الأجندات المُختلقة لا يمكنها أن تُخفي أزمة تركيا الاقتصادية
علي عبادي

على الرغم من أن هناك الكثير من الأخبار المختلقة التي تجذب اهتماماً كبيراً في تركيا، فإن هناك موضوعين يتصدرّان المشهد هذه الأيام: الأول هو مشروع قناة إسطنبول، والثاني هو المتعلق بقضية إرسال جنود إلى        ليبيا، التي تمزقها الحرب. لكن إذا نظرنا عن كثب، فإننا سنستطيع أن نرى أن هذين الموضوعين هدفهما إلهاء الرأي العام عن مشاكل البلاد الحقيقية.

والقضية الأكبر التي يريد المسؤولون أن يناقشها الرأي العام في الوقت الحالي، هي أن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية. ومن آن إلى آخر، قد يخرج وزير ما ليقول إن وضع الاقتصاد جيدٌ في الوقت الحالي؛ لكن المواطن العادي في الشارع يعرف من تجربته الخاصة أن هذا غير صحيح. غير أن الناس يخشون من الجهر بهذا، لئلّا يتعرضوا لمشاكل أو ينتهي بهم الحال في السجن. ومن ثم فإن أحداً لا يستطيع في واقع الأمر أن يتفوه بكلمة واحدة عن المشكلة.

وما زالت استطلاعات الرأي تُظهر أن القاعدة المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ستظل تصوّت له، على الرغم من الأزمة. وفي أي حال من الأحوال، يبدو أن دواعي الحيطة والحذر تستلزم الحديث عن أمور مثل مشروع قناة إسطنبول وليبيا، بدلاً من الأزمة الاقتصادية.

وفي الآونة الأخيرة، صارت بيانات الحكومة وتصريحاتها تؤكّد كيف سيكون المشروع هبة للاقتصاد. غير أن الكثير من المشروعات التي يدّعي الحزب الحاكم أنها ستحقق النمو الاقتصادي، تهدف فقط إلى إثراء الشركات القليلة التي تفوز بمناقصات وعطاءات البناء، بينما أغلبية المواطنين غير راضين في الحقيقة عن هذه المشروعات.

أحد تلك المشروعات التي لم تخضع لمناقشات كافية هو مشروع مطار إسطنبول الجديد، والذي بُني على الرغم من جميع ما حذّر منه الخبراء والمدافعين عن البيئة. ولديّ فضول حقيقي لمعرفة كيف ساعد هذا المطار الاقتصادَ، لأن ذلك المطار من الصعب الوصول إليه بسبب وجود مشاكل في الرياح والضباب، ولأن النفقات المرتبطة به مرتفعة للغاية. يجب ألّا ننسى أيضاً أن الزعماء والقادة الأجانب، بل والرئيس رجب طيّب أردوغان نفسه، ما زالوا يستخدمون مطار أتاتورك القديم عندما يتوجّهون إلى إسطنبول.

ليس المطار الجديد فقط هو الذي يضر بالاقتصاد. على سبيل المثال، فإن المشاكل التي كانت هناك تحذيرات مسبقة منها عندما بُني الجسر الثالث فوق مضيق البوسفور تتكشّف الآن؛ فالأخبار تبيّن لنا أن الطرق التي تصل إلى هذا الجسر تستنزف الكثير من الأموال عبر بوّابات الرسوم المميكنة غير الملحوظة، بينما لا يسترد السائقون أموالهم عندما يكون هناك ازدواج في دفع الرسوم. في الوقت ذاته، فإن نفقات الجسر ما زالت تُدفع من الخزانة، لأن عدد السيارات المستهدف عبورها الجسر لا يمكن الوصول إليه.

خلاصة القول، إن مشروع قناة إسطنبول لن يكون صعباً ومكلفاً فحسب – إذا اكتمل أصلاً – وإنما يبدو أيضاً أنه سيضيف المزيد من الأعباء الاقتصادية وسيدمّر البيئة المحيطة به.

وتزداد القضية الليبية تعقيداً يوماً بعد يوم، لكنها لم تصبح بعد مُربكة على النحو الذي باتت عليه سياسة تركيا في سوريا. وبطبيعة الحال، فإن خلف الستار يوجد أثر لا يمكن أن ينكره أحد لخطوة إعادة ترسيم الحدود التي نفذتها روسيا. لكن ما زال هناك سؤالاً حول ما إذا كان المرتزقة الذين أُرسلوا من سوريا للقتال في ليبيا سيحصلون على الجنسية التركية.

وبالنظر إلى قضيتي قناة إسطنبول وليبيا، فإننا نستطيع أن نرى أن هاتين القضيتين لا تُحدثان استقطاباً مماثلاً للذي تسببا فيه في الماضي. ومن ثم، فإنهما لن يناسبا أهداف حزب العدالة والتنمية بشكل كاف. أما فيما يتعلق بإجراء انتخابات مبكّرة من عدمه، فإن حزب العدالة والتنمية سيجد صعوبة في تحقيق الفوز باستخدام التكتيكات المثيرة للخلاف، التي استخدمها مرّات كثيرة جداً من قبل. وعلى الرغم من أن مشروع قناة إسطنبول يبدو أفضل دعاية لديهم الآن، فإن ناخبي حزب العدالة والتنمية لا يؤيدون المشروع بقدر ما يعارضه من يقفون ضدّه.

ومن الممكن النظر إلى مشروع القناة على أنه أشبه بخطط الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية إلى بناء جدار عظيم على الحدود مع المكسيك؛ فتكلفة بناء المشروع مرتفعة للغاية، وأثره لن يكون كبيراً، لكنه في الحقيقة أداة مفيدة يمكن استغلالها خلال الانتخابات.

وعندما يختلق السياسيون في تركيا وفي أنحاء العالم أخباراً، تتبادر إلى ذهني شخصيتّي ليكس لوثر والجوكر العدوّان اللدودان لسوبر مان وباتمان – عندما قالا إنهما سيعيشان حياةً طبيعية وسيدخلان في شراكة. فعلى الرغم من أن بطلينا لا يصدقانهما، نجدهما يفشلان عندما يحاولان الإمساك بهما في حالة تلبُّس، لأن ليكس لوثر والجوكر لا يملكان أي خطط. ويستغل المجرمان تحامُل سوبرمان وباتمان في البداية لوضعهما في موقف صعب، وبعد ذلك يحاولان تشتيت انتباههما لتنفيذ جريمة سرقة كبرى كانا قد خططا لها. وعلى الرغم من أن خداعهما الطويل يؤثر على البطلين، نجد الشريرين قد أُلقي القبض عليهما في النهاية.

ومنذ زمن طويل، يستفيد السياسيون من اختلاق أجندات الأخبار في دول بعينها؛ لكن الأمر الذي لا مفر منه هو أن خططهم تفشل عند نقطة ما، كما كان الحال مع ليكس لوثر والجوكر. وحتى إذا صدّق الناس تلك الأجندات الكاذبة في البداية، فإنهم يكتسبون حصانة منها بمرور الوقت. وعلى وجه الخصوص، عندما تُصبح حياتهم اليومية صعبة للغاية، فإن جميع المشاكل – باستثاء الاقتصاد – تصبح بلا معنى.

ومن الصعب للغاية صرف انتباه الرأي العام بإخفاء شيء كبير بحجم الأزمة الاقتصادية خلف أخبار مختلقة. وقد تصدرّت المعارضة المشهد في انتقاد مشروع قناة إسطنبول، مما جعل الرأي العام يشعر بمزيد من الارتياح لفعل المزيد، دون الخوف من التداعيات. والمهمة الأساسية للمعارضة الآن هي أن تبدأ في الحديث عن الاقتصاد كما فعلت مع القناة، وتؤكد على أن وجود أزمة اقتصادية يضر بالناس، وتشرح خططها للخروج بالبلاد من هذه الأزمة. وإذا لم تفعل المعارضة هذا، فستُصبح تركيا أقرب إلى حافة الهاوية بتمسكها بتلك الأخبار المختلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق