الأسطول الحربي المصري في البحر الأسود: المحددات والأهداف
أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي العام

أصدرت الولايات المتحدة الأميركية في عام 2007 أحدث الوثائق الخاصة بالاستراتيجية البحرية الأميركية بعنوان: “استراتيجية تعاونية للقوة البحرية للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين”، وهي الوثيقة التي صدقت عليها قيادات كل من القوات البحرية ومشاة الأسطول وحرس الحدود في الولايات المتحدة.
وسعت تلك الوثيقة إلى دمج وتكامل القوات البحرية للولايات المتحدة مع عناصر القوات الأخرى، وتأكيد التعاون مع القوات الحليفة، كما تؤكد الوثيقة على أن المناطق الدولية في المحيطات والسواحل تحتوي على تسعين في المئة من التجارة العالمية، وأن الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام القوة البحرية على النحو الذي يحمي المصالح الحيوية للولايات المتحدة.

أكّدت الوثيقة أيضا أن العولمة، في الوقت الذي أدت فيه إلى زيادة الرخاء في كثير من الدول، إلا أنها أدّت كذلك إلى المزيد من المنافسة على المصادر الرأسمالية والاقتصادية بين المؤسسات العابرة للحدود القومية والمنظمات العالمية.

كل ذلك رفع أُفق التوقعات ما يشجع الدول على المطالبة ببسط سيطرتها على المحيطات والمرات المائية والموارد الطبيعية، وهو ما يؤدي إلى صراعات. كذلك زادت العولمة من انتشار تكنولوجيا المعلومات والأسلحة، وعَزّزت قدرات الدول والمنظمات العابرة للحدود القومية، لكي تتحدى التدخلات البحرية، فضلا عن أن الاستخدام العشوائي اللامتكافئ للتكنولوجيا بات يُشكل خطرا على الولايات المتحدة وحلفائها، حيث أنه قد يتضمن استخدام أسلحة الدمار الشامل، وعمليات شديدة الضراوة على أنظمة الحاسوب الآلي والأنظمة المالية والقانونية.

تُركز الاستراتيجية البحرية للدول على الوسط البحري أكثر من تركيزها على الأساطيل، وهي تَدُل على أن البحر يقدم مكاسب للدول في زمن السلم فضلا عن زمن الحرب، فاستراتيجية الأسطول ليست إلا فرعا عنيفا من استراتيجية البحر، والرابط بين الاستراتيجية البحرية واستراتيجية الأسطول رابط وثيق العرى لا ينفصم سِلما أو حَربا، لأن الصلاحيات والبنيات التحية الضرورة مشتركة بين الاستراتيجيتين، وتُعرَف الاستراتيجية البحرية برهاناتها المتعددة، الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، ولا يمكن الجزم بتراتبية مطلقة لهذه الرهانات المشار إليها.

سَطر “هامان”، أحد أبرز المنظرين في الاستراتيجية البحرية، في عام 1890 سُفره الموسوم: “تأثير القوة البحرية في التاريخ” وقدم في كتابه هذا المبادئ والأسس الناظمة لعمل القوة البحرية للدولة، ومن أبرز ما دّونه في مؤلفه الأَغّر: أن البحر يصلح وقبل كل شيء بفضل الطرق التجارية التي يقدمها للمبحرين، وتنشأ الحاجة للأسطول البحري الحربي من اتساع الأسطول البحري التجاري الذي تتوجب حراسته من المطامع من كل نوع وأقدمها القرصنة، أما المستعمرات فإن وظيفتها أن تؤمن للتجار محطات تجارية ومرفئية فوق الشواطئ البعيدة، والفتوحات العسكرية بذاتها ليست لها إلا أن تستكمل مرحلة طويلة من العلاقات السلمية، وهكذا نشأت السيطرة البريطانية التي يستند إليها مُؤَلف هامان.

لا جرم أن تأمين التوسع التجاري للدولة يتأسس على تقديم الوسائل المساعدة على تحقيق “جيوستراتيجية شاملة” لا يمكن بدونها مجابهة المنافسين والخصوم للدولة، وفي القرون الغابرة تمحورت المجهودات الرئيسية للقوة الاستعمارية وفي الصدارة منها بريطانيا على الاستيلاء على القواعد البعيدة مثل: جبل طارق ومصر ومالطا ومصر والهند وهونغ كونغ وعدن، مما أتاح لبريطانيا العظمي أن توسع مركزيتها في الشمال الأوروبي بما يعادل حجم أوروبا الأسيوية، فبالإضافة إلى المكاسب المباشرة التي عادت على بريطانيا، شكّلت هذه القواعد البحرية مرافئ تَزّود إجبارية بالنسبة للأساطيل التجارية أو الحربية للدول الأخرى.

لا غِناء عن التوطئة السابقة لسبر أغوار الحدث الأول الذي حاز على اهتمام الخاصة والعامة على السواء، وهو عبور قطع الأسطول البحري المصري لأول مرة في مضيق البوسفور التركي، بغرض إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع الأسطول الروسي في البحر الأسود في سابقة تدون في السجل التاريخي للأسطول الحربي المصري، ولكن الأكثر إثارة في خضم التقاطعات الجيوسياسية المختلفة في الإقليم وخاصة منطقة شرق البحر المتوسط، كل ما يرتبط بتركيا الجديدة التي أضحت الهاجس الرئيسي لكافة الدول والمنظمات المعنية باستقرار الأمن وحفظ السلم في مكمن ثروات العالم “شرق البحر المتوسط”.

تذخر تركيا بالمفارقات العجيبة التي تشكل بواعث زحفها وتمددها الحيوي خارج يابستها الجغرافية، ودون اعتبار للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي أُبرمت بعد الحرب العالية الأولى، فإذا كانت تركيا تشكل نقطة عبور مهمة لنفط وغاز روسيا ودول بحر قزوين إلى أوروبا، فإنها تفتقد الاحتياطات البترولية وهي بحاجة إلى زيادة وارداتها السنوية البترولية، نظراً لضخامة وتطور صناعاتها والتضخم الاقتصادي الكبير والتردي القياسي لليرة التركية في العامين الأخيرين بفعل أفعال عديدة أهمها العقوبات الاقتصادية الأميركية ضد تركيا منذ عامين، ولهذا عَمَد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى انتهاز أي فرصة مشروعة أو غير مشروعة للتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط للمشاركة في ثروات المنطقة.

مثّل حادث طرد الفرقاطات البحرية التركية لحفار شركة إيني الإيطالية من المنطقة الاقتصادية القبرصية في فبراير عام 2018، ثم مرافقة قطع الأسطول الحربي التركي لسفن البحث والتنقيب والحفر التركية مؤخرا سواء في المياه الاقتصادية لقبرص واليونان في سابقة تاريخية لم تمارسها دولة من قبل انتهاكا لمبادئ القانون الدولي للبحار، برهانا ساطعا للقوة الغاشمة الخشنة التي صارت ديدنا للسياسة التركية في السنوات الأخيرة، وكانت البحرية الحربية التركية الأداة التنفيذية للسياسة الخرقاء “للجمهورية التركية الجامحة”.

ازداد الصراع الجيوسياسي في بعض الأحيان ليشمل منافسات حادة بين الشركات الدولية، للحصول على شروط مفضلة لهذه الشركات، ويعد النموذج الليبي المرآة العاكسة التي يرى فيها الناظر ضراوة هذه النزاعات الجيوسياسية بين دول كبري، أهمها: فرنسا وإيطاليا وروسيا وغيرها من الدول، أما شرق بحر المتوسط فقد ذخر بالأساطيل الحربية لأكثر من عشرين دولة في العقد الأخير، مما يجسد حيوية الأساطيل الحربية للدول في تحقيق مآربها السالف الإشارة إليها.

تمثل الطبيعة الخاصة للبحر شبه المغلق “البحر المتوسط” مُعضلة كبيرة خاصة للدول الساحلية في شرق هذا البحر ومنها بالطبع مصر وتركيا، فهذه الطبيعة الجغرافية التي تتنازع في عديد القضايا القانونية مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي طبقتها تركيا في البحر الأسود حين عينت حدودها مع كثير الدول المطلة على هذه البحر، ولا تريد تطبيقها في شرق البحر المتوسط إلا حسب “الوصفة التركية”، وتتضامن المعاهدات الدولية التي أبرمت بعد الحرب العالمية الأولى مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في كبح جماح التمدد التركي، على الصعيد القانوني على الأقل.

إن التطور الدراماتيكي الأخير المتمثل في إصدار أول ميثاق لأول منظمة تُعنى بالغاز واستثماراته لدول شرق البحر المتوسط، وكَون مصر الدولة المقر لهذه المنظمة المهمة، ليس أمراً مُنبت الصلة بضرورة الحفاظ على الجاهزية القتالية العالية للأسطول الحربي المصري، خاصة في ظل بذل مصر جهوداً مستمرة للعثور على احتياطات بترولية جديدة لتلبية ازدياد الاستهلاك السنوي للنفط، وكذلك العمل السنوي لزيادة احتياطات الغاز من أجل مجابهة زيادة الاستهلاك الداخلي، واعتماد نحو 85 في المئة من توليد الطاقة الكهربائية المصرية حالياً على الغاز، بالإضافة إلى محاولة مصر الاستفادة القصوى من منشآتها الغازية من أنابيب الغاز الدولية ومحطات تسييل الغاز لأجل التصدير.

وختاما، تحقق التدريبات العسكرية المشتركة التي تجريها القوات البحرية المصرية مع نظيرتها الروسية مكاسب عديدة سياسية واقتصادية وجيوسياسية، فالتدريبات من ناحية توطد العلاقات الثنائية بين البلدين، خاصة في الآونة الأخيرة، وعلى الأصعدة الأخرى تُعزز المكانة المتميزة ن اكتسبتها مصر مؤخرا في إقليم شرق البحر المتوسط، أما عن المكاسب العسكرية فأحد أهم هذه المكاسب نقل الخبرات البحرية عن البحر الأسود الذي تزوره قطع الأسطول البحري من جديد بعد أن خُبَّرت القوات البحرية بأجواء البحر الأسود والقوقاز غير مرة أثناء الحروب العثمانية – الروسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى