الأهداف الخفيّة وراء الادعاء بنصر إلهي مزعوم
د. عماد بوظو

انتهت معركة جديدة في غزة وأعلنت أغلب وسائل الإعلام العربية ومواقع التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب الإسلامية هزيمة إسرائيل، واستعانت لتأكيد ادعاءات النصر هذه ببعض ما نشرته الصحافة الإسرائيلية المعارضة لنتانياهو من انتقادات واستخدمتها كدليل على اعتراف الإسرائيليين أنفسهم بالهزيمة، ونتيجة حاجة الشعوب العربية لأي نصر دون التدقيق في حقيقته، فقد عمّت الاحتفالات الضفة وغزة وتجمعات فلسطينية أخرى.

ولكن بما أن المعركة حديثة ودماء ضحاياها لم تجفّ بعد، فمن الممكن التأكّد من مدى مصداقية ادعاءات النصر هذه ومدى مطابقة البيانات التي صدرت خلال المعركة مع الواقع، فقد أجمع هذا الإعلام على فشل القبة الحديدية في التصدي لصواريخ حماس، “ننعي لكم القبة الحديدية”، “القبة الحديدية تفشل مثل خط بارليف والذعر يخيم على إسرائيل”، “نتانياهو يعترف بعجز الجيش الإسرائيلي عن مجاراة صواريخ المقاومة”.

هذه بعض العناوين العريضة في وسائل الإعلام العربية، ولكن الذي حدث في الواقع أن حماس والجهاد الإسلامي أطلقت أكثر من 4000 صاروخ أدّت إلى مقتل 12 شخص في إسرائيل بينهم عاملين تايلنديين قرب بئر السبع، وسيدة عربية وابنها في قرية دهمش قرب اللد، وسيدتين إسرائيليتين في الستين والثمانين من عمرهما في عسقلان، وسيدة في 87 من عمرها توفيت لدى محاولتها الهروب إلى الملجأ في أشدود، ورجل قرب تل أبيب، وكان بين القتلى جندي إسرائيلي واحد فقط لا غير، وليس من المعروف كيف يمكن اعتبار هذه الخسائر مقارنة مع هذا العدد الكبير من الصواريخ فشل للقبّة الحديدية.

بل أن هذه النتائج أكّدت أن صواريخ حماس التي أطلق عليها أسماء إعلامية طنّانة مثل “أي 120″ و”عياش 250” غير دقيقة بل عشوائية، لأنها لم تتمكن من إصابة أهداف كبيرة جدا مثل كامل مدينة تل أبيب أو القدس، كما تبيّن أن القوة التدميرية لها ضعيفة، وبالإمكان ملاحظة ذلك من الحجم الصغير للحفر التي أحدثتها على أسفلت الشوارع، رغم أنها إذا أصابت سيارة بشكل مباشر ستؤدي إلى إحراقها ويمكن تصوير ذلك كأثر تدميري كبير.

وفي محاولة للتغطية على هذا التباين بين العدد الكبير من الصواريخ والخسائر المتواضعة التي نجمت عنها، لجأ هذا الإعلام إلى الحديث عن الخسارة الاقتصادية لإسرائيل، لأن صاروخ حماس يكلّف 300 دولار بينما الصاروخ الإسرائيلي الذي يتصدى له يكلف 100 ألف دولار، ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار إسرائيل خاسرة رغم نجاحها في التصدي للأغلبية العظمى من صواريخ حماس، وإذا كانت هذه المقارنة مقبولة على مستوى العتاد العسكري فإن سحبها على الخسائر البشرية لا يجب أن يكون مقبولا، رغم أن الإعلام العربي اعتاد طوال العقود الماضية على اعتبار قيمة الإنسان الإسرائيلي أكبر من قيمة الإنسان العربي حتى يستطيع تسويق فكرة أن خسارة إسرائيل 12 شخص توازي خسارة الفلسطينيين لمئات الأرواح.

والذي يتبادر إلى الذهن عادة أن هدف ادعاءات النصر الكاذبة هذه هو رفع الروح المعنوية عند الحاضنة الشعبية للتنظيمات الإسلامية، ولكن عند التدقيق فيها بشكل أعمق يتبيّن أنها عملية مقصودة لها أهداف سياسية أبعد، أوّلها التأكيد على أن حماس وحلفائها من المنظمات الإسلامية قد أصبحت بعد هذا “النصر” الممثل الحقيقي للفلسطينيين، خصوصا مع تراجع دور السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، والذي تأكد عند إلغاء الانتخابات الفلسطينية نتيجة خوف السلطة من خسارتها أمام تحالف البرغوثي والقدوة أو لحساب حماس كما هو مرجّح اليوم، ويمكن ملاحظة نجاح حماس في تحقيق هدفها هذا من خلال هتافات المحتفلين بنصر حماس في الضفة الغربية، ومن ما قاله المصلّون أثناء طردهم لمفتي “السلطة” من المسجد الأقصى: روح عند أبو مازن نحنا رجال محمد ضيف “القائد العسكري لحماس”.

والهدف الثاني هو توظيف هذا النصر المزعوم في مصلحة محور الإسلام السياسي إقليميا، مثل الترويج لإردوغان ومزاوداته الإعلامية وتهديده مثلا بأنه سيتعامل مع غزة كما تعامل مع أذربيجان، في تأكيد على أن خطاباته لا يمكن أخذها على محمل الجد، أو إرجاع الفضل في هذا النصر إلى إيران وجنرالات حرسها الثوري الذين قاموا بتسليح حماس وتدريب مقاتليها، مع التأكيد على دور قطر التي لا تبخل بالمال وتقيم فيها بعض قيادات حماس ومنها يقومون بمخاطبة العالم، والهدف الأشمل هو تصوير ما حدث كانتصار للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي تفرّغت قنوات اليوتيوب التابعة له لتغطية أحداث غزة لأن حماس أولا وأخيرا امتداد لهذا التنظيم.

وليس مهما عند الإسلاميين إن كان تصدّرهم للمشهد سيصبّ في مصلحة الفلسطينيين أم لا، فحركة حماس مصنفة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان كتنظيم إرهابي، واعتبارها ممثلة عن الفلسطينيين سيؤدي عاجلا أو آجلا إلى خسارتهم حالة التعاطف التي تم التعبير عنها مؤخرا في المظاهرات التي شهدتها بعض المدن الأوروبية والأميركية، فحتى اليوم لا يريد الإسلاميون الاعتراف بأن العالم لا يرتاح لأفكارهم المتطرفة والمتشددة، وهذا لا يقتصر على دول الغرب بل يشمل وبدرجة أكبر دول الشرق مثل الصين والهند وروسيا.

كما تم استخدام هذا النصر الكاذب في مهاجمة الدول العربية المعتدلة خصوصا تلك التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، وازدادت حدّة هذا الهجوم في الأيام الماضية نتيجة تراجع حجم التعاطف العربي الرسمي والشعبي مع الحرب الأخيرة، وتحميل كثيرين حركة حماس مسؤولية الضحايا والدمار الذي حصل، فلجأ الإسلاميون إلى حملات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي للضغط على المثقفين والفنانين والرياضيين العرب لدفعهم عبر المتاجرة بدماء ضحايا غزة المدنيين، لتأييد ما قامت به حماس والهجوم على بعض الدول العربية.

كما تحاول حماس، من خلال ادعائها النصر، تكرار تجربة النصر الإلهي المزعوم لحزب الله عام 2006 الذي مكّنه من السيطرة على لبنان بعد تنفيذه مطالب إسرائيل بالانسحاب من حدودها وانتشار الجيش اللبناني مكانه بالاشتراك مع اليونيفيل، ومن هذه التجربة استلهمت حماس استعراضات الشباب الملثمين والذين لا يستهدفون إخافة إسرائيل بل زرع الرعب في سكان غزة العزّل، وقد يتمكنون قريبا من زرع هذا الرعب عند سكان الضفة الغربية إذا نجحوا بالاستيلاء عليها بعد غياب محمود عباس، وما قد يترتب على ذلك من انشقاقات أو انهيار في فتح ومؤسسات السلطة.

ولعلّ أخبث الأسباب وراء ادعاءات النصر هذه، هو إسكات ذوي الضحايا من الفلسطينيين عبر محاولة اقناعهم بأن دماء أبنائهم لم تذهب سدى، وحتى لا يتساءلوا لماذا يموت شبابهم في الأنفاق، بينما يعيش أبناء قادة حماس حياة مريحة، فإسماعيل هنية نعى الشباب الفلسطينيين الذين قتلوا في المعركة الأخيرة بأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، بينما هو “ينتظر” في أحد القصور ويلقي منها خطابات الحضّ على الجهاد والشهادة.

وأخيرا، فإن النصر المزعوم واقتناع بعض السذّج بأن إسرائيل على وشك الزوال يجعلهم يرون أن هدف من يطالب بالحلول السلمية هو إنقاذ إسرائيل وبالتالي يصبح واحدا من الصهاينة العرب، في حين أن الهدف الحقيقي لدعاة السلام هو إنقاذ أطفال غزة والضفة وشبابها ونسائها وفتح الأبواب أمامهم نحو حياة كريمة، لأن وعود الانتصار القريب بعيدة جدا عن الواقع وأكدتها هذه العقود الطويلة من الهزائم المتواصلة، بل أن الفجوة العسكرية والاقتصادية والثقافية والعلمية بين إسرائيل والدول العربية تزداد باستمرار لمصلحة إسرائيل لأنها دولة ديمقراطية حديثة، بينما “الكيانات” العربية المحيطة بها لم تتمكن حتى الآن من تجاوز مرحلة الطائفة والقبيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى