اغتيال سليماني يُطلق مواجهة “مؤجلة”
محمود الريماوي

قبل يومين على استهداف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني (62 عاما)، قرب مطار بغداد، كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوجّه إلى طهران ما سماه “تهديدا وليس تحذيرا” من استهدافها السفارة الأميركية في بغداد. وكانت هذه السفارة قبل تهديد ترامب هدفا لاحتجاجات عنيفة من متظاهرين عراقيين، موالين للحشد الشعبي عموما، ولكتائب حزب الله العراقي، ولوحظ وجود قياداتٍ من الحشد على رأس حملة الاحتجاجات هذه (بينهم أبو مهدي المهندس نائب قائد قوات الحشد الذي قضى في ضربة الاستهداف هذه)، وهي الحملة التي أربكت حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، وفي حلقات سلسلة التحدّيات المتبادلة، فقد تعرّض موقع لكتائب حزب الله العراقي لقصف أميركي قرب الحدود العراقية السورية، أدى إلى مقتل وإصابة عشرات من مقاتلي هذه الكتائب، بينهم قيادات عسكرية.
في ضوء ذلك، تنطوي هذه السلسلة من عمليات التصعيد على مغزىً رمزي كبير، فالولايات المتحدة ترى في سفارتها في بغداد مكانةً رمزيةً كبيرة، تعكس مكانتها الدولية القيادية، وتمثل الدولة التي فتحت باب التغيير في العراق بإطاحة النظام العراقي السابق. ويستحضر استهداف السفارة باحتجاجاتٍ عنيفة على أسوارها وعلى أبوابها، وفي باحتها الداخلية، حادثة احتلال السفارة الأميركية في طهران في العام 1979، غداة قيام الثورة الايرانية على نظام الشاه. وهو ما أدى لاحقا إلى إغلاق هذه السفارة، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. وعلى الرغم من أن الأخيرة قدمت لاحقا ما يشبه اعتذارا عن استهداف السفارة، وأجرت محاكمة لبعض من استهدفوا السفارة من “طلبة الثورة الإسلامية” واحتلوها واحتجزوا 52 دبلوماسيا أميركيا 444 يوما، وقبل أسابيع شهدت مدن إيرانية احتفالات صاخبة بحلول الذكرى الأربعين لاحتلال “وكر الجواسيس”.
أما الجنرال قاسم سليماني فيمثل رأس الحربة الإيرانية في مواجهة النفوذ الأميركي، وفي بسط النفوذ الإيراني في منطقتنا. وقبل سنوات قليلة، حين اشتد خطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مع احتلاله الموصل، كان الأميركيون، ومعهم قوى غربية وعربية، يراهنون، من باب خفي، على دور الرجل في مكافحة هذا التنظيم الإرهابي في العراق، علماً أن سائر مكونات العراق والقوات المسلحة قد أدّت القسط الأكبر، ودفعت التضحيات الأعظم، في مواجهة التنظيم المتوحش. ولم تمض سوى سنوات، حتى وضعت واشنطن سليماني على قائمتها للإرهاب. وبات الرجل هدفا معلنا لحملةٍ أميركية. وقد احتجب عن الأنظار إثر ذلك عدة أسابيع، غير أنه عادود الظهور مع الاحتجاجات الشعبية العراقية التي اندلعت مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وقاد حملة بلاده لإبقاء عادل عبد المهدي على رأس الحكومة العراقية. ولكن طهران تراجعت عن ذلك تحت ضغط الاحتجاجات، على غرار تراجعها عن التمسّك بحكومة نوري المالكي في العام 2014. وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلن في طهران عن الكشف عن خطةٍ لاستهداف سليماني بوضع مواد متفجرة، تحت نفقٍ يؤدي إلى حسينيةٍ يملكها والد سليماني في مدينة كرمان وسط البلاد.
ولا ريب أن استهداف قاسم سليماني فجر أمس الجمعة، 3 يناير / كانون الثاني الجاري، في مطار بغداد، يمثل تصعيدا نوعيا في سلسلة المواجهة الأميركية مع طهران، فالمذكور من أبرز القادة العسكريين في نظام الجمهورية الإسلامي، وتولى قيادة فيلق القدس منذ العام 1998، وكان يشارك، في الوقت نفسه، في صنع القرارات السياسية، نظرا لقربه من المرشد آية الله علي خامنئي. وتُناط به مهمة تعزيز وجود القوى السياسية والمسلحة المؤيدة لإيران. وقد لعب دورا محوريا في حماية النظام السوري من الانهيار على وقع الاحتجاجات الشعبية، ونشاط المعارضة السورية المسلحة. كما لعب الرجل دورا في رفع مستوى الجهوزية العسكرية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة (ضمن عملياتٍ لوجستيةٍ معقدة)، وهو ما يتحدّث به قادة من الحركتين في صيغ مختلفة.
وقد اختارت واشنطن، باستهدافها سليماني في مطار بغداد، الخيار العسكري الأقل كلفةً بالنسبة لها، فعمليةٌ من هذا النوع لا تثير ردّاً عسكريا فورياً من إيران. والهدف خارج إيران وليس داخلها أو في مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية. وعلى الرغم من النفوذ الإيراني في العراق، إلا أن واشنطن ما زالت تحتفظ بنفوذٍ راكمته أكثر من عقد، ابتداء من العام 2003، بل إن قدرا من الاتصالات والتنسيق كان يتم عبر قنوات دبلوماسية واستخبارية بين الجانبين، إبّان الحملة على “داعش”، وقبلها وبعدها عبر الحكومات العراقية المتعاقبة. كما يتقاطع ويتعارض كل من النفوذين، الأميركي والإيراني، في أفغانستان، على أن العراق مرشّح لأن يمثّل، في المدى القريب المنظور، ساحة المواجهة بالوكالة بين إيران وأميركا، فقد اشتد ارتفاع الأصوات المندّدة بالوجود الأميركي، خلال العام الماضي، في بلد الرشيد، وبدا النفوذ الإيراني يتجه إلى الحسم مع النفوذ الأميركي مع وجود ما يزيد عن ستين مليشيا مسلحة تدين بالولاء لإيران، ” وعقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الغربي مع إيران. والراجح أن جولات التحدّي بين الجانبين سوف تتخذ من أرض العراق، وعلى حدوده، ميدانا لها، وهو ما يفسّر مطالبة واشنطن رعاياها بمغادرة العراق فورا، وسوف تُضفي مزيدا من التعقيد على الوضع الداخلي العراقي، وتضيّق من الهامش السياسي المفتوح أمام الاحتجاجات الشعبية، وذلك حين يجري تصوير أمر هذه الانتفاضة الوطنية المناوئة للفساد والتبعية، على أنها تصبّ في خدمة المشروع الأميركي. وفي جميع الأحوال، أضعف عجز القوى المتنفذة في العراق ووهن إرادتها، أو عدم رغبتها في بسط سيادة الدولة والقوات المسلحة، من قدرة هذا البلد على النأي بنفسه عن أن يكون ساحةً لصراعاتٍ إقليمية ودولية، وألقى عليه أعباءً ضخمةً تستنزف موارده الطبيعية والبشرية.
وعلى الطرف الآخر، الأميركي، زادت هذه الضربة من الهوّة بين الديمقراطيين والجمهوريين، بما يُضعف من فرص عزل ترامب (وهي لم تكن قوية في الأصل)، حيث سارع ديمقراطيون إلى رفض الضربة ونعتها بالحماقة، وهو ما قد يعزّز حظوظ ترامب في الانتخابات الرئاسية، خصوصا مع عدم بروز قطب ديمقراطي ذي وزنٍ حتى الآن في منافسته. وإن كان من المبكر معاينة ارتدادات هذا التصعيد على الداخل الاميركي، كما على المنطقة، وذلك مع ترقب حجم الرد الإيراني ونوعه، والذي قد يتخذ صيغة ردود متعاقبة، تتركز على “الساحة” العراقية، ولا تقتصر عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق