الأسير المحرر هلال جرادات يروي تجربته النضالية فى سجون الاحتلال

يواصل مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس نشر تجارب ، حيث ينشر بحلقة هذا الأسبوع تجربة الأسير المحرر والمبعد إلى قطاع غزة هلال جرادات من جنين .

الأسير المحرر والمبعد هلال محمد أحمد جرادات من مواليد التاسع من تشرين الثاني عام 1966 في بلدة اليامون غرب جنين، ويسكن حاليا في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، وهو من نشطاء حركة فتح وأمضى في سجون الاحتلال 27 عاما، وقد روى لمركز أبو جهاد تجربته النضالية . منذ صغري كنت أُشاهد قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تعتدي على شعبنا وتقتحم البيوت ، فتشكّلت لدي شخصية ناقمة على هذا العدو الذي يحتل وطننا. صرت أشارك في المظاهرات المدرسية، وفي العام 1982 شاركت في مظاهرة ضد الحرب الإسرائيلية على لبنان، هجم جيش الاحتلال على المظاهرة واعتقل مجموعة من الطلبة وكنت من بينهم ، نقلونا إلى مراكز التحقيق واستمر اعتقالنا مدة 10 أيام، رأيت كيف يصفونا طوابير تحت تهديد البنادق والإرهاب ويدفعونا إلى خيم الاعتقال المحاطة بالجنازير. وفي العام 1983 قامت قوات الاحتلال بوضع مواد سامة في خزانات شرب المياه في مدرسة اليامون  للبنات بجنين،  لقد حدثت حالات تسمم، وقام الاحتلال أيضاً بوضع أدوية في المياه بهدف تعقيم الفتيات ومنع قدرتهن على الإنجاب في المستقبل، فخرجنا مظاهرة حاشدة ، وفي تلك الفترة اعتقلت للمرة الثانية واستمر اعتقالي مدة عام ونصف، وفي العام 1985 أعادت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقالي مجدداً لمدة عام ونصف أيضاً. وفي العام 1987جاء الاعتقال الطويل حيث اعتقلتني قوات الاحتلال بتهمة تنفيذ عملية فدائية ، والانتماء لحركة فتح ، حيث حكموا عليّ بالسجن مدة 99 عاماً،   ومكثت في السجن ما يقارب من 24 عاماً حتى تم الإفراج عني في صفقة وفاء الأحرار بتاريخ 18/10/2011 وأُبعدت إلى قطاع غزة. مسيرة طويلة في السجون  تعرضت خلالها لأساليب تعذيب قاسية وقاهرة، ربطوا كيس الأوساخ على رأسي عشرات الأيام، لا استطيع التنفس، كلبشات اليدين والرجلين استمرت أياماً طويلة وسط نزيف الدماء، عُزلت تحت الأرض في الزنازين ، الخنق ، الشبح في أعلى الحائط، حقنوني إبرة  وصار عندي تضخم في الخصيتين صرت أعاني من الألم في الجهاز البولي،  تراكمت الحصوات في الكلى، عملت عمليات لتفتيت الحصى، عملت عملية جراحية لإزالة المرارة، تعرضت للإهمال الطبي في السجون،  لازلت أُعاني من ألام في العمود الفقري والظهر واليدين، تعرضت لصدمات في رأسي وارتجاج في المخ، تعرضت لتعذيب الصعقات الكهربائية، تعرضت للعزل الانفرادي لمدة 3 أشهر ، كانت من أسوأ الأيام حيث تم عزلي في مكان لا اعرف فيه الأوقات كنت دائم الانتظار لأي صوت يقترب ويخفف من وحدتي.

 

(التعذيب النفسي)

تعرضت للتعذيب النفسي ، فالاحتلال لا يتوانى عن استخدام كل أساليب الصدمات  النفسية ، وهنا أقول إنه بمجرد أن يحدد السجان للأسير ما يأكل وما يشرب وما يلبس  وفي أي زنزانة أو أي غرفة أو أي قسم أو أي سجن يكون فهذا تعذيب نفسي. منع الزيارت، منع الطعام، تقديم الطعام السيء، الإهمال الطبي ، حرمان الأسير من الرسائل والقراءة والكتب هو تعذيب نفسي، لقد لامست التأثير النفسي، نتيجة مراحل التعذيب والعزل التي مررت بها ، لامست أن السجن قتل الجانب الحسي لديّ، أحيانا تمر أحداث  أو أسمع أخبار حتى عن عائلاتنا وأهلنا، نسمع أن أخي أو قريبي تزوج فلا أشعر بشيء، يأتي يوم العيد فلا أشعر بشيء، كنت مع باقي الأسرى نحاول قدر الإمكان التغلب على هذه الصعوبات من خلال الصمود والصبر.

 

(تجربتي التعلمية)

وبخصوص تجربتي التعليمية، وخلال وجودي في السجن وجدت أن عندي وقت فراغ لابد أن استثمره في العلم ، ومن خلال  ومتابعتي لبعض الوسائل الإعلامية الإسرائيلية ، وجدت أن دولة الاحتلال تتطور بسبب العلم،  لهذا اتخذت القرار المهم بتسخير كل وقتي لتحصيل المعرفة والعلم والثقافة. تعلمت اللغة العبرية للتعمق في قراءة الصحف العبرية ومعرفة كيف يفكرون، كما صرت أقرأ كل ما أجد من كتب فكرية وثقافية، إضافة إلى الصحف والمجلات التي تدخل مثل صحيفة القدس المحلية. كان هناك ضابط إسرائيلي للتعليم يقوم بانتقاء الصحف والكتب التي تدخل للسجن، وهذا يُعد من الانتهاكات الرقابية التي تمارسها سلطات الاحتلال في السجون فهم يحرمون الأسير من تلقي الثقافة التي يريدها. اذكر أن ضابط التعليم يتدخل في نوعية الصحف والمجلات والكتب التي تدخل، أحياناً يحضر كتباً لا فائدة منها فقط هدفها إشغال الأسرى بل تسبب لهم المزيد من الصدمات النفسية، لكن عموماً كنت احرص على انتقاء الكتب المفيدة. حصلت على الثانوية العامة فرع علمي في سجن جنيد عام 1989 ثم حصلت على درجة البكالوريوس  في التاريخ والعلوم السياسية من الجامعة العبرية. اتجهت لتعلّم اللغات حتى اعتمد على نفسي في فهم ما يُقال ويكتب، عرفت أنه لا يجوز على الأسير أن يستمر في سؤال زملائه ما هو ترجمة مقال كذا أو ما معنى كلمة كذا ، يجب على الأسير أن يعتمد على نفسه  وهذا ما عملته فعلياً فصرت أتعلم حتى اعتمد على نفسي وابني ذاتي. تعلمت اللغة العبرية في شهرين، استفدت في التعلم من خلال التحدث مع إدارة السجن و متابعة الأخبار ، وبعدما أتقنت العبرية، شرعت في تعلّم لغات جديدة، كالإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والألمانية، والروسية، و الإيطالية، والتركية، واللاتينية، والفارسية، والإثيوبية، بالإضافة إلى كسب بعض المعلومات عن اللغة اليونانية القديمة، والرومانية، والبربرية، والسريانية، والآرامية وبذلك أكون قد تعلمت في السجن 16 لغة . كنت أتعلمها من خلال كتب تعليم اللغات والتي تتوفر في السجن، كما كنت أسعى لطلب بعض الكتب من الخارج ، إن توفير الكتب مهمة شاقة لقد أضربت أكثر من مرة عن الطعام تحت هدف رئيس وهو إحضار كتب للسجن خاصة كتب تعلم اللغات حتى أكمل مشواري في هذا الأمر، كنت ارغب في تعلم اللغات بهدف إتقانها والقراءة والتثقيف. كنت اقضي قرابة ثماني ساعات يومياً في قراءة الكتب، وتحديداً الكتب التاريخية والمهتمة بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية، بجانب الاطلاع على الإصدارات الخاصة بعلم النفس والإعلام والاقتصاد والطب والفلسفة. حفظت 7 أجزاء من القرآن الكريم، كما قرأت الأحاديث النبوية الشريفة ، صرت اقرأ القرآن بصورة مختلفة ، كنت أقرأ وأتخيل المشاهد التصويرية في الآيات القرآنية واكتساب المعاني والتفاسير. من خلال القراءة والتثقيف الذاتي الطويل اكتسبت ملكة الكتابة فألّفت العديد من المذكرات والخواطر حول السجن والاعتقال، ألفت كتاباً خاصاً بعنوان”الحرب على غزة 2008″ فيه معلومات ومشاهد حول الحرب والمواقف المحلية والعربية والدولية، ترجمت عدة كتب  من اللغات الفرنسية والاسبانية إلى العربية ، ترجمت قصص أطفال، كتبت خواطر وأشعار  وفق الشعر الحر أو العمودي حول الحنين للوطن والحرية والفكاك من السجن. ومن المواقف الطريفة أتذكر في سجن شطة كان أحد الأسرى يُخبيء “الكتج”  وهو معمول لبن مع جبن من أجل أن يصنع به كنافة، فإثر ذلك نظمت قصيدة  هزلية قلت بها:” حُرمنا من أكل الكُتج رغم كثر الزاد في الدرج.. وشكوت لزيد هذه الحالة وهو سيد العرج..” بعد التحرر حصلت على بكالوريس أيضا في مجال جديد وهو إعلام وترجمة من جامعة فلسطين بغزة،  ثم ماجستير دراسات شرق أوسطية من جامعة الأزهر، ثم دكتوراه في العلوم السياسية من السودان، لقد علّمني السجن التحدي والإصرار، دفعني على بناء ذاتي  وبناء طموحي العلمي والثقافي.

(التربية والسجن)

وبخصوص التربية داخل السجن فهي مرتبطة بمراحل تاريخ الحركة الأسيرة، فالمرحلة بين العام 1917 حتى 1948 كان فيها مشاهد صعبة من حيث إعدام  عطا الزير وفؤاد حجازي  ومحمد جمجوم، كان هناك بناء لسجون مثل عكا وصرفند  ونور شمس، بدأ الصهاينة يعملون وفق مبدأ تعدد السجون حتى لا يكون هناك أسرى في مكان واحد يمكن أن تحدث وحدة بينهم،  صار هناك بناء أقسام وغرف للأسرى  كل ذلك بشكل مدروس ضمن نظرية التفتيت حتى لا يكون الأسير قوياً في محيطة ، في هذه المرحلة التربية كانت قاسية  كل أسير يتلقى شيء معين ويتشرب واقع مؤلم لكن يحاول التكيف قدر الإمكان. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة من العام1948 حتى العام 1967 وبها نشاط فدائي مسلح في تلك الفترة وتحديداً عام 1958 ظهر التمرد كانعكاس لنوع التربية وانعكاس للصمود  فحدث هروب سجن شطة الشهير، أما المرحلة بعد 1967 حتى الآن فهي مرحلة  التربية والمواجهة المستمرة واثبات الأسير نفسه رغم كل محاولات التعذيب والقهر والذل رغم محاولات الصهاينة ممارسة شتى الطرق النفسية والجسدية في إحكام قبضتهم على الأسرى. لقد عشت هذه المرحلة خاصة الثمانيات والتسعينات وتربيت في السجن مباديء الانتماء وحب الوطن والإيثار والقيم الحميدة، إذن يمكن القول أن تطور الفكر التربوي يأتي بناء على تطور الواقع الاعتقالي. وإذا كنا نتحدث عن التربية فلابد من القول أن التربية نوعان ايجابية وهي التي يحصل عليها الأسير من تلقاء نفسه أو من تأثير ظروف السجن أو تنظيمه أو الأنشطة التي تُنفذ في السجون وهي التي تُربي حب الوطن وتزرع المودة والتعاون والتكاتف. وهناك نوع آخر من التربية وهي التربية السلبية ولها عدة أسباب منها الاحتلال الذي  يُعذب ويقهر ويزرع الأفكار الغريبة  ويمرر الكتب والمجلات  التي تحتوي على ثقافة مشوهة. وهناك سبب آخر للتربية السلبية لم يتحدث به أحد وهو التنظيمات والفصائل أو مجتمع الأسرى نفسه ، فهناك بعض التصرفات تترك في الأسير آثاراً سلبية وتربية سلبية، كأن تفرض بعض الفصائل على الأسير أشياء لكي يعتنقها وهو في غنى عنها، فمثلاً لماذا تقوم بعض الفصائل في السجون بفرض مسلكيات ثورية معينة ودفع الأسرى لقراءة وتعلم معتقدات معينة؟ لماذا يتم هناك في بعض الحالات إرهاب فكري، صحيح الأسير يستفيد من أي شيء في السجن لكن هناك أمور تكون زائدة عن اللزوم.

 

(المجابهة)

وفيما يتعلق بمواجهة السجان فالأسرى يسطرون أروع ملامح البطولة ، والتحدي مع السجان نقطة بالغة الأهمية، وهناك العديد من المشاهد والصور التي تدل على مواجهة الأسرى للسجان منها  عندما تكون عندنا أزمة داخلية  نوجهها  نحو الاحتلال  أفضل بكثير من أن نمررها بين زملائنا الأسرى. ومن نماذج المواجهة أننا فرضنا على إدارة السجون عدم التعاطي مباشرة مع الأسير ، بل أصبح تنظيم واضح في هذا الشأن وهناك ممثلين يتحدثون باسم الأسير ، ومن صور مواجهة السجان أن الأسير يُطور نفسه يُشعر الآخرين بأنه إنساناً ليس عادياً . يحاول السجان دوماً قهر الأسير ويقتل فيه روح التحدي من خلال التعذيب والشبح والممارسات النفسية ، والألفاظ النابية، والتحطيم المعنوي، اذكر كان السجانون الإسرائيليون يقولون لنا:” شوفوا كيف الفصائل تقتل بعضها بعضا ، شوفوا مظاهر الفساد، أنتم في السجون أصبحتم كباراً في السن وانتهت حياتكم، و الشباب اللي أصغر منكم تزوجوا وكونوا الأسر ولديهم أطفال.. هذه الأساليب كانت تؤثر على المواجهة لكن كنا كأسرى، لا نلتفت لمثل هذه الأقوال ،  نقول:” لازم نتحدى ، إن سقطنا انتهينا للأبد” لذلك نستمر في المواجهة والمجابهة لأبعد الحدود، كنا نرسخ العمل الوحدوي والجماعي كنماذج للتحدي ذهبنا للتعلم والدراسة وخلق المناخ الثقافي وتنمية القدرات. من قصص مواجهة السجان محاولة التمرد والهرب من السجن وهي قصص كثيرة في السجون وكانت لي تجربة في هذا الشأن اذكر كنت في سجن شطة عام 1998 كنا نتعرض لشتى أنواع التعذيب فقررنا أن ننفذ محاولة هرب كنت أنا مسؤول المغسلة في السجن ، فكرة الهرب كانت عبارة عن حفر نفق بجوار المغسلة يخرج إلى خارج سور السجن القريب، بالفعل بدأنا الحفر بواسطة المسامير والملاعق وكسرنا حائط وباطون ، استمرت العملية مدة عام كاملة، كنا ننقل الرمال المستخرجة من الحفر بواسطة المعلبات الفارغة عبر سلّة القمامة أو إذابة الرمال في الماء.من مهماتي اضلل حراس السجن ، بصفتي مسئولاً عن المغسلة، كنت أتحدث لهم عن واقع الأسرى وانقل لهم معلومات مضللة عن  الأسرى واختلق وجود مشكلات بين المساجين فأحكيها لهم، وبذلك كنت اكسب ود الحراس و احصل منهم على أي شيء أريده  لصالح عملية الهروب. كان من المقرر هروب 22 أسيراً ، دوري السادس، هرب 3 أسرى وبالفعل غادروا السجن، الأسير الثالث ارتكب خطأ واحداً وهو عدم وضع كرتونة على فتحة النفق الخارجية، وأثناء مرور جيبات الاحتلال خارج السجن شاهدوا الفتحة  وطوقوا المكان والمنطقة كلها وقاموا باقتحام السجن وإغلاقه بالكامل وعزلنا جميعا، صحيح فشلت عملية الهروب في هدفها الرئيسي لكنها كانت بمثابة جهد واضح في المجابهة مع السجان. ومن قصص المواجهة في سجن بئر السبع وأثناء الإضراب عن الطعام كان أحد حراس السجن يحكي أن الأسرى يفطرون ، ولا يلتزمون بالإضراب، كان يريد تحطيم معنويات الأسرى، فقلت لهذا الحارس أمام الأسرى لاتصدقون اليهود كلامهم كذب، استمروا في الإضراب ، الإضراب أمر ضروري لتحقيق مطالبنا. عندما تحدثت بذلك جاء حراس السجن ونقلوني لغرفة الإدارة وأجبروني على خلع ملابسي من أجل التفتيش ، مارسوا بحقي التفتيش العاري تحت تهديد السلاح ، ثم احضروا ملابس غير ملابسي وقالوا:” البس هدومك”، رفضت لبس الهدوم  لسبين الأول هذه ليست هدومي والثاني أنني شعرت بإهانة  التفتيش، فقررت الإضراب عن لبس الملابس، توقفت عن اللبس ووصل الأمر لمدير السجن الذي حضر مع الجنود واعتذروا وتحدثوا أنهم اخطئوا فقمت بلبس الملابس، كنت أريد توصيل رسالة أن الأسير إنسان ومن غير اللائق الحط من أدميته وأن التفتيش العاري انتهاك لكل الأعراف والمواثيق الإنسانية. التفتيش العاري الذي تعرضت له يُذكرنا بما كانت تقوم به سلطات الاحتلال الأمريكي في سجن أبو غريب بالعراق ، لقد كان الاحتلال الإسرائيلي يتبع نفس الأساليب في سجونه داخل فلسطين المحتلة وهذا ما تعرضت له وتعرض له الكثير من الأسرى.

 

(الإبعاد)

بخصوص إبعادي إلى غزة، كنت امشي في ساحة السجن، قالوا إن الأخبار تشير إلى وجود صفقة لتبادل الأسرى ، رحت في غرفتي قرأت قرآن  ونمت ، وأثناء نومي حلمت أنه جاءني شيخ  قال:” أنت مروح والصفقة الأسبوع القادم”، صحيت وقلت للشباب الحلم، فقالوا يمكن رؤية صحيحة، ومنهم من قال أنني مثقل في الطعام وهذه أضغاث أحلام. وخلال اليوم التالي سمعنا الأخبار أن هناك فعلاً تم توقيع اتفاقية الصفقة، وعلقنا الإضراب عن الطعام الذي كنا نخوضه في تلك الأيام، ذهبنا لنستمع للإذاعة لنطالع قوائم الأسرى المنوي الإفراج عنهم، كانت فترة حرجة وشد أعصاب و ضغط نفسي، مرّ 100 اسم،  مرّ 200 اسم، اسمي غير موجود، وعند الرقم 418 جاء اسمي وقال المذيع  هلال جرادات محرر لكن مبعد إلى غزة. فرحت كثيراً وفي نفس الوقت حزنت ، لم أنم في تلك الليلة، حتى وصلنا لمصر وتنفسنا الصعداء. أولى أيام التحرر كنت غير مستوعب شيء، فجأة أتحرر من السجن، وهذا فرح كبير، لكن بعيداً عن الأهل، كان الناس يحضرون ويذهبون، هناك عزائم، والدي وإخوتي جاءوا فترة من الزمن ثم غادروا ، أهل القطاع استقبلوني خير استقبال. أسكنوني في أحد الفنادق  ثم استأجرت شقة، تزوجت من غزة ، كان عمري 45 سنة،  يوم زواجي لم اشعر بالبهجة الكبيرة لأنني مبعد لايوجد عندي أخت أو أخ  لا يوجود أهلي وهذا في حد ذاته أمر صعب، صحيح الزملاء والأهل في غزة لم يقصروا معي فأنا أقدم كل الشكر والتقدير لأهل قطاع غزة ، لكن وجود أسرتي أمر مهم أيضاً. سارت حياتي طبيعية لكن أثار السجن لا تزال موجودة، فقدرتي الإنجابية مع بداية الزواج كانت تساوي صفر بسبب أثار التعذيب،  ذهبت للأطباء للعلاج، قررت أن أُطلق زوجتي  حتى لا اظلمها معي، لكن مع استمرار العلاج تحسنت حالتي، تراجعت عن قرار الطلاق،  واستطعت الإنجاب وأصبح لدي 3 أبناء هم جنين وكرمل ومحمد. سكنت في شقة في أبراج مدينة الزهراء ثم تم قصفها الطيران الإسرائيلي في العدوان على غزة عام 2014 بعد ذلك استأجرت شقة ثانية، ثم قررت شراء أرض وبناء بيت مستقل بعيداً عن المدن، وبالفعل فقد سكنت في مخيم النصيرات في مكان ريفي وزرعت ورد بجانب البيت ، أنا اهتم بالطبيعة كثيراً، اهتم بالذهاب إلى الأماكن الخالية بعيداً عن الناس، لا اعرف أهو الانعزال أم رغبتي في التفريغ النفسي بعد سنوات طويلة من الأسر في غياهب سجون الاحتلال. حالياً اعمل محاضراً في جامعة فلسطين، ومختص في اللغات والترجمة، ومختص في قضايا الشرق الأوسط، أُشارك في البرامج الإذاعية والتلفزيونية للحديث عن قضايا شعبنا وقضايا الأسرى والحديث بقضايا الشرق الأوسط والشؤون الإسرائيلية واعمل مستشار إعلامي وقانوني محلف ومحاضر جامعي ، ومترجم قانوني ، والعمل ضمن قيادة الكادر الفتحاوي، كما ساهمت في تأسيس ملتقى الأسرى والمحررين. رغم حبي الذهاب إلى الأماكن الخالية والاستمتاع بالهدوء إلا أنني أُشارك في الفعاليات المجتمعية، دوماً لي رسالة مهمة أحب تأديتها، أحب أن أشارك في الفعاليات المناصرة للأسرى، أُحاول قدر الإمكان خدمة شعبي، أنشأت جمعية خيرية ، عملت في عدة منظمات ومؤسسات في مجال خدمة الأسرى. بسبب قدرتي على الحديث باللغات الأجنبية كان لي نشاط إعلامي خلال أحداث  مسيرات العودة، والعدوان على غزة والضفة والقدس، فاعمل جاهداً على نقل الرواية الفلسطينية السليمة للعالم. وهنا أُوضح نقطة مهمة أن شعبنا ينقصه متخصصين بعدة لغات ، نحن بحاجة إلى ناطقين ومختصين بلغات مختلفة حتى يحكوا عن هموم شعبنا وتفنيد الدعاية الصهيونية، كما أن شعبنا بحاجة لمتخصصين في الشؤون الدولية والعربية. وفي قضية المبعدين أطالب هنا الاهتمام بهم  بأن يكون لهم ملف توثيقي و يتاح لهم التواصل مع أهلهم،  مثال مبعدين الضفة بغزة مطلوب توفير طريق لهم لزيارة الأردن أو السكن في الأردن حتى يكونوا قريبين من أهلهم و هناك حاجة للاهتمام بالمبعدين والأسرى وعدم المساس برواتبهم ، وإعادة النظر في التقارير الكيدية  وضرورة الاهتمام بهؤلاء المبعدين وإعطاؤهم دور سياسي فالكثير منهم يحمل درجات علمية عليا  لكن لا يتم منحهم المجال والفرص.

 

(حتماً سنعود)

والدتي توفيت عام 1989 رحمها الله ، أما والدي رحمه الله فقد توفي قبل 3 سنوات أثناء وجودي في غزة، مُنعت طبعاً من المشاركة في جنازته ،حزنت كثيراً عليه خاصة وأنه كان يزورني دوماً،  قرار إبعادي لغزة يتضمن بنداً خاصاً بأن الإبعاد ومنع العودة لجنين هو أمر ساري المفعول مدى الحياة. لكن هذا القرار حبر على ورق وبإذن سنعود لجنين والقدس ويافا وحيفا، إنشاء الله تتحقق أمنيات شعبنا بأن يتحرر جميع الأسرى وتتحقق العودة وتتحرر القدس وتتحرر فلسطين كل فلسطين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى