اخترع المقاومون فلسطينا تخدم مصالحهم
فاروق يوسف

في ما يتعلق بخط المواجهة مع إسرائيل هناك مشروعان عربيان لا يلتقيان ولا يمكن التقريب بينهما بل أن صدامهما هو الأقرب للواقع.

مشروع عملي يدعو إلى إحداث تغيير في تقنية تلك المواجهة والانطلاق من معطيات واقع حيوي متغير من أجل إقامة نوع جديد من الحوار، يكون الهدف منه دفع إسرائيل إلى الاقرار بعجزها عن فرض الواقع الذي تخطط له والدفع بها إلى تنفيذ القرارات الدولية التي تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية.

اما المشروع الثاني فإنه يقوم على الأسس التقليدية المستهلكة التي يعرفها الجميع والتي تعبر عنها الشعارات المطروحة في سوق السياسة العربية منذ أكثر من خمسين سنة. وبغض النظر عن مسمياته فإن ذلك المشروع يمكن اختصاره بكلمة واحدة صارت مضللة لإختلاف الأغراض التي استعملت من أجلها وهي كلمة “المقاومة”. بمعنى القتال إلى ما لا نهاية.

اللافت أن مشروع المقاومة لا تتبناه سوى تنظيمات “عقائدية” ليست مسؤولة على المستوى القانوني عن مصائر دول وشعوب بعينها لذلك فإنها ليست معرضة للمساءلة لما يمكن أن يحدثه مشروعها الانتحاري من ويلات وكوارث إنسانية وبيئية. ناهيك عن أن إدامة ذلك المشروع يتطلب هدرا للزمن وللثروات بما يؤدي إلى تأجيل التنمية والنهوض والحياة السوية إلى ما بعد الانتهاء من عملية الجهاد التي ستؤدي وهميا إلى تحرير فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية من النهر إلى البحر.

حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني هما أبرز التنظيمات التي تجد منافع عديدة في الاستمرار في ما يُسمى بمشروع المقاومة الذي يستند إلى دعم إيراني صارت أهدافه بمرور الوقت واضحة. فإيران التي لم توجه عبر الاربعين سنة الماضية صواريخها في اتجاه الأرض المحتلة باستثناء الحجر الذي رماه رئيسها الأسبق أحمد نجادي يوم زار جنوب لبنان، وجدت في تلك التنظيمات خير معين لها في مشروعها التوسعي الذي يهدف إلى إزالة دول عربية وإذلال شعوبها ونهب ثرواتها.

لقد تمكن المقاومون من السيطرة على العاطفة الشعبية ومن ثم احتكارها من خلال عمليات لغسل الأدمغة وتفريغها من القدرة على التفكير السليم. وهو ما ساعدهم على وضع مصطلح “التطبيع مع العدو” في غير محله بحيث صار كل مَن يستعمل عقله في مراجعة نتائج المقاومة الكارثية عبر الخمسين سنة الماضية يُتهم بيسر واستخفاف بالتطبيع مع العدو. ومن ثم يجري استبعاده بعد أن يتم تشويه سمعته.
لقد اغتالت المنظمات الفلسطينية المسلحة الكثير من الشخصيات الفلسطينية المرموقة التي أدركت مبكرا أن الطريق إلى تحرير فلسطين لا يمكن أن يظل رهين البندقية. لقد انجزت البندقية مهمتها وكان لزاما الانتقال إلى وسائل وتقنيات أخرى تكون بمستوى وعي وثقافة الإنسان الفلسطيني.

لم يرغب تجار القضية والمزايدون عليها أن يتم التوصل إلى حل عادل وفقا للقرارات الدولية بعيدا عن قعقة سلاح قطاع الطرق الذين ألحقوا الأذى بمجتمعات عربية عديدة واستنزفوا أموالا طائلة بحجة القضية الفلسطينية.

وما يجب التذكير به هنا أنه قد قُدمت للفلسطينيين عروضا دولية هي أفضل بكثير من اتفاق أوسلو في سبعينات القرن العشرين وثمانينياته غير أنهم رفضوها وأقنعوا الدول العربية برفضها. لم يكن الأمل هو السبب بل مصلحة صناع ذلك الأمل المضلل.

اليوم فشل ذلك الخيار. أليس من السخرية أن نستمر في تصديق المقاومين بعد أن تبين لنا أنهم مجرد اجراء لدى دولة أجنبية لا هدف لها سوى الحاق الأذى بالعرب، دولا وشعوبا؟

أعتقد أن عودة التفكير السليم إلى العقل العربي لا يشكل نوعا من التطبيع.

حزب الله دمر لبنان وجوع شعبه الذي سقط في فخ مقاومته.

حركة حماس التي صار زعيمها اسماعيل هنية ثريا حولت غزة إلى حالة إنسانية وسبب للتسول.

التنظيمان المقاومان اللذان يبتزان العالم العربي بصمودهما هل حررا سنتيمترا واحدا من أرض فلسطين؟

سنحول أنفسنا إلى ضحايا مجانية إن اتبعنا كذبة المقاومة.

كان المقاومون قد اخترعوا فلسطينا غير التي نسعى إلى استعادتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق