“إيميلات هيلاري” .. للتضليل وجوه كثيرة
محمد أبو الغيط

بينما تحوّل بعض الإعلام العربي بين ليلة وضحاها إلى مسرح لعاصفة “إيميلات هيلاري”، لم يشهد الإعلام الأميركي نفسه شيئاً من ذلك. ولا عجب إذا طرحنا معلومة بسيطة بديهية: لم تُنشر أي رسائل جديدة أصلا!

على موقع الخارجية الأميركية يظهر بوضوح أن تاريخ آخر دفعة تم نشرها هو 14 مايو/ أيار 2019. كانت الشرارة تصريحات الرئيس ترامب الذي حثّ وزير خارجيته بومبيو على تسريع وتيرة النشر، ووعد الأخير بالعمل على ذلك. أثارت تلك التصريحات انتقادات في الإعلام الأميركي حول شبهة محاولة الاستغلال السياسي، وأيضاً أثارت سخرية من أن ترامب يظن أنه ينافس هيلاري، لا جو بايدن. فجأة يتحول ذلك السجال السياسي إلى قنبلة أخبار مضللة، تجترّ المحتوى القديم نفسه، وتبتعد تماما عن الحقيقة في الشكل والمضمون. من حيث الشكل، ليس محتوى الوثائق “تسريبات” كما تؤكد التوابل الإعلامية، بل إفصاح رسمي بموجب قانون حرية تداول المعلومات، تم عبر وزارة الخارجية الأميركية بدءا من عام 2015، وكلها خضعت لمراجعة الأجهزة الأمنية الأميركية. ومن حيث المضمون، تقدّم الرسائل صورة مختلفة تماما عن الإعلام العربي، حيث تم استخدام معلومات مجتزأة أو زائفة كليا لصالح رغبة أنظمة في ترسيخ صورة مؤامرة الربيع العربي، أو لصالح رغبة معارضين سياسيين بالاتجاه المعاكس.

ولا يغيب عن الواقعة أيضا سببٌ ثان، هو ببساطة انخفاض القدرات المهنية البحتة، وتفضيل قيم “التريند” على التدقيق، وهكذا يتناقل الجميع الأخبار نفسها في لهاث محموم، من دون أن يتأكّد أحد حول مصدر المعلومة الأولى. يحدث ذلك على الرغم من أن عشرات الرسائل التي تزامنت مع ثورتي مصر وتونس تُظهر بوضوح صورة مختلفة تماما حول مدى المفاجأة التي شعرت بها الإدارة الأميركية. لم تتعامل وزيرة الخارجية الأميركية في حينه، هيلاري كلينتون، بجدّية مع الثورة المصرية أصلا، واتخذت موقفا محافظا للغاية يدعم حسني مبارك بالدرجة الأولى، وهو ما أكدته في مذكراتها بشأن عدم ارتياحها لحماس الشباب في فريق الرئيس أوباما.

في رسالة بتاريخ 29 يناير/ كانون الثاني 2011، تلقتها من مستشارها السياسي، سوليفان يعقوب، دار الحديث حول أهمية التوازن بين دعم حماية المتظاهرين وعدم المطالبة برحيل مبارك والاكتفاء بالقول إن ذلك “أمرٌ يقرّره المصريون”. وفي 31 يناير، تلقت رسالة عن مدى تدهور الأوضاع على الأرض، حيث لا شرطة ولا حكومة ولا قضاة. ويظهر هنا أخيرا نقاش مسألة رحيل مبارك. وعلى الرغم من ذلك في 9 فبراير/ شباط نشاهد رسالة بريدية أن البيت الأبيض أرسل السفير فرانك وايزنر إلى مبارك، ليس بهدف رحيله فورا، بل بهدف “الوصول إلى حل وسط مع الشعب المصري”.

محور رئيسي ثانٍ من جهود غسل المخ الرسمية تركّز على ضعف معلومات القارئ وذاكرته، مثل التركيز على “فضيحة” الدعم الأميركي لمنظمات مجتمع مدني، وهو في الحالة المصرية على سبيل المثال جزء من كل الاتفاقات التي وقعتها الأنظمة المصرية، ويتم تخصيص جزء من المعونة الأميركية لصالحه منذ عقود علنا، وتحصل المنظمات على تراخيص حكومية.

مثال آخر هو دعم أميركا قوى المعارضة المسلحة في ليبيا وسورية، وهذه بدورها كانت قرارات علنية بمشاركة مطلقي الحملة الحالية. لقد بدأت هجمات حلف شمال الأطلسي (الناتو) بناء على قرار لمجلس الأمن، أيدته جامعة الدول العربية، بل تم توجيه الشكر رسميا إلى الإمارات التي شاركت بطائرات حربية في فرض الحظر الجوي. وبالمثل، ساهمت السعودية والإمارات بشكل مباشر في تسليح فصائل المعارضة وتمويلها، وتمت استضافتها رسميا وعلنيا في العاصمة الرياض.

لم يخل الجانب المقابل من تضليل مشابه، كادعاء وسائل إعلام إخوانية أن الوثائق كشفت تدبير المشير حسين طنطاوي وعبد الفتاح السيسي لمذبحة بورسعيد في العام 2012.

يلعب المضللون بأشكالهم كافة على عناصر الشعبوية المعهودة، مثل الاستثارة العاطفية، والإلحاح المطوّل، وهكذا تُمحى وقائع وينشأ واقع جديد. ولا بديل أمام من يواجه إلا التحلي بقدر من الأدوات نفسها، حيث لا تلغي المهنية الخطاب العاطفي، ولا يُمل من الإلحاح والتكرار حتى يملّوا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى