الأسير المناضل نضال نغيغية .. أصغر مقاتل ومطارد بالفهد الاسود

تقرير: علي سمودى 

في مرحلة مبكرة من حياته ، انضم المناضل نضال إبراهيم عيد  نغنغية “البدوي” ، 44 عاماً من مخيم جنين ، لصفوف حركة “فتح “، ويعتبر أصغر مطارد في مجموعات الفهد الاسود الجناح العسكري للحركة خلال انتفاضة الحجر ، فقاتل وقاوم الاحتلال حتى أصيب و اعتقل وحوكم  وتحرر عدة مرات  ،  وفي كل مرة كان  أكمل مشواره الكفاحي ، ولم يتأخر عندما نادت الاقصى ، فكان من أوائل مقاتلي كتائب شهداء الاقصى ،فشارك في كافة المعارك ونجا من عدة محاولات اغتيال وخلال ملاحقته رزق بطفليه التوأم ساره ويارا ، وعاقب الاحتلال عائلته بهدم منزلها واستهدافها ، لكن روح المقاومة سكنت اعماق كل فرد فيها ، فاستشهد شقيقيه أسامة وأحمد ، ولم يسلم أحد من عائلته من عذابات الأسر ، ويقبع حالياً في سجن “النقب ” الصحراوي ليقضي محكوميته البالغة 17 عاماً ، مع شقيقه الأسير القائد في الكتائب محمد المحكوم بالسجن 7 سنوات ونصف.

من حياته ..

في مخيم جنين ، أبصر نضال النور  بتاريخ 4-7-1972 ، ليكون الثالث في أسرته المكونة من 11 نفر ، والتي تعتبر عائلة لاجئة ومناضلة ، وتقول رفيقة دربه فلسطين ” نشأ وتربى في جنبات المخيم وسط عائلته التي ربته على النضال وحب الوطن والعطاء والتضحية ، منذ صغره وعلى مقاعد الدراسة في مدارس الوكالة ، تمتع بروح نضالية ووطنية عالية “، وتضيف ” عاش معاناة جيله جراء ظلم وبطش وغطرسة الاحتلال ، وحفظ من والده تفاصيل ودروس النكبة التي شردت عائلته وشعبه من اراضيهم التي احتلت في نكبة عام 1948 ، فتأثر كثيراً وادرك واجبه ومسؤولياته الوطنية ، فبدأت مسيرته النضالية في عز الشباب مع حركة فتح “، وتكمل ” نضال بار بوالديه ومخلص وطيع ، شجاع وشهم وكريم ، يعشق وطنه وارضه ويؤمن بحق العودة ، ومثلما كان حنوناً ومعطاءاً لعائلته ، كرس حياته للنضال ومقاومة الاحتلال ، فدوماً كان في مقدمة الصفوف بمواجهة المحتل.

الانتفاضة الاولى

عندما اندلعت شرارة انتفاضة الحجر عام 1987 ، تقدم نضال الصفوف وحمل الراية وقاوم الاحتلال ، وتقول زوجته أم أسامة ” قاد المسيرات والمواجهات في مدرسته وازقة المخيم ، كان في الصف الحادي عشر ، لكنه تخلى عن طموحه واحلامه واصبح مشاركاً في التصدي للاحتلال الذي أصابه بعيار ناري في الساق الايمن ثم اعتقل في 25-2-1988 ، حوالي شهر قضاها في أقبية التحقيق “، وتضيف ” لم ينال السجن من عزيمة نضال ، فانتمى لمجموعات الفهد الاسود ، وكأن أصغر شبل مقاوم للاحتلال الذي طارده حتى اعتقل في كمين للوحدات الخاصة  بتاريخ  2-3-1989 ، وبعد التعذيب والتحقيق حوكم بالسجن الفعلي 22 شهراً قضاها كاملة وتحرر “، وتكمل ” عندما تنسم الحرية ، كانت الانتفاضة وعمليات الفهد الاسود في ذروتها ، فلم يتقاعس أو يتأخر ، استعاد موقعه الطبيعي بين صفوف المنتفضين ، ولعب دوراً بطولياً ، ليصبح مطلوباً من جديد ، فواصل الاحتلال ملاحقته حتى اعتقل في  29-9-1991 ، وسطر ملاحم بطولة وصمود خلف القضبان حتى حطم القيد وعاد لعائلته.

انتفاضة الاقصى ..

رغم زواجه ، انضم نضال لصفوف كتائب شهداء الاقصى ، وتقول زوجته فلسطين ”  تمتع بروح المحبة والعطاء والصدق والحنان ، يحب العائلة ويقدس الحياة الزوجية ، لكنه غيور على شعبه وعاشق لوطنه ، فحمل بندقيته وانطلق لميادين المواجهة في مخيم ومدينة جنين ، يتحدى الاحتلال بجرأة وبطولة “، وتضيف ” اصبح نضال وسلفي محمد مطلوبين للاحتلال ، تمردا ورفضا الاستسلام ، واصبحنا محرومين من رؤيتهما بسبب الملاحقة والكمائن وعمليات الدهم التي لم تتوقف ليل نهار “، وتكمل ” عندما داهمني المخاص ، ونقلوني لمشفى جنين ، لم يتمكن نضال من الانضمام لي والوقوف معي في اهم لحظة ينتظرها كل أب مع زوجته الحامل بطفليه التوأم ، فقد فرض الاحتلال الحصار على المخيم الذي تحولت ساحات لميادين معارك عنيفة “، وتكمل ” في اللحظات الصعبة ، وسط اصوات الانفجارات والرصاص ،  كنت ووالدته المناضلة والصابرة الحاجة لطيف، نتضرع لرب العالمين ليحميه ويرى طفلتينا وتتربيان في كنفه.

في ميدان المعركة ..

تروي أم أسامة ، أن زوجها المطارد نضال ، تلقى نبأ ولادتها وانجابها لطفلتيهما التوأم ساره ويارا خلال مشاركته رفاقه المقاتلين التصدي للاحتلال والدفاع عن المخيم ، وتقول ” عشت لحظات امتزجت فيها المشاعر بين الفرح والألم ، وعندما سمع المقاتلين بالخبر ، احتفلوا وسط المعارك ووزعوا الحلوى مع نضال الذي ابتهج وفرح بتحقيق حلمه “، وتضيف ” بسبب الاحتلال ، مرت أيام ولم يتمكن نضال من رؤية طفلتيه ، وبعد مغادرة الدبابات المخيم ، حضر مع رفاقه المقاتلين لمنزلنا واحتفلوا معنا ، وكانت اجمل لحظة بعمري ، عندما عانق نضال ساره ويارا ، وردد الاذان وكبر في اذنهما”، وتكمل ” بدد الاحتلال فرحتنا وسعادتنا ، فكانت تلك المرة الاولى والأخيرة التي يتحقق فيها العناق بين التوأم ووالدهن في ظل استمرار الاحتلال بملاحقته وهدم اجزاء من منزل العائلة كعقاب وللضغط على نضال ومحمد لتسليم انفسهما  “، وتتابع ” خلال معركة مخيم جنين في نيسان 2002 ، تمكن الاحتلال من اعتقال سلفي محمد بعدما شارك مع نضال في مواجهة الاحتلال ، وكتب رب العالمين عمراً جديداً لزوجي الذي نجا من المجزرة والاعتقال.

استشهاد أسامة ..

لم تنال العقوبات والتهديدات من عزيمة وارادة نضال الذي اكمل مشواره رغم التهديدات باغتياله ، وفي تاريخ 3-4-2001 ، ارتقى شقيقه أسامة شهيداً ، وتقول أم أسامة ” كان سلفي أسامة مناضلاً وبطلاً ومغوار ، شارك في مقاومة الاحتلال منذ بداية انتفاضة الاقصى ، لم يكن يرتاح لحظة ، وفي كل موقع مواجهه يتقدم الصفوف مع زوجي نضال “، وتضيف ” فجر يوم عيد الاضحى المبارك ، حقق أسامة امنيته بالشهادة على أرض جنين خلال تنفيذه عملية ضد الاحتلال على الشارع الالتفافي قرب مفرق الناصرة جنين ، واثار استشهاده ثورة غضب واسعة “، وتكمل ” خرجت جنين ومخيمها بمسيرات حاشدة طوال الليل حتى لحظة تشييعه صباحاً ، وعمت اجواء الحزن والالم والغضب لما يتمتع به الشهيد من محبة واحترام لدى الاهالي والمقاومة التي زفته عريساً لفلسطين “، وتتابع ” رغم اعتزازنا الكبير بشهادته ، فقد تاثر وحزن الجميع لفقدان الابن البار والمناضل الوفي والمقاتل الشجاع ، وتخليداً لذكراه  ، اطلق نضال على نفسه اسم أبو أسامة على أمل أن يكرمنا رب العالمين بطفل يخلد اسمه عمه الذي لا تفارقنا ذكراه ابداً.

حكم واعتقال ..

هدم منزل عائلته ، وتهديدات الاحتلال ، لم تنال من روح وعزيمة المقاتل والمطارد نضال ، فاستمر في قيادة كتائب شهداء الاقصى حتى اعتقل في عملية خاصة بتاريخ 25/3/ 2003 ،وتقول زوجته ” طوال فترة مطاردته عشنا كوابيس رعب وقلق على حياته ومصيره ، بعد ألم استشهاد أسامة واعتقال محمد خلال معركة مخيم جنين ، وتاثرنا كثيراً بنجاح الاحتلال في اعتقال زوجي الذي اقتادوه فوراً لاقبية التحقيق “، وتضيف ” تعرض نضال للعزل ومنع الزيارات خلال فترة احتجازه في زنازين سجن الجلمة ، لكنه صمد وتحدى بارادة قوية حتى انتهت الفترة القاسية “، وتكمل ” استمرت معاناتنا بين المحاكم والتمديد والتوقيف حتى حوكم بالسجن الفعلي لمدة 17 عاماً ، وخلال السنوات الماضية ، تنقل بين السجون وواصل تأدية دوره وواجبه وخدمة الأسرى ، فتقلد عدة مناصب تنظيمية حتى اصبح الموجه العام لاسرى حركة فتح في سجن النقب الصحراوي الذي يقبع فيه مع شقيقه محمد.

صبر وتحدي ..

في محطات حياة وكفاح نضال ، الكثير من صور الوجع والمعاناة ، وتقول الزوجة أم أسامة “عشت حياتي ، أعتز وفخورة بمواقف وبطولات ودور زوجي ، صبرت وتحملت المسؤولية الكبيرة رغم المعاناة المريرة خلال مطاردته واعتقاله ، ومنذ اليوم الاول ، عاهدته على الوفاء والانتظار واكمال المشوار لتربية ورعاية بناتي ، فقسمت حياتي بينه وبينهن “، وتضيف ” حرصت على أن يعيش بيننا ، لتعميق علاقته ببناتي ، فصوره تزين جدران منزلنا ، لنتحدث اليه ، ودوماً تقف ساره ويارا أمامها وكل منهما تخاطب والدها على طريقتها “، وتكمل ” حرصت على رفع معنوياتهن ، وتعزيز ارادتهن وصمودهن ، فقد كنت استمد العزيمة والقوة من نضال الذي لا يغيب اسمه وذكره عنا لحظة “، وتتابع ” في المناسبات ، كنت احرص على شراء الهدايا وتقديمها لبناتي كهدية من والدهن حتى احافظ على علاقة المحبة والتواصل التي تعجز عن وصفها والتعبير عن مشاعرنا كل الكلمات واللغات، وقد كبرت البنات واصبحن يواظبن على زيارة والدهن رغم المشقة وبعد المسافة لمنفى النقب.

 

وجع وحرمان ..

الأمنية الوحيدة التي راودت ساره ويارا ، عناق والدهما حتى للحظات بانتظار انكسار القيد واجتماع الشمل ،  وتقول ساره ” لم أعيش أو  أشعر بحنان والدي أبداً ،  كان حلمي وأملي أن احتضنه وأشعر بحرارة قلبه اتجاهنا ، تمنيت في كل لحظة أن أكون مثل الأطفال الاخرين ، لكن الاحتلال سرق عمر والدي وأجمل محطات العمر سواء في الاعياد وكل المناسبات “، وتضيف ” لم نكن نعلم ونحن صغار بتصحيات وثبات والدتي التي كانت تشتري لنا الالعاب والهدايا وتقدمها لها باسم والدنا ، انها حنونه ووفية وقد أدت رسالتها ببطولة ، عاشت لنا ومع والدنا ، ومارست دور الأب والأم في وقت واحد،  ولكن تبقى الحياة والمشاعر وطعهما بوجود الأب مختلفة ، فكلنا دوماً نحتاج الى  والدي الحنون  نضال.

 

حضن الوالد ..

على بوابات السجون ، قضت ياره وسارا طفولتهما وسنوات عمرهما ، كبرتا وحققتا النجاح في الثانوية العامة واصبحتا بسن 18 عاماً  طالبتين في الجامعة ،  وتقول “بدات زيارتنا  لوالدي منذ عمر 10 شهور لغاية اليوم ، كانت كلماتنا الاولى أسير وسجن .. تقاسمت وشقيقتي ووالدتي كل صنوف المعاناة ومشاعر الحزن عندما نرى العائلات سعيدة معا ، بينما الاحتلال فرق شملنا وفرض علينا وجع الغياب “، وتضيف ” في فترات كثيرة ، كانت تشتد معاناتنا عندما حرمنا الاحتلال من زيارة والدي لمدة عامين ونصف ، ومنعت والدتي لمدة 7 سنوات “، وتكمل ” كلما كبرنا ومرت سنة ، تتعمق الجراح وتزداد الاحزان ووالدي بعيد عنا  معي في كافة اللحظات الجميلة التي عشناها خاصة خلال الدراسة ، لطالما تمنينا حضوره  في كل مرحلة نجاح “، وتتابع ”  سلحنا والدنا بالامل وبدعمه ورعاية والدتي والعائلة ، وفقنا رب العالمين في كافة المحطات ، لكن ما ينغص علينا عدم مشاركة والدنا لنا فرحة العمر بعد النجاح في الثانوية والوصول للجامعة.

 

افراح مؤجلة ..

رفضت التوام ساره ويارا ، الاحتفاء بفرحة النجاح بالثانوية والتحاقهما بجامعة القدس المفتوحة تخصص مصادر التعليم والتكنولوجيا ، وتقول ” كرمنا رب العالمين بالنجاح ليبقى والدنا يفخر ويعتز بنا بعدما تخطينا كافة المراحل حتى وصلنا للجامعة ، ونتمنى حرية والدي ليشاركنا لحظات العمر بتخرجنا ، ونهديه نجاحنا وشهادتنا ونفرح بنهاية تحكم السجان والسجان بنا “، وتضيف ” قضى والدي خلف القضبان 16 عاما ونصف ، واعتبر هذه السنوات طويلة جداً وليست قليلة ، ففي كل لحظة فيها عشنا غصة ، ونتمنى حرية والدي لنعيش حياة سعيدة ويعوضنا فيها عن كل سنوات الحرمان من احضانه “، وتكمل ” كل يوم ، نحصي الدقائق والثواني ، ونرسم اجمل الصور التي نستقبل فيها والدي لنعيش عائلة واحدة ونكون كجسد واحد.

 

صور أخرى ..

في سجن ” النقب ” الصحراوي ، يقضي الأسير نضال الفترة الأخيرة من اعتقاله ، وقد تحدى الاحتلال بمواصلة دراسته ، فحقق النجاح في الثانوية العامة وانتسب لجامعة القدس المفتوحة تخصص ” اجتماعيات ” وبقي له فصل واحد للتخرج ،وتقول الزوجة أم أسامة ” الحمد لله صبرنا واقتربت لحظة الحرية ،ونحن نستعد لاستقباله بعرس فلسطيني كبير على ارض مخيم جنين “، وتضيف كريمته يارا ” عيدنا الحقيقي اقترب ، ولا اصدق اللحظة التي نرى فيها والدنا عائداً ، وباذن الله ، سنعوضه عن كل يوم ألم ووجع عاناه خلف القضبان ،  وهو سيمنحن حنان الاب ،سيدفينا بقلبه الحنون ، وسنجعل كل ايامه جميلة وسعيدة ، ونعيش كل حياتنا أعياد معه.

الشهيد والرحيل ..

ما ينغص هذه المشاعر ، غياب الوالدة الحنونة الحاجة لطيفة حسين حسن نغنغية بتاريخ 18-2-2014، والابن البار الشهيد أحمد الذي ارتقى بريعان الشباب   في 6 /7/2006، وتقول أم أسامة ” خلال اعتقال نضال ، فجعنا باستشهاد شقيقه أحمد بسن 16 عاماً ، ذهب لبيت العزاء لتادية الواجب باستشهاد الشاب فداء نمر قنديل ، فعاد محمولاً على الاكتاف بعدما اصيب برصاص الوحدات الخاصة “، وتضيف ” حماتي أم عدنان ، التي عاشت حياتها مناضلة وصابرة وخنساء فلسطينية ، بكت كثيراً على فقدان احمد واسامة وغياب نضال ومحمد ، كانت امنيتها ان تعيش لتفرح بحريتهما ولكن اختطفهما المرض باكية وحزينة لانها لم تودعهما “، وتكمل ”  سيكون نضال حزيناً عندما يتحرر لغياب والدته عن استقباله ، لكن هذا قضاء الله وقدره الذي نتضرع له ان يتغمدها مع الشهداء ويخفف عنه وعنا ألم ووجع فراق كل الأحبة الذين لن ننساهم “.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق