اسرار حرب لبنان
بقلم مهند طلال الاخرس

اسرار حرب لبنان، من انقلاب بشير الجميل الى حرب المخيمات الفلسطينية، تأليف آلان مينارغ وهو كتاب من القطع الكبير ويقع على متن ٤٨٠ صفحة وهو من اصدار المكتبة الدولية في بيروت بطبعته الثالثة سنة ٢٠٠٩، تعريب مجموعة من المترجمين بتنسيق غازي برو. تقوم فكرة واحداث الكتاب على تقديم رواية متسلسلة عن تلك الايام وتلك الفترة الممتدة منذ عزم بشير الجميل الاسيلاء على السلطة وحتى مقتله وما تلا ذلك من مجازر في صبرا وشاتيلا. في الكتاب تتبع لتلك الاحداث والجرائم التي ارتكبها بشير بعد ان صفى كل خصومه بالدم، حيث ترأس بشير الجميل، النجل الاصغر لاحدى العائلات اللبنانية المارونية الكبرى، المليشيا المسيحية وفرض نفسه بواسطة الخوف والسطوة على الاحزاب المسيحية الانعزالية وبمساعدة اسرائيلية ودعم امريكي. وبفضل المساعدة الاسرائيلية والامريكية، وبفضل مساعدات الجيش الاسرائيلي والموساد بشكل خاص. وبعد اعتراف واشنطن به طرفا محاورا، باشر محادثاته مع الانظمة العربية، واقام تحالفا سياسيا وعسكريا مع شارون ورفائيل ايتان لطرد الفلسطينيين من لبنان. في هذا الكتاب يروي الان مينارغ (وهو مراسل لاذاعة فرنسا في العالم العربي والذي كان مقيما في لبنان لفترة تزيد على ١٥ عام) يروي تفاصيل بقيت في الخفاء وطي الكتمان معتمدا على فرصة استثنائية توفرت له في الحصول على وثائق غير منشورة، وقد اورد الكاتب ملحقا خاصا في اخر الكتاب من ص ٤٣٧ وحتى ٤٨٠ يتضمن بعض تلك الوثائق التي توفرت تحت يد الكاتب. الكتاب من النوع الضخم جدا، والزاخر بالمعلومات بتفاصيلها الدقيقة، وهذ المعلومات الدقيقة والوثائق الحساسة والتي تغطي فترة الحرب الاهلية في لبنان وبالتزامن مع بزوغ نجم المجرم والعميل الطائفي بشير الجميل وحتى انتخابه رئيسا للبنان تحت رعاية وحماية الدبابات الاسرائيلية. الكتاب اشبه ما يكون قلم مهمته الوحيدة توثيق وتتبع خط سير ومسير بشير الجميل حتى وصوله للرئاسة، وهذا الوصول لن يكون الا على دماء الفلسطينيين ومخيماتهم وتطهيرها من وجودهم، لا بل طرد الفلسطينيين منها وجعلها حدائق للحيوانات، وتلك كانت امنية بشير واجمل احلامه!. الكتاب غني بالاحداث والخبايا الصادمة لا سيما تلك المتعلقة بالوضع اللبناني المسيحي الداخلي، فسرعان ما تكتشف تعقد وتعدد وتشابك خيوط الاتصال بين الجهات المارونية والروابط المسيحية المتعددة مع الاحتلال الاسرائيلي، لدرجة ان تلك الزيارات واللقاءات تصدمك بدرجة التوافق على مواجهة الفلسطينيين وطردهم، بالاضافة الى كره السوريين والرغبة في الخلاص من سيطرة الاسد على لبنان. الكتاب يمثل وجهة نظر اليمين المسيحي الانعزالي والطائفي بالنسبة لازمة لبنان وتوابعها، وفي الكتاب سريعا ما تكتشف تلك النظرة وتلك التربية لاتباع بشير الجميل ومن لف لفهم من بقية الميلشيات المسيحية القذرة والمتحالفة مع اسرائيل. الكتاب يكشف بالوثائق كل تلك الزيارات السرية والعلنية التي حصلت بين بشير الجميل والانعزاليين اللبنانيين ويكشف اهم بل معظم مقررات تلك اللقائات، كما يكشف عن كل تلك المساعدات الاسرائيلية العسكرية من العتاد والسلاح والطيران والمدفعية والاموال والدعم اللوجستي، والمساعدات السياسية التي تلقاها بشير الجميل في سبيل وصوله للرئاسة وتنفيذ مطالب الاسرائيليين والامريكان. الكتاب يشير بوضوح لتلك الوقائع والمراسلات واللقاءات المتعلقة بالنزاع اللبناني، ومن نافلة القول ان نشير الى اهتمامه فقط بتلك الوقائع التي تتعلق ببشير والتي يكون بشير محورها، فبشير بطل هذا الكتاب بدون منازع، وعلى الرغم من سفالته وحقارته ووضاعته التي تقشعر لها الابدان ، الا ان القاريء سرعان ما يكتشف انه مجرد حجر على رقعة الشطرنج يحركه ويستأجره كل اصحاب المصلحة والنفوذ لتقويض وتفتتيت المنطقة العربية ، ولاخذهم ذريعة للتدخل دائما في شؤون المنطقة العربية وتركها عرضة للاستنزاف في سبيل خدمة الكيان الطاريء والمغتصب لفلسطين وفي سبيل تحقيق اهداف الرأسمالية الغربية المقيتة. الكتاب يكشف عن دور النظام السوري اللعوب والمتقلب والهادف للسيطرة على الورقة الفلسطينية والارض اللبنانية معا، كما ويكشف عن تلك الرسالات والتطمينات المتبادلة بين الاسد واسرائيل ، والتي كان عرابها الملك حسين. كما يكشف الكتاب النقاب عن دور السعودية والكويت والعراق وايران وليبيا والمغرب في تلك الازمة، ويغيب اي ذكر لمصر او اي موقف عربي مشرف تجاه الصمود والحصار في لبنان، حتى ان الكاتب يتعمد تغيّب اي موقف للثورة الفلسطينية بشأن تلك الحرب وتلك الفترة، فلا يتطرق لها إلا لماما. هذا الكتاب وما فيه من معلومات لم تتوفر لاحد من قبل، ولم يحصل عليها طرف من قبل سوى مخترعي لعبة البيادق، وسوى محترفي تحريك الوتد في تلك القصة الشهيرة بين ابليس وابنه، والتي جائت خلاصتها بما يفيد باشعال النار كلما هدأت، وتحريض الناس على بعضهم وادامة الحقد والغل بين الناس وادخالهم في دوامات متلاحقة من الفوضى والقتل. الكتاب يقدم نظرة مغايرة لما اعتدنا ان نقرأه ونسمعه عن فترة بيروت و حتى الاجتياح والخروج، فالكتاب يقدم تلك الاحداث من وجهة نظر اقرب للاسرائيليين والموارنة، حتى يخيل لك ان كل تلك المعلومات لا يمكن ان تجمع من قبل صحفي او كاتب، وهذا ما يتوصل اليه اي عاقل من بداية الكتاب، تلك المعلومات وغزارتها وتسلسها وتتابع الاحداث فيها، كأنها اخذت من ارشيف ضخم، وهذا الارشيف كان من ضمن مهامه التكليف بتدوين محاضر واجتماعات كل اركان القيادة الاسرائيلية مع بشير الجميل، ذلك الملف اكاد ان اجزم انه موجود على رفوف كل القيادات الاسرائيلية باسماء سرية عدة، لكن كلها كانت تشفيرا لمسمى “البيدق المنيك”.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى