدول وغيرها مثل تركيا بإغلاق الحدود مع إيران وأوقفت الرحلات الجوية معها. مع تزايد المخاوف من اختراق فيروس كورونا طريق حج رئيسي بشكل يقود إلى عوامل مرضية قاتلة خاصة للاجئين مما سيتسبب بأزمة صحية غير مسبوقة على مدى المنطقة. وحذر خبراء وباحثون صحيون من تداعيات الأزمة على إيران التي تعاني من حصار وعقوبات أمريكية شلت اقتصادها، وكذا انتقاله إلى العراق. ونقلت صحيفة “الغارديان” (25/2/2020) عن الخبير في الصحة العامة بالشرق الأوسط بجامعة كامبريدج آدم كاوتس قوله “تمثل (حالة كورونا) في العراق تهديدا لأن النظام الصحي العراقي ضعيف” و “قد تقضي على آلاف من الأشخاص ولا توجد طريقة للتحقق منها حال انتشرت بين اللاجئين، نظرا لتحركهم. وتكشف الفيروسات والأمراض عن سياسة وهشاشة الأنظمة الصحية”. ويعد اللاجئون والنازحون في بلادهم في كل من العراق وسوريا أكثر الجماعات عرضة للإصابة بالمرض حال تطور الفيروس إلى وباء. ويقول كاوتس “الموضوع الرئيسي والذي يثير الخوف إمكانية وصول فيروس كورنا إلى مناطق اللاجئين في كل من العراق وسوريا، وفي ضوء الظروف التي يعيشون فيها، من ازدحام وعدم توفر منشآت الصرف الصحي ولا الخدمات الصحية”. ويأتي انتشار الفيروس في إيران بمثابة ضربة جديدة لصورتها وأدى لتبادل اتهامات بين إيران وعدوتها الولايات المتحدة المتهمة بالمبالغة في وصف قاعدة انتشار الفيروس في الجمهورية الإسلامية.

أزمة ثقة

وأشارت صحيفة “لوس أنجلس تايمز” (25/2/2020) أن انتشار فيروس كورونا يعتبر آخر أزمة تواجهها الجمهورية الإسلامية، حيث تتراجع ثقة الرأي العام بالحكومة بعد محاولتها التستر على إسقاط طائرة ركاب أوكرانية بطريق الخطأ في كانون الثاني (يناير). ولكن معالجة الحكومة لاندلاع فيروس كورونا لم يكن امتحانا لنظامها الصحي فقط بل ولشرعيتها السياسية في وقت تعيش فيه البلاد حالة من الغضب والاحتجاجات.

ويؤكد تزايد أعداد الوفيات والتقارير المتضاربة حول المصابين بالفيروس دوامة الأكاذيب وسوء الإدارة والفساد والعجز والتستر. وتمظهر المشهد الساخر في إيران من إعلان نائب وزير الصحة إيراج حريرجي عن إصابته بالفيروس وقال في رسالة فيديو مسجلة “أريد إخباركم أنني أصبت بالكورونا” وجاء إعلانه بعد ظهوره أمام عدسات التلفزيون حيث كان يتصبب عرقا وشاحبا ويسعل وطالب الرأي العام في مؤتمره الصحافي بعدم الفزع، وهو ما ترك انطباعا سلبيا لدى المواطنين الإيرانيين وأكد شكوكهم بقدرة الجمهورية على مواجهة الأزمة بشفافية. ولم يكن حريرجي هو الوحيد بين المسؤولين الإيرانيين، فبعد أيام أعلنت نائبة الرئيس حسن روحاني معصومة إبتكار عن إصابتها بالمرض بالإضافة للمتحدث باسم الحكومة علي الربيعي والنائب الإصلاحي محمود صادقي وعمدة منطقة في طهران مجتبى رحمن زاده. وكتب صادقي على تويتر “لا يوجد لدي إلا أمل قليل بالنجاة”.

السياسة عامل

وزاد التشوش العام من تضارب الأرقام حول المصابين ومن توفي منهم. واتهم المسؤولون في الحكومة بعدم الصدق حول الوضع. وأشارت تقارير محلية إلى أن 230 مستشفى في أنحاء البلاد تقوم بفحص المصابين بفيروس كورونا. وعادت الحكومة لأسلوبها القديم وهو تحميل الخارج، خاصة الغرب مسؤولية انتشار الفيروس. وقال الرئيس روحاني إن هذه الجهات تحاول إغلاق المجتمع الإيراني. وأكد قائلا “سنقاوم الفيروس”.

وترى روبن رايت في مجلة “نيويوركر” (28/2/2020) أن تعثر السلطات الإيرانية أو تكتمها على المرض جاء لأسباب تتعلق بالانتخابات البرلمانية وخوفا من تراجع نسبة التصويت، مع أن المشاركين في الانتخابات التي جرت في 21 شباط (فبراير) كانت الأدنى منذ الثورة الإسلامية عام 1979. أما العامل الثاني فهو حلول ذكرى هذه الثورة في 11 شباط (فبراير). ونقلت عن الخبير الصحي الإيراني المعروف كاميار علائي قوله إن “الحكومة لم تكن راغبة بالاعتراف بوجود حالات فيروس كورونا خشية تأثر المناسبتين” و “لهذا تمسكت بالصمت طوال أسابيع”. ويعتقد علائي أن القرار السياسي هو الذي أدى لانتشار الفيروس في إيران. مضيفا “كان قرارا مؤسفا لأن إيران لديها بنية تحتية صحية جيدة وأطباء متعلمون”.

وترى رايت أن إيران التي يعيش فيها 80 مليون نسمة تحولت إلى مركز للمرض في ظل تقلب في الأرقام حول عدد المصابين والوفيات. وبناء على مستوى الخطأ في الأرقام عن المصابين قدر ستة من علماء الأوبئة الكنديين يوم الإثنين ضحايا كورونا في إيران بأنه قد يصل إلى 18.000 مصابا بالمحتمل، وهذا يعني أن البلد يعيش حالة وباء، وهو رقم يتجاوز الأرقام الرسمية التي تحدثت عن مئات. وعلى العموم تظل هذه تقديرات لخبراء قائمة على نماذج تحليلية تأخذ بعين الاعتبار مستوى انتشار المرض بالنسبة لعدد السكان ومستويات التواصل بين المنشأ والدول الأخرى. وظهر أول تقرير عن انتشار المرض في قم يوم 19 شباط (فبراير) حيث ذكر وفاة شخصين نتيجة للمرض، واحد منهما سافر بين قم ووهان. وحقيقة الوفاة تعني أن الانتشار بدأ قبل ذلك بعد أسابيع وأن الشخصين كانا مريضان ويسببان العدوى للآخرين. وبعد ثمانية أيام من التقرير عن الوفيات كان المرض قد انتشر إلى 28 من 30 محافظة إيرانية. وبدلا من إغلاق الأماكن العامة، وهو إجراء عادي تقوم به السلطات الصحية، شجع مسؤول مقام فاطمة المعصومة الزوار على القدوم إليه قائلا “نعتبر المقام مكانا للشفاء، وهذا يعني أن الناس يأتون إلى هنا طلبا للشفاء من الأمراض الجسدية والروحية”. وبالإضافة للقرارات الخاطئة والتقديرات التي لم تقم على مصلحة عامة، فانتشار المرض في إيران يأتي في وقت سيء تمارس فيه الولايات المتحدة استراتيجية أقصى ضغط بعد خروج دونالد ترامب من الاتفاقية النووية عام 2018. ومنذ اندلاع المرض أغلق شركاء تجاريون مثل العراق وتركيا وأفغانستان الحدود مع طهران. وكتب عدنان مزاري، الاقتصادي في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي بواشنطن أن “كامل الشرق الأوسط قد يصاب بالعدوى من إيران التي تحولت إلى مركز للمرض”. وأكد مزاري أن “كامل الشرق الأوسط سيتأثر، بالتأكيد بموجة جديدة من تراجع أسعار النفط بسبب تراجع الطلب من الصين” مضيفا أن ربع التجارة الإيرانية هي مع الصين. وستتأثر التجارة الداخلية في احتفالات الربيع “النوروز” وهي مناسبة كبيرة يخرج فيها الناس إلى مناطق النزهة على بحر قزوين، وهي عطلة يقبل فيها الناس على شراء الملابس الجديدة. وليس من المستبعد أن تندلع التظاهرات لو حدت السلطات من احتفالات الربيع، حيث سيشعر الناس بالعزلة وبضيق العيش. ورغم اتخاذ الحكومة الإيرانية خطوات لتوعية الرأي العام ومنع التجمعات العامة وحث الناس على المصافحة والالتزام بالنظافة، إلا أن النظام يعيش مرحلة دفاع عن صورته بنفس الطريقة التي يقاوم فيها فيروس كورونا.

مركز أوبئة

وتعطي الحالة الإيرانية صورة عن مستقبل الشرق الأوسط باعتباره مكانا للأوبئة والأمراض، كما يرى مايكل نايتس في مقال نشرته مجلة “بوليتكو” (26/2/2020) حيث قال “كمراقب للشرق الأوسط على مدى العشرين سنة الماضية، أصبحت مهتما بالموضوع عندما ظهر الفيروس في إيران، التي تعتبر شريكا تجاريا مع الصين وفيها نظام ديكتاتوري مخادع يشبه النظام في الصين”. وأضاف أن الأسواق المالية والقيادات السياسية تراقب وصول الفيروس إلى أوروبا وأمريكا. إلا أن ما يحصل في إيران، التي تعتبر نقطة جغرافية مهمة تربط آسيا ويوروآسيا وشبه الجزيرة العربية والشام يدعو إلى نفس المستوى من القلق.

وقال إن طهران لم تكن شفافة في تعاملها مع الفيروس، وهي ليست وحيدة بل إنها ظاهرة منتشرة بين الخبراء في الشرق الأوسط الذين يميلون إلى التركيز على مخاطر الحرب والإرهاب عندما يقومون بإعداد تنبؤاتهم. ويرى أن انتشار فيروس كورونا إلى مهد أقدم وأعظم الحضارات يعد تطورا دراميا ينبني عليه تداعيات طويلة الأمد في المنطقة والعالم. فسوف تصبح الأوبئة قريبا أمرا مألوفا ومحركا للمجتمع المستقبلي. ويشير إلى أن أحد الأفكار الناتجة من الناظرين للمستقبل – موجها الانتباه إلى كتاب الروايات وخبراء الاقتصاد وعلماء الاجتماع والتكنولوجيا – هي فكرة أن الأوبئة ستكون سببا في تقليص العولمة أو حتى وقفها تماما. ويظل الشرق الأوسط مهما في هذه المعادلة، فهو علاوة على كونه المركز الفعلي لحركة الطيران العالمي وللطاقة ومركز النقل البحري، فقد أضعفته الحروب والفساد والخدمات الصحية الفاشلة والأنظمة المخادعة التي قد تحاول التغطية على حجم الأوبئة مستقبلا، كما تحاول الحكومة الإيرانية فعله الآن.

وتشكل مخيمات اللاجئين (مثل مخيم الزعتري في الأردن والذي يحتوي على 80 ألف لاجئ) نقاط ضعف. كما أن تسلل اللاجئين إلى أوروبا يشكل خطرا إضافيا لنشر الأوبئة عن طريق الشرق الأوسط.

ورسم الكاتب سيناريوهات عن حد الأوبئة من حركة السكان والسفر الذي أصبح علامة العولمة، “تخيل مثلا الحد من تدفق الحجاج إلى مكة وخروج التكنوقراط الأجانب من دبي أو نهاية استيراد العمالة من آسيا للخليج”. ويعتقد أن سيناريو “تقلص” العولمة يعني تقوية دعاة الانعزالية في أمريكا مثلا والذين سيناقشون أن العالم مكان خطير. وفي المقابل ستتقوى الدول القومية التي ستتحكم بمن يدخل ويخرج من أراضيها، مع أن شرعيتها ستظل مرتبطة بقدرتها على معالجة الأوبئة. وفي النهاية ستكون التطورات الإيكولوجية وانتشار الأوبئة علامة العصر المقبل وفيروس كورونا هو مجرد هزة لطيفة.

الصراحة مطلوبة

ولهذا فالدول أمامها عمل كبير لمواجهة الأزمات كما ترى مجلة “إيكونوميست”(27/2/2020) والخطوة الأولى هي تحضير الناس لهجوم كورونا الذي بات محتوما. وعلى المسؤولين التحرك عندما لا تكون لديهم الحقائق كاملة لأن الكثير لا يعرف عن المرض. وتقدر المجلة أن نسبة 25-70في المئة من سكان أي بلد قد يصابون بالمرض. وتذكرنا تجربة الصين أن 80 في المئة من المصابين قد تكون حالاتهم خفيفة، 15 في المئة يحتاجون لعلاج في المستشفى و5 في المئة يحتاجون لعناية مركزة. ويقول الخبراء إن درجة خطورة المرض قاتلة خمس إلى عشر مرات من أمراض البرد الموسمية والتي تقتل بنسبة 01 في المئة أي 60.000 أمريكي في عام سيء. ومن هنا قد تكون الحصيلة بالملايين حول العالم. ويعتمد الأمر على قرار الحكومات وما ستفعله، كما تقترح حالة الصين التي قامت بأكبر حجر صحي في التاريخ، خاصة في ولاية هوبي التي يعيش فيها 59 مليون نسمة وشهدت أكبر الحالات مقارنة مع بقية الصين البالغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة. وبدون هذه الخطوات لكان في الصين اليوم ملايين المصابين. وترى المجلة أن تجربة الصين ليست مثالا ولا يمكن لدول ديمقراطية تبنيها نظرا لثمن الحجر وأثره على الأفراد الذين يعانون من أمراض أخرى. وكما في حالة إيران فليس كل الدول الديكتاتورية قادرة على عمل نفس الشيء. لكن ما تحتاجه الدول هو التواصل مع السكان والتحضير للمرض. وأفضل طريقة هي الحديث مع الناس قبل انتشاره. ويمكن للدول كالصين إبطاء انتشار الفيروس وليس منع ظهوره مرة ثانية وهذا يقتضي تحضير النظام الصحي للتعامل مع حالات انتشار واسعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى